فيلم “الكاهن”.. رسالة طمأنة أم رسالة تحذير؟

Print Friendly, PDF & Email

في ظل أحداث متلاحقة تدفع المشاهد إلى أن يلهث وراءها منذ البداية وحتى النهاية، يقدم عثمان أبو لبن فيلمه المثير ” الكاهن”، تأليف محمد ناير، وبطولة إياد نصار وفتحي عبد الوهاب ودرة، بالإضافة إلى مجموعة كبيرة من النجوم الكبار، على رأسهم حسين فهمي ومحمود حميدة وجمال سليمان وأحمد فؤاد سليم.

ويعتبر “الكاهن” هو ثاني فيلم، في خلال أسابيع قليلة، يطرح فكرة المؤامرة الكونية على العالم بعد “برا المنهج”، وكان قد سبقهم إلى الفكرة نفسها منذ عدة سنوات (٢٠١٧ م)، وإن بطريقة مختلفة، فيلم “الأصليين”، وعلى مستوى الدراما التليفزيونية قدم يوسف الشريف، قبل عامين، مسلسل “النهاية” الذي شارك فيه إياد نصار أيضا، ولعب دورا قصيرا، لكنه كان أكثر توفيقا وتأثيرا لأنه قدم شخصية جديدة وغامضة ( المسيخ الدجال) نجح في تجسيدها من خلال أداء يجمع بين البساطة والعمق، اعتمد فيه على الصمت البليغ  والإيماء المعبّر أكثر من الكلام والتصريح.

وتلمح الأعمال المشار إليها إلى وجود قوى عليا مسيطرة على العالم كله، عن طريق المال أو العلم أو العقيدة أو السحر، أو جميعها، وقد تكون هذه القوى شركات اقتصادية أو مراكز بحثية أو جهات إعلامية أو منظمات سرية. وبين عمل وآخر يأتي ذكر الماسونية عرضا، بالتلميح كما في “برا المنهج” أو التصريح العابر كما في ” الكاهن”  ليظل مسلسل “النهاية” هو الأكثر جرأة والأكثر إثارة لعلامات الاستفهام، لأنه لم يدع المسألة لذكاء المشاهد وتعرّض للمخطط الماسوني، لو صدقت هذه النظرية، صراحة بل تنبأ للماسونية بنجاح مخططها الرامي إلى القضاء على العالم والعودة بالبشرية إلى بداية جديدة!

يروي فيلم ” الكاهن” القصة نفسها تقريبا، لكنه يجعل من القوة المهيمنة شركة اقتصادية عالمية يطلق عليها ” سايروس” تتحكم في البشر وفي العالم كله من خلال الاستحواذ على المعلومات التي تخص الأفراد و المؤسسات عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي المنتشرة في هذا العصر بقوة بين الناس. وتظهر هذه الفكرة في مشهد معبّر عندما يركب الصحفي حسن ( إياد نصار) مترو الأنفاق ويرى جميع الركاب يمسكون بهواتفهم المحمولة ويتفاعلون مع محتوياتها كالمنومين مغناطيسيا، بينما تصب معلوماتهم الخاصة وبياناتهم السرية في مكان آخر أعد خصيصا لذلك.

وبالرغم من حجم السيطرة الهائلة الذي تمارسه هذه الشركة على حياة الناس، فإن الجميع مسوقون، دون وعي، نحو المصير الذي حددته الجماعة السرية الأولى التي ظهرت في التاريخ منذ أربعة آلاف سنة، وتطورت عبر أشكال مختلفة حتي وصلت إلى ما يعرفه أهل هذا الزمن باسم ” سايروس”. غير أن علاقة هذه الشركة بما يُحاك من مؤامرات حول البشر هو ما لا يعرفه أحد.

وتنطلق شرارة الصراع من هذه الحقيقة المتوارية عندما يقدم أحدهم، أي أحد، على الإفصاح عنها، حيث يكون الموت هو مصيره المحتوم كما حدث مع الدكتور المحاضر مصطفى عبد الجليل ( محسن محي الدين) والصحفية فيروز ( درة) زوجة حسن التي تم إنقاذها في اللحظات الأخيرة. وتكشف الأحداث عن أن كل الفاعلين في الصراع هم في الحقيقة مفعول بهم، لأنهم ضحية لصراع آخر أكبر، يعملون في خدمته، دون أن يعرفوا، من أجل تنصيب الكاهن ( الزعيم) الجديد لمجموعة الشركات المنتمية للتنظيم السري القديم.

الثلثان الأول والأخير من الفيلم هما الأقوى والأكثر تعبيرا عن فكرته الأساسية، لأنهما اعتمدا على الحوار الذي بلور نظرية المؤامرة، خاصة تلك التي كانت بين محسن محي الدين ودرة في مشاهد البداية، والتي كانت بين أحمد فؤاد سليم وفتحي عبد الوهاب وبين جمال سليمان وإياد نصار في المشاهد الأخيرة. في حين اعتمد الثلث الأوسط على الحركة بنحو أكثر، ما سبب للمشاهد بعض الارتباك، نظرا لكثرة جرائم القتل المتلاحقة وتداخل العديد من الخيوط مع كثرة الشخصيات وتشعب مصائرها، وإن كان هذا الجزء لم يخل من متعة وتشويق نتجا عن البراعة التي أخرج بها أبو لبن مشاهد الحركة والتفجيرات بنحو هوليوودي مثير.

