“يونابمبر” أخطر المجرمين شغوف بالفلسفة

 

نهى غنام

 

جذبت منصة نيتفلكس جمهورها المهتم بالإثارة والدراما الى أحدث أفلامها المعروض في 26 سبتمبر 2026، فيلم Unabomber اخراج يانوس بيدرسن، سيناريو سام تشالسن ونيلسون غريفز، بطولة راسل كرو وجيكوب تريمبلاي وانابيل واليس وشايلين وودلي، ويتناول حياة الإرهابي الأمريكي تيد كازينسكي الذي اعتبر واحداً من أخطر المجرمين في تاريخ الولايات المتحدة الامريكية لأكثر من 20 عاماً، حيث نفذ مجموعة من جرائم الاغتيال بطرود بريدية متفجرة يدوية الصنع بحق علماء وأكاديميين بين العامين 1978 حتى 1995، بسبب رفضه لما رآه دعماً للمجتمع التكنولوجي الذي سلب الانسان حريته وكرامته.

السيرة الذاتية للمجرم الموهوب

ولد ثيودور كازينسكي في شيكاغو لأبوين من أصل بولندي قدما الى أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية وهو الشقيق الأكبر لديفيد الذي سيلعب دوراً محركاً في قصته فيما بعد، وعلى الرغم من حالة الانعزال والانطواء التي كان يفضلها تيد ظهر عليه التفوق في سن مبكر، حتى أنه التحق بجامعة هارفرد بعمر 16 عاماً وذلك في عام 1958، وحصل على الدكتوراة في الرياضيات من جامعة ميشيغان في العام 1967، ليتعين بعدها أستاذاً في جامعة كاليفورنيا وهو في ال 25 من عمره، وقد أثبت في كل مراحل حياته مدى عبقريته التي استحق ان يوسم بها.

تعرف تيد في سنواته الجامعية الاولى الى أستاذه في علم النفس هنري موراي الذي تأثر به لدرجة أن يقنعه بالتدرب على خوض مناظرة نفسية مع طالب يكبره بالعمر والتجربة والدرجة العلمية، وخاض تيد التجربة رغماً عن والديه بعد أن زور توقيع والدته بالموافقة، خلال ذلك اكتشف عبقري الرياضيات شغفه الشديد بالفلسفة، كما أبدى قدرة عالية على النقاش متأثراً بأقوال كبار الفلاسفة ووجهات نظرهم في الحياة، غير أن اعلان خسارته بعد كل مناظرة كان يشعره بالإحباط، وسط وضوح تام لعدم التزام منافسه بقواعد النقاش، حيث تشكلت العقدة الأولى في الحبكة عند قيام المنافس بعرض تسجيل صوتي لتيد وهو يعترف بفشله في الحب وشعوره بأنه كائن مريخي لا ينتمي الى كوكب الأرض، هنا انفجر الضحية صارخاً في وجه مختبريه ليكتشف أنهم يجرون عليه تجارب نفسية متعلقة بحالة الخضوع، والأبعد من ذلك اعتراف استاذه بتشخيص اصابته بالفصام مما قلب شخصية الشاب والقى في ذهنه بذرة الشر.

أكمل تيد بعد ذلك مشواره في التعليم والعمل وحيداً بعد أن انقطع عن عائلته واستاذه، وأخذت أفكار العزلة تنمو في رأسه وتنتقل الى أصابع يديه ليشرع بتنفيذ آلته الاجرامية وهي الطرود البريدية المتفجرة، التي برع بتصنيعها في كوخه المعزول البدائي الذي افتقر لمظاهر الحداثة، وسرعان ما تدهور وضعه ليستقيل من عمله كأستاذ جامعي ويصبح رجل غابة رافض للمجتمع العصري وتطوره.

