“دماغ شيطان”.. أسباب الفشل

رانيا يوسف وباسم سمرا بطلا الفيلم رانيا يوسف وباسم سمرا بطلا الفيلم
Print Friendly, PDF & Email

هذا الفيلم قد يكون مُحيِّرًا عند تناوله؛ فقد ظهر مُخرج الفيلم مُدِّعيًا أنَّ هذه النسخة من الفيلم ليس ما قام بإخراجه، وأنَّ مُنتج الفيلم قد غيَّر في تحرير مشاهد الفيلم، وحذف منها بعد تسليمها له دون معرفة من المخرج بهذا، إلى أنْ ظهر الفيلم على هذه الحال. وقد عضَّد الممثلون من أقواله؛ مما يدفعنا إلى القطع بأنَّ ما نراه ليس هو الفيلم كاملاً، أو -بدقَّة- ليس هو الفيلم مُنضبطًا.

وهذا قد يؤثر على رؤية العمل والحُكم عليه التي قد تنقسم حولها الآراء قسمَيْن -من وجهة نظري-: قسم يرى أننا لا نستطيع أنْ نحكم على العمل أيَّ حُكم لأنَّه ليس العمل الذي قد حرَّره مُخرجه، وقسم يرى أنَّ هذا الأمر لا يؤثر على الحُكم على العمل؛ لسبب واضح أنَّ هذا ما قد خرج للعلن وحمل اسم الفيلم. وكي لا نظلم عملاً وصانعيه، وكي لا نظلم مُجتمعًا قد قُدِّم إليه العمل وعُرض في دور عرضه وكذلك على وسائل العرض الأخرى؛ فلا بُدَّ أنْ نرى العمل رؤية مُراعية -بعض الشيء- الجانب الإداريّ له لكنَّها في النهاية تنتصر للسيد المُشاهد الذي يتلقَّى هذا العمل دون التدخل في أيَّة جوانب إداريَّة؛ فبالعموم هذا هو الواقع.

فيلم “دماغ شيطان” من إنتاج 2020. أخرجه كريم إسماعيل، وقام تأليفه عمرو الدالي. وقام بتمثيله: باسم سمرة، رانيا يوسف، عمرو عابد، سلوى خطاب، ياسر الزنكلوني، أشرف طلبة، وليد فواز. مدير تصويره ضياء جاويش، والموسيقى ليوسف صادق. الفيلم من تصنيف إثارة، دراما.

الفيلم يدور في أثناء مباريات كأس العالَم 2018 في إحدى الحارات الشعبيَّة نرى شابًّا يبدو عليه التأخُّر الذهنيّ يتحرك مُنفعلاً مع الجماهير. ثم يراه أحد الجالسين (أشرف طلبة) على مقهى ويلاحظ حالته، ويريد به الشرَّ فيتبعه إلى مدخل بيته المظلم تمامًا، ويحاول أن يحتال عليه ليُدخله إلى قبو مُلحق بالمدخل. وفور دخولهما إلى هناك يبدأ الرجل في تهديد الشاب بسلاحه لينفِّذ ما يريد. بعد دقائق تصل إلى مدخل البيت أخت الشاب الحُبلى (نادية خيري) ومعها زوجها (عمرو عابد) حيث يُفاجآنِ بأخيها الشابّ وبجواره جثَّة الرجل مطعونةً في الصدر وغارقةً في الدماء. تتوتر الأجواء للغاية ويحاول الزوجان وأمُّ الزوجة (سلوى خطاب) أن يزيلوا آثار العمل الإجراميّ بعد أن نقلوا الجثة إلى شقتهم في الطابق العلويّ.

تقرِّر الأمّ الاستعانة بابنها سيد (باسم سمرة) سائق الميكروباص والذي نجده على جانب آخر مع سحر (رانيا يوسف) في علاقة آثمة -والتي هي أخت عمرو عابد أيضًا-. يذهب سيَّد لينقذ الموقف ويقترح لفّ الجثة في ملاءة والتخلص منها. وفي أثناء تلك العمليَّة يصل علي (ياسر الزنكلوني) زوج سحر ليثأر من سيد بعدما علم بعلاقته الآثمة مع امرأته. ويحاول الموجودون تدارك الأمر لإخفاء الجثة؛ لكنّ سيد المتهور يدخل في شجار مع علي. ويتدخّل ضابط الشرطة (وليد فواز) الذي يريد شيئًا من سيد منذ مدة لكنَّنا لا نعرفه. يتمّ اقتياد سيد وعلي إلى القسم ليُحبسا. وفي ظلّ محاولة الباقين في البيت التخلُّص من الجثة تلد الزوجة الحُبلى ليتعقد الموقف أكثر فأكثر. ثمّ في ساعات الليل المقبلة وبعد عملية الولادة تُتوفَّى الزوجة ليتعقد الموقف إلى أقصى مدى؛ فبعد جثة واحدة أصبح لديهم جثتان! ويعرض علينا الفيلم ما الذي سيحدث لهذه الأسرة ومشكلتها وما سيفرضه الموقف من تعقيدات عديدة بعدها.