يقوم السيناريو في بنائه على الكثير من المفاجآت التي تتزايد مع تصاعد الأحداث حتي مرحلة الذروة عندما يتم إزاحة النقاب عن الكاهن المنتظر. كما أن موت الشخصيات المؤثرة في الأحداث واحدا تلو الآخر وضع الشخصيات القليلة الباقية في مأزق بحيث وجدوا أنفسهم أمام تحد كبير ومصير غامض، ما أضفي على الأحداث مزيدا من الإثارة.

جاء الحوار عميقا وهادئا بين مجموعة الكبار (عمريا وفنيا)، بينما جاء انفعاليا صاخبا في مجموعة الشباب (عمريا وفنيا كذلك). ولا يرجع ذلك إلى مجرد الفروق العمرية، ولكن أيضا لأن الصراع على مستوى الكبار كان حول مصالح كبرى تخص السلطة والهيمنة داخل التنظيم، خلاف الصراع الذي كان بين الشباب، الذي كان يدور حول أهداف شخصية تخص حياتهم المهنية (العمل الصحفي بالنسبة لإياد نصار، والمحاماة بالنسبة لفتحي عبد الوهاب) ودوافعهم الذاتية (الثأر لمقتل الابنة من قبل درة، ومحاولة إنقاذ الزوجة من قبل إياد نصار) ، وهو اختلاف يعكس واقع الفكر التآمري الذي يجعل القوى المسيطرة تمارس هيمنتها من أعلى بحيث تملك كل خيوط اللعبة فتحرك الآخرين كعرائس الماريونيت، في حين ينشغل هؤلاء الآخرون بحياتهم الصغيرة القاصرة، معتقدين، على خلاف الحقيقة، أنهم يتصرفون وفق إراداتهم الحرة!

وما يميز فيلم ” الكاهن” أنه يقدم نظرية المؤامرة من زاويتين متعارضتين، واحدة تؤمن بالنظرية ( مصطفي وفيروز) وواحدة لا تؤمن بها ( حسن)، غير أن السيناريو يميل إلى ترجيح الرأي الذي يؤمن بوجود مؤامرة، يتضح ذلك من خلال تطور الأحداث، ويتضح بنحو أكبر في المشهد التشكيلي البديع الذي صوره أبو لبن للمحفل الماسوني الكبير الذي احتوي على لحظات تنصيب “الكاهن” وهي لحظات فارقة انطوت على مفاجأة الفيلم الكبرى، وتغيرت على أساسها مصائر كثيرة.

بالرغم من المجهود الكبير الذي  بُذل في تصوير مشهد المحفل، إلا أن النهاية لم تكن مقنعة، لأن لحظة حسم الصراع التي أتت سريعة، ومن قبل الأطراف الأكثر ضعفا، لم تتناسب مع مكانة الكاهن وحجم المنظمة السرية ذات الأذرع الطويلة وتقنيات الحماية المعقدة.

نظرة فتحي عبد الوهاب إلي ابنه ثم وضعه في داخل الفيلا تحت حماية كلب بوليسي مدرّب فيه إشارة إلي ضرورة الحفاظ على الأجيال الصغيرة القادمة، وإبعادهم عن أتون الصراع الحالي حتى تكتمل استعداداتهم، ويصبحوا قادرين على  تحديات المستقبل الأكثر غموضا.

كلمات محسن محي الدين التي تردد صداها قبيل اللحظات الأخيرة من نهاية الفيلم حملت تساؤلا شديد الأهمية حول قوى الخير في العالم. فإذا كانت هناك بالفعل قوى شريرة تعمل علي التحكم في البشر لأهداف تخصها وحدها، فلماذا لا توجد قوى خيرة مضادة تعمل علي حماية البشر من هذا التحكم؟

ويجيب بأن هذه القوى موجودة بين الناس أنفسهم، يطلق عليها “الحراس” وأن الأمل في هذه القوى التي تقوم بعملها لصالحنا، ربما دون أن نشعر أيضا! وفكرة “الحراس”، بهذا المعنى، تعيدنا إلى فكرة فيلم “الأصليين” ، غير أن الأصليين كانوا يُخضعون الناس للمراقبة بحيث تكون حياتهم الخاصة مرئية للقائمين بالمراقبة طوال الوقت بحجة حمايتهم!

فهل يتطلب عمل الحراس أيضا التدخل في حياة البشر وفرض هيمنتهم عليهم؟ بعبارة أخرى، هل التركيز على هذه النوعية من الأفلام في الفترة الأخيرة يُعد بمثابة رسائل طمأنة أم رسائل تحذير؟  هذا ما ينبغي أن نفكر فيه، خاصة ونحن نستقبل عاما جديدا بعد أن غادرنا العام الفائت ومفردات العالم من حولنا تشي باحتمال وجود مؤامرة تقف وراء تفاصيل حياتنا الملغزة!

Visited 36 times, 1 visit(s) today