“الحفرة الأبدية”.. لحظة وجودية استمرت 33 سنة

الزوجة التي ضحت بشبابها من أجل زوجها الزوجة التي ضحت بشبابها من أجل زوجها
Print Friendly, PDF & Email

يمكنني القول إن الفيلم الاسباني “الحفرة الأبدية” The Endless Trench واحد من أفضل ما شاهدت من أفلام خلال الأشهر الأخيرة. إنه عمل غير مسبوق، في موضوعه وصياغته الدرامية الدقيقة، وقدرته الكبيرة على جذب الانتباه طوال نحو ساعتين ونصف.

“الحفرة الأبدية” عمل مصنوع بدقة مثيرة للإعجاب، فهو يتمتع بإيقاع ينساب في سلاسة وسيولة وبساطة ظاهرية تخفي قدرة كبيرة على التحكم في السياق، يتوقف التصعيد الدرامي عندما يجب التوقف، ويسمح بمساحة للتنفس، للتأمل فيما أطلق عليه أنديه مالرو “المصير الإنساني” في روايته الشهيرة. فقد أصبحت حياة الأشخاص الذين نتابع مساراتها، تبدو من دون نهاية، أبدية كما يشير عنوان الفيلم. ورغم كل هذه الدقة في رسم الشخصيات والبناء الدرامي، والتعبير الفذ عن تعاقب الزمن عبر سنوات عديدة، والأداء التمثيلي الذي يرقى إلى أفضل مستويات التمثيل في سينما العالم، إلا أن من المدهش أن نعرف أن هذا الفيلم هو نتاج لاشتراك ثلاثة مخرجين في إخراجه، وهم أيتور أريجي، وجون غارانو، وخوزيه ماري غيوناغا.

فكيف يمكن لثلاثة مخرجين أن يشتركوا معا في اخراج فيلم واحد وتكون النتيجة عملا يتمتع بكل هذا التماسك والرونق، رغم أننا نعرف أنها ليست بالطبع، تجربتهم الأولى، فقد سبق أن عملوا معا في أفلام أخرى، من أشهرها “الأزهار” (2014)، ثم “العملاق” الذي فاز بجائزة لجنة التحكيم الخاصة بمهرجان سان سباسيان عام 2017.

إننا أمام قصة سنعرف في نهاية الفيلم أنها وقعت بتفاصيل متنوعة، لعدد كبير من الأفراد الذين اشتركوا في الحرب الأهلية الاسبانية. وهي قصة، رغم واقعيتها الصادقة، إلا أنها تبدو أغرب من الخيال، وأكبر من قدرة أي إنسان على التحمل. والقصة باختصار هي أن “هيغينيو” الذي شارك ضمن صفوف الجمهوريين في الحرب الأهلية الاسبانية التي اندلعت نيرانها في عام 1933 (استمرت حتى 1939)، سيضطر تحت وطأة هزيمة الجمهوريين، أو انسحابهم أمام الفاشيست، لأن يدفع الثمن غاليا من حياته وحياة أسرته. كان “هيغينيو” قد عين عمدة لإدارة البلدة التي ينتمي إليها في ريف الأندلس. وفي خضم الصراع الدموي في بدايات الحرب الأهلية، ربما يكون قد اتخذ قرارا بإعدام بعض الوشاة الذين انضموا لقوى اليمين الفاشي بقيادة الجنرال فرانكو.

لحظة الهرب من الاعتقال

يعتقله جنود فرانكو مع عدد من زملائه، يسوقوهم جميعا الى السجن، لكنهم ينتهزون انشغال الحراس بمطاردة سجين متمرد فيهربون جميعا ويختبؤون في حفرة عميقة مليئة بالماء خارج البلدة. لا يمر سوى قليل من الوقت حتى يعثر عليهم الجنود، يرونهم من أعلى الحفرة، فيطلقون عليهم وابلا من الرصاص. يقتلون ثلاثة رجال، ويصيبون رابعهم، أي هيغينيو، بجرح في ساقه، إلا أنه يتمكن من الفرار والعودة إلى منزله.