رانيا يوسف

تلك هي قصة الفيلم الذي امتاز السيناريو فيه بصُنع عديد من التعقيدات المتلاحقة والمتشابكة. ما بين تشابكات العلاقات الأسريَّة؛ حيث علاقة شخصية باسم سمرة بشخصية رانيا يوسف، التي قريبة باسم سمرة من جانب آخر، والتي نكتشف في تطورات الأحداث مُفاجأة تنتظرنا متعلقة بهذه العلاقة. وتشابكات الأحداث العامة والتي امتازت ببدايات جيِّدة، والتي امتازت أيضًا بدوافع متعددة لتطور الأحداث مثل وفاة الزوجة، وسرقة الميكروباص، وبحث أهل القتيل عنه. كل هذه العوامل المتشابكة هي معطيات قويَّة لبدء دراما جيدة، ولتطوير أحداثها وصولاً لخطّ النهاية. لكنَّ الإشكال الحقيقيّ لمْ يكن في إيجاد المُعطيات، بل في إدارة السيناريو نفسه. فليس اجتماع مواد البناء الخامّ يُكوِّن المبنى، بل الهندسة والفكر هما ما يبنيانه مُشيَّدًا.

ليس معنى السابق أنَّ فيلمنا مهدوم لكنْ يعني أنَّ به الكثير من مواطن الخطأ التي لو تجنبها الصانعون لسلم البناء ولخرج لنا فيلم جيد. من هذه الأخطاء الاضطراب في خط الأحداث العامّ التي تدور في ثلاثة أيام. تمثَّل هذا الاضطراب من وجود خطوط فرعيَّة غير مفهومة مثل علاقة الضابط بامرأة لا تظهر إلا على سريرها وهي تبكي في مشاهد قليلة، اكتشفنا بعدها أنَّها امرأته. وكانت تبحث عن شيء مُؤنَّث بعد جُهد جهيد، واعتقاد كثير من السادة المشاهدين أنَّها قطة مثلاً أو شيء ما نكتشف أنَّها ابنتها! وهي تستحث الضابط أنْ يجدها لها فما تأثير هذا على الأحداث؟! بل ما مبرر وجوده من الأساس؟! والأعجب أنَّ هذا الخطّ الفرعيّ كما دخل دخولاً غامضًا مُفاجئًا غير مُبرَّر خرج فجأةً أيضًا كأنْ لمْ يكن.

وكذلك عاب السيناريو وأدّى إلى اضطرابه العامّ بعضُ العلاقات غير المُبرَّرة التي كان لها تأثير على خطّ سير الأحداث؛ مثل علاقة الضابط بسيّد الذي نراه يترصّده منذ البداية ولا نعرف لِمَ كانت هذه العلاقة على تلك الشاكلة. هذه ليست أمورًا لا قيمة لها، لأنَّ تلك العلاقة المتوترة هي التي دفعت الضابط لأن يصرَّ على حبس سيّد رغم تصالحه مع علي بعد وجود الشرطة، وهو التطور الذي أزَّم الأحداث على جانب آخر.

كما عابه أيضًا تأخُّر الكشف عن بعض مبررات الأحداث لدرجة افقدتْ المُشاهد الحاجة لمعرفتها؛ فقد قرر المشاهد أنْ لا ينفعل معها، فقد انهدم كلّ تفاعله مع الأحداث بسبب عدم وجود تلك المبررات. من أمثلة ذلك علاقة سحر بزوجها التي كُشفت بعدما حدث كلّ شيء، ومثل ما الذي كان يريده الضابط من سيد والذي لمَّح لنا الحوار أنَّه يريده أنْ يكون عينه ومُرشده بين أهالي المنطقة. وكذلك أيضًا عابه التغير الانفعاليّ والنفسيّ العامّ لشخصياته في المشاهد المُفردة وعلى الخطّ العموميّ، ولعلّ أبرز مثال التغيُّر في شخصيَّة سحر ما بين خوفها وارتعابها أول الفيلم وما بين ما فعلته بكل برود في نصفه الأخير وكأنَّ شيئًا لمْ يكن.