بدأ تيد بتنفيذ مخططه الانتقامي من العلماء والطيارين منذ العام 1978 وتمكن من قتل 3 أشخاص واصابة 23 بعاهات دائمة على مدار 20 عام اتعبت مكتب التحقيقات الفيدرالي FPI الذي استطاع الوصول اليه من خلال بياناته التي اعتاد أن يكتبها لصحف نيويورك تايمز وواشنطن بوست، وتم القبض عليه في كوخه المنعزل ثم حكم عليه بالسجن مدى الحياة الى ان انتحر في سجنه عام 2023.

سرد القصة سينمائياً

اختار المخرج أن يسرد قصة العبقري المجرم عبر خطين زمنيين وهو ما يعرف بالسرد القصصي المتوازي، فقد بدأت احداث الفيلم من العام 1994 بتمثيل حادثة اغتيال لأحد الضحايا الذين قضوا في تفجيرات الطرود البريدية ثم استعراض للحادثة عبر نشرات الاخبار التي أدخلت مصطلح (يونابمبر) الى ذهن المشاهد، بعدها انتقلت الكاميرا الى العام التالي حيث بدا موظفو الـ FPI منهمكين في البحث عن المطلوب لكن سرعان ما تبين فشل المهمة ليحدث بينهم نقاش حاد عكس مدى الأزمة التي يمرون بها، فيما برزت العميلة جوان ميلر على سطح بطولة المشهد كونها المرأة الوحيدة في الفريق ولديها وجهة نظر مختلفة عن الآخرين.

بموازاة ذلك انتقل المشاهد الى جامعة هارفرد في العام 1958 حيث ظهر تيد كازينسكي طالباً أنيقاً في المدرج يستمع لمحاضرة في علم النفس، ومن هنا انطلقت البداية الفعلية للقصة التي شتتها هذا التنقل المربك بين الزمنين، مما أضاع فرصة تتبع النمو الحقيقي لشخصية البطل في بعض الأحيان مما قد يشعر المشاهد بالتشويش، فقد كونت القفزة بين تيد الطالب العبقري في مقتبل العمر وبين تيد رجل الغابة المخيف فجوة في ذهن المشاهد؛ لا سيما أن شخصية المحققة ميلر بدت متفردة في الخط الزمني الأول بتحديها لرئيسها وزملاءها وهذا ما أوحى للمشاهد بأن التحقيق عبارة عن صراع بين المرأة والرجل وليس منافسة مهنية للقبض على مجرم عنيد وخطير.

Screenshot

في الجانب الآخر من السرد الزمني، بدت شخصية الأستاذ نمطية، كما المرأة المُحققة التي تعمل بجد ولا يصدقها أحد لتتبع حدسها وتبحث عن خيوط القضية لوحدها، ثم تنجح في مهمتها السرية عبر منفذ ذكي وهو التواصل مع ديفيد شقيق تيد، والوصول عبره الى مقتنيات الأم، التي أوصلتها الى مسودة البيان الذي أدان تيد، الأستاذ هنري أيضاَ ظهر مستغلاً لأذكى طلابه من أجل التطور الوظيفي وإجراء التجارب العلمية، وهذا ما يدفع الى الاعتقاد بأن الشخصيتين بحاجة الى المزيد من الاثارة لا سيما أن معالجة القصة روائية وليست وثائقية، فهي بحاجة الى مضاعفة التشويق.

انتهت قصة (يونابمبر) سينمائياً بلقطة ثابتة له في السجن قبل أن ينتحر، وتسجيل صوتي يعكس هوسه بالنظام الصناعي، مشدداً على أنه رمزاً للثورة ضد هذا النظام الذي يجرد البشر من إنسانيتهم، في حين لم يتوانى عن ازهاق الأرواح ليثبت وجهة نظره، وسط انكاره للعلم الذي صنعه وصّدره لمجرد صدمته من استاذه الذي استغله في تجربة نفسية وتلاعب في البحث العلمي، وهذا ما يثبت حالة الانفصام/ الاضطراب التي عانى منها الرجل.

Screenshot