هيغينيو كان قد تزوج حديثا لكنه لم يتمكن، من قضاء “شهر العسل” مع زوجته الشابة الجميلة “روز” كما وعدها، بل وجد نفسه مرغما على الاختباء. ولكن أين؟ في حفرة يحفرها خلف جدار وهمي في بيته ويضطر لقضاء لياليه الطويلة في داخلها كما لو كان فأرا. وبعد وفاة والده، ينتقل خلسة تحت ستار الليل مع روز، إلى منزل والده الأكبر والأفضل، لكي يتجنب على الأقل، تسرب صوت أحاديثه مع زوجته في الليل عبر الجدار الذي يفصل بينه وبين منزل جاره العنيد الشرس “رودريغو”. فهو يبحث عنه لكي يفتك به، بدعوى أنه تسبب في مصرع شقيقه.

في منزل والده يحفر حفرة أخرى أكثر عمقا، خلف جدار يغطي على تلك الحفرة. ويقضي هيغينيو الليل في الحفرة لا يخرج منها سوى لسويعات في النهار كلما أمكن، يساعد زوجته في حياكة الملابس، وهي الصنعة التي ورثها عن والده. وعند أول بادرة للخطر، يسارع إلى الاختباء مجددا في الحفرة. تمر السنون، وتتغير الأحوال، ويتقدم العمر بالرجل وزوجته، وتستمر الحياة على هذا النمط لمدة 33 سنة، لا يجرؤ خلالها “هيغينيو” على مغادرة البيت إلى الخارج، ولن يرى ضوء الشمس سوى بعد أن يصدر عفوا عام على الفارين من جحيم الحرب الأهلية الاسبانية من خصوم نظام فرانكو عام 1969، أي بعد أن يكون هيغينيو قد أصبح كهلا.

إننا أمام حبكة مثيرة، رغم أن الغالبية العظمى من الأحداث تقع في مكان ضيق محدود أي داخل ديكور داخلي، ومع ذلك يتمكن مخرجو الفيلم، بفضل السيناريو المكتوب بدقة الساعة السويسرية، الذي اشترك في كتابته لويس بيرديجو وخوزيه ماري جيوناغا، من تجسيد العلاقة الفريدة التي تربط بين هيغينيو وروز، كيف تتدرج من الحب والولع، إلى النضج والفهم المشترك لطبيعة الظروف القاسية المحيطة، وكيف تقف “روز” مع زوجها في أحلك الظروف، تعيش معه داخل السجن الكبير وتعاني من وطأة العيش. لقد كانت هي التي دفعته من البداية إلى الاختباء في حفرة، وهي تخرج فقط لتقضي بعض ما يتعين قضاؤه، ثم تعود لتعمل، وتستقبل الزبائن، وتطهو الطعام.

سيأتي وقت تعبر روز عن رغبتها في الحمل والإنجاب. وتنفجر الخلافات بين الزوجين، خاصة بعدما يبدأ الرجال في البلدة وخاصة من يترددون على المنزل لتفصيل الملابس أو رتقها واصلاحها، في التقرب من “روز” ومغازلتها، بل ستتعرض روز للاغتصاب، ويتصاعد الشك من طرف زوجها بعد ان تكثر من الذهاب للخارج، ثم بعد أن تحمل بالفعل. هل هذا الابن الذي تحمله في بطنها من صلبه أم هو طفل الواقعة، أي نتاج الاغتصاب الذي دفع هيغينيو دفعا الى قتل المغتصب.