من كواليس تصوير الفيلم

كذلك عابه بعض المَشاهد التي تخرج عن حدّ احترام ذكاء المُشاهد. وأبرزها هذا المشهد “الأسطوريّ” الذي تُقدِم فيه سحر على فعلة شنعاء ثم تقول لسيد أنْ يدخل ليستحم! ثم يخرج ليجدها قد لبستْ ملابسها بمنتهى الاعتياديَّة وقد قامت بفعل شيء يتطلب ساعات وساعات لعمله دون أدنى إشكال، والأشدّ غرابة أنَّها تدعوه بعدها ليأكلا كبابًا!! .. وكما كان الاضطراب في السيناريو كان الاضطراب في الحوار في المشهد الواحد، وعلى طول تطور كلّ شخصيَّة. لكنَّ الملحوظ أنَّ المؤلف اهتمّ اهتمامًا بالغًا بمراعاة الاقتراب من لغة ومفردات كلّ شخصيَّة، وهو أمر محمود في مثل هذه الدراما الواقعيَّة.

أمَّا عن الإخراج فكان أشدّ المُتضرِّرين بعمليَّة العبث بالفيلم الذي سُلِّم. لكنَّه مسئول أيضًا عن إطار المشاهد الكاملة الموجودة في شريط الفيلم؛ هذا ما لا يمكن التهرُّب منه. وفي المشاهد اضطرابات عديدة لكنَّ الإطار العامّ للفيلم يدلّ على محاولة جهيدة من المخرج للاجتهاد وصُنع منتج جيد. وهذا كلَّه محمود لمخرج في تجربته الأولى التي تظهر للعلن.

وقد اهتمّ المخرج بالتصوير والإخراج الصِّوَريّ -أو الجانب التصويريّ من الإخراج- لكنَّه بالغ بعض المبالغة في إظهار بصمته ووجوده؛ فرأينا مثلاً الكاميرا في أماكن غير اعتياديَّة لتدلّ -من جهة- على الاجتهاد في صناعة جديد، -ومن جهة- على عدم التوفيق المُصاحب لقلَّة الخبرة. رأينا الكاميرا بجوار دجاجة على صينيَّة طعام، رأيناها وراء جثَّة من تحت السرير، رأيناها على كَفَن. ورأينا كذلك بعض المَشاهد التي صُوِّرتْ بطريقة عجيبة؛ منها مشهد ظلَّت الكاميرا تتحرك من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار دون أيّ مُبرر لهذا الأمر.

كما أنَّ كثيرًا من الجوانب الإخراجيَّة اتسمت بعدم الإتقان مثل مواقع التصوير؛ مثلاً الحبس واضح كلَّ الوضوح أنَّه ديكور، بل يظهر الباب (باب الحبس الذي هو في الحقيقة حديديّ) على هيئة مثيرة للسخريَّة، وكذلك الجدران. والغريب أنَّ المخرج لمْ يفعل شيئًا لتجنُّب الأمر فصوَّر مشهدًا والممثل يستند على هذا الباب بيِّن التزييف. رغم هذا واضح أنَّ المخرج سينجح فيما بعد مع الاجتهاد والتدريب واكتساب الخبرة واستمرار التعلُّم؛ فتأسيسه الأوليّ جيد.

ومع كل هذه العناصر غير المُوفَّقة هناك عناصر مُوفَّقة مثل الموسيقى التي كانت جيدة طوال أحداث الفيلم، ومثل إدارة التصوير التي امتازت بإضاءة جيدة للمَشاهد في غالب الفيلم. وهناك أيضًا التمثيل الذي أجاد جُزئيًّا لأنَّ كثيرًا من العوامل الأخرى -مثل الكتابة وأسلوب الإخراج- تؤثر على الممثلين بل إنَّ لها الأثر الحاسم على أدائهم النهائيّ. لكنْ قد أجادتْ رانيا يوسف كثيرًا من الفنيات التمثيليَّة -ولا يحتسب في هذا الانتقال المُفاجئ في الشخصيَّة وفي انفعال المشهد الواحد غير المُبرَّرَيْن فهما مسئوليَّة المؤلف والمخرج-، وكذلك أجاد باسم سمرة شخصيَّة النَّزِق الأحمق المتهوِّر للغاية، فيما تعثَّر أداء الكثيرين تحت أخطاء السيناريو والإخراج.

Visited 158 times, 1 visit(s) today