وعندما تصبح على وشك وضع طفلها، تذهب بعيدا الى بلدة أخرى، الى منزل ابن عمها حيث تعود وهي تحمل طفلها الوليد بدعوى أنه ابن قريبها الذي فقد زوجته وأنها ستتولى تربيته. لكن الجار الفظ “رودريغو” لا يكف عن التردد على المنزل، فهو يشك في وجود غريمه مختبئا في الداخل.

العالم من وراء الستار

هذا فيلم عن “السجن النفسي” أكثر منه عن السجن المادي. فالسجين الذي يضطر لحبس نفسه هربا من الاعتقال والتعذيب والموت، يصبح مع مرور الزمن، عاجزا عن التحرر من سجنه، حتى بعد أن تختفي المخاطر. والزوجة التي عاشت في كنف السجين تصبح بدورها، سجينة معه، لكن سيأتي وقت تعلن تمردها على ذلك الوضع الإنساني الذي لا يطاق. تسعد بإنجاب طفل وتخرج الى العالم بعد أن أيقنت أن الاستسلام داخل البيت بجوار الحفرة، هو الموت بعينه.

يجسد المخرجون الثلاثة بالتعاون مع مهندس الصوت، خوف هيغينيو وتكثيف حالته النفسية والتعبير عن تصاعد هواجس الوقوع في أيدي رجال السلطة، من خلال شريطي الصورة والصوت. فعلى مستوى الصورة هناك اهتمام كبير بتصوير أدق تفاصيل الديكور، مع منح الصورة طابعا حزينا قاتما، وهيمنة الألوان البنية والصفراء بدرجاتها، مع إضاءة خافتة، كما تبدو الأحلام والكوابيس كما لو كانت تدور في الواقع أي من دون أي تغيير في النغمة اللونية أو طرق المزج أو التكوينات الخاصة الغريبة. فالمقصود هو أن نشعر بأن حياة بطلنا طويلا داخل الحفرة، جعلته عاجزا عن التفرقة بين الحقيقة والخيال، وبين الواقع والكابوس.

هناك تلك الأصوات التي تأتي عبر الجدران، من الجيران أو من الشارع ومن الحركة في الشارع، وهيغينيو يتطلع بين حين وآخر، من فرجة في الستار الذي يغطي النافذة إلى ما يجري في الخارج، يراقب في ترقب وفزع، ما يجري في المقهى الواقع مقابل البيت حيث يجلس هناك يوميا غريمه اللدود رودريغو كأنه يراقب المنزل. فهو على يقين من أن هيغينيو موجود في داخله.

من مخبئه ينصت هيغينيو أيضا الى كل الأصوات التي تأتي إليه من داخل المنزل، من زوجته وابنه والزبائن الذين يترددون على روز، وما يتداعى بعد ذك من مواقف درامية مثيرة، أو عندما يقتحم رودريغو المنزل أثناء غياب روز في الخارج، ويظل يطرق كل جدرانه بحثا عن المخبأ الذي يختبيء فيه هيغينيو.

أثناء التصوير الخارجي في القرية

هناك أيضا الكثير مما يستمع إليه هيغينيو من خلال المذياع (ثم التليفزيون فيما بعد) الذي يبث الأخبار التي ترسم لنا صورة حية عن تطور الأحداث السياسية خاصة في زمن الحرب العالمية الثانية التي يأمل هيغينيو أن تنتهي لصالح الحلفاء معتقدا أنهم سيتخلصون من حكم فرانكو المعادي للديمقراطية، وهو ما لم يحدث بل إن قائد قوات الحلفاء في أوروبا الذي سيصبح رئيسا للولايات المتحدة، أي الرئيس أيزنهاور، سيأتي لزيارة تاريخية الى اسبانيا ويلقي خطابا حماسيا يستمع هيغينيو الى مقطع منه في المذياع. وسوف يستمع هيغينيو أيضا إلى خطابات الجنرال فرانكو التي تؤكد استقرار نظامه، وأن كل التضحيات السابقة في الماضي، لم تحقق شيئا!

هذه الأصوات كلها، تعوض قلة الحوار في الفيلم، ولحظات الصمت الطويل التي يعيشها هغينيو خاصة بعد أن ترحل روز عنه لكي تضع طفلها. وعندما يكبر الإبن ويصبح شابا، يجد نفسه مرغما على الاشتراك في تلك “المؤامرة العائلية” لإخفاء الحقيقة والتظاهر بأن أمه ليست أمه، وهو وضع لن يحتمله طويلا بدوره.

ومن أكثر عناصر الفيلم توفيقا عنصر الحركة، أي التحكم الدقيق في حركة الممثلين داخل الديكور الضيق، والاستفادة من جميع تفاصيل المكان واكسسواراته، واستخدام الكاميرا الحرة المحمولة التي تتجول في أرجاء المكان لتعكس الاضطراب الذي يشعر به بطلنا الحبيس والتعبير عن حالته النفسية، مع الاستفادة القصوى من تفاصيل درامية أخرى كثيرة، كأن يخشى هيغينيو أن تقتحم الشرطة المنزل وتعثر على رفاة الرجل الذي اضطرا لقتله ودفنه أسفل “الحفرة” (أصبح هيغينيو حرفيا ينام فوق جثة) وهو ما يجعله يسارع الى نبش الحفرة واستخراج الجثة وحرق بقاياها في فرن الموقد المنزلي.

ولا شك أن أهم عناصر الفيلم وقوة تأثيره، يكمن أيضا، في ذلك الأداء البديع الذي يجمع بين اثنين من أهم الممثلين في السينما الاسبانية: أنطونيو دو لاتور الذي يبرع في التعبير عن حالة القهر والخوف والشعور بالهلع لأي صوت يسمعه أو لصوت وقع قدمين يقتربان من باب المنزل، متى يصمت ومتى يتأمل وكيف ينهض مفزوعا يصرخ في الليل، ثم كيف تتراءى له صور من الماضي: من رفاقه في الحرب، لأبيه المتوفي وهو يناجيه ويشجعه على الصمود، للرجل الذي قتله ودفنه تحت حفرته، وهو ينهض من التراب ويشعل سيجارة ويدعوه لمشاركته التدخين.

أنطونيو دو لاتور يبدو أيضا شديد الإقناع وهو يؤدي دور هيغينيو بعد أن أصبح كهلا، ازداد وزنه كثيرا وأصبحت حركته بطيئة. والطريف أن الممثل قام بالفعل بزيادة وزنه نحو عشرة كيلوغرامات اكتسبها خلال أسبوعين لكي يؤدي ذلك الجزء من الفيلم. وأنطونيو دو لا تورا هو الذي أبهرنا أداءه في العام الماضي في فيلم “ليلة الإثني عشر عاما” حيث قام بدور “خوسيه موجيك”، السجين الذي قضى 12 عاما في السجن وأصبح فيما بعد رئيسا لأوروغواي.

الممثل في لقطة عمل

وليس من الممكن تصور ممثلة أفضل من “بيلين كويستا” في دور روز، بكل تلك الكيمياء السحرية التي تجمع مع دو لا تورا. إنها تعبر بثقة كبيرة ومن خلال شخصية طاغية، عن دور امرأة تحمل على عاتقها تدبير كل الأمور، كزوجة وحبيبة وأم، تعمل وتقضي الأمور وتدبر المنزل وتربي الولد وتتستر على الزوج وترعاه. وهي في لحظات الحب تتألق تماما كما تتألق في لحظات الغضب والتمرد ولكن دون أن تتخلى عن الحب.

حقق فيلم “الحفرة الأبدية” نجاحا كبيرا، وأصبح الحدث السينمائي الأول في اسبانيا في 2020، واعتبر أفضل الأفلام الاسبانية من جانب النقاد في دورة مهرجان سان سباستيان في سبتمبر الماضي.

Visited 134 times, 1 visit(s) today