من التاريخ المجهول لدور السينما العظيمة في العالم
أمير العمري
يطلق الإنجليز- عن حق- على دار السينما اسم “مسرح السينما”cinema theatre لأنه يختلف تماما عن كلمة صالة أو قاعة، فدار السينما تضاهي أعظم مباني المسارح التقليدية العريقة، سواء في تصميمها الخارجي أو الداخلي ومقاعدها وتقسيماتها. ولكن المشكلة أن الأمر لم يعد كذلك منذ منتصف التسعينيات، بعد أن تم تقسيم دور السينما القديمة إلى عدة قاعات، أو مسرح كبير وعدد من القاعات الصغيرة، لأسباب تجارية بحتة بالطبع، مع المحافظة على الواجهة الخارجية في معظم الأحوال. وهو تطور أو تدهور، وقع نتيجة التطور التكنولوجي من ناحية، الذي جعل آلات العرض تصبح أصغر كثيرا عما كانت، ولأسباب تجارية من جهة أخرى، تتعلق بارتفاع تكلفة صيانة المسارح الكبيرة ورغبة أصحابها في جني أكبر قدر من الأرباح من خلال عرض عدة أفلام في قاعات متعددة متجاورة منها ما أصبح لا يزيد في سعته عن 40 مقعدا!
هذا الاتجاه لحق بمعظم دور السينما في العالم ومن بينها بالطبع، مصر خصوصا، دور السينما العريقة التاريخية في القاهرة والإسكندرية، مع هدم وإزالة الكثير منها وبناء مبان سكنية وتجارية في مكانها، ثم التوسع في إنشاء قاعات السينما (أو ما أسميه العُلب السينمائية) داخل المجمعات التجارية المغلقة التي لا شكل لها من الداخل، والتي توجد عادة الى جوار محلات بيع الفيشار والمشروبات والملابس وأركان ألعاب الأطفال، وغير ذلك، وهو النمط الأمريكي الذي أصبح سائدا، وأدى إلى أن فقدت دار السينما العريقة مكانتها وتلاشت أو أصبحت شاهدا على عصر مضى كدور العرض الشهيرة المغلقة في القاهرة مثل دار سينما أوبرا الواقعة في قلب مدينة القاهرة، ومع ذلك عجزت الدولة المركزية التي نزعت ملكية الكثير من المباني وهدمتها لإقامة الكباري أو استولت على عمارات سكنية كاملة وطردت سكانها أو صادرت الأراضي بدواعي المنفعة العامة، ومع ذلك فقد وقفت عاجزة عن استعادة بهاء تلك الدار السينمائية العريقة، وإعادتها الى الوجود بالترميم والتحديث.
لماذا؟ لأن مثل هذا المشروع لن يأتي للحكومة بإيرادات ضخمة من العملات الأجنبية، وهذه هي المأساة التي تعيشها مصر على جميع المستويات!
وأود الآن أن أتناول جانبا من تاريخ دور السينما العريقة في مدينة لندن، وابدأ بأحد أجمل تلك الدور على الإطلاق، وهي دار “سينما ريجال”.
كانت دار سينما ريجال تقع في أهم بقعة في قلب لندن وهي منطقة ماربل آرش، بالقرب من هايد بارك، وشارع أوكسفورد الشهير، وافتتحت لأول مرة يوم الخميس 29 نوفمبر 1928 بفيلم آل جولسون “مغنى الجاز أو “المغنى الأحمق” The Singing Fool الذي يعتبره البعض أول فيلم ناطق.
قام ببناء الدار إيه إي أبراهامز، وصممه كليفورد إيش، وتم تشييده في سبعة عشر شهرًا بتكلفة 500 ألف جنيه إسترليني، وهو مبلغ كبير في أواخر العشرينيات من القرن الماضي.

كان الارتفاع الرئيسي للمسرح من حجر بورتلاند مع مداخل من الرخام الأبيض والأسود وأبواب من البرونز والزجاج.
تم تصميم الجزء الداخلي للمسرح بواسطة تشارلز موجريدز على الطراز الشائع في ذلك الوقت أي بما يشبه تصميم المعبد الروماني مع رسوم من الأشجار والزواحف وعريشة كبيرة في السقف مغطاة برسومات الزواحف وخلفها تقليد للسماء مع النجوم المتلألئة والسحب.
كان هناك مسرح وغرف تبديل ملابس للفنانين مجهزة بالكامل، كما تم تركيب جهاز أرغن كبير جدًا.
وقالت صحيفة The Biscope عن سينما ريجال في عددها الصادر بتاريخ 28 نوفمبر 1928: “بعد عامين ونصف من البناء، تفتح سينما ريجال- ماربل آرش، للجمهور غدًا (الخميس)، 29 نوفمبر. وهي سينما مستقلة، تم بناؤها على يد أبراهامز، قطب المسرح الشهير، الذي تعد مسيرته المهنية في حد ذاتها قصة حب. فمن مالك شركة إعلانية صغيرة، أصبح أحد أكبر المالكين الفرديين لدور الترفيه في البلاد”.

المهندس الذي صمم سينما ريجال وهو كليغفودر أيش، رسم تصميمات لقاعة تبلغ سعتها الفعلية 2400 مقعد على الرغم من كانت مرخصة لاستيعاب 3500. وبلغت تكلفة المبنى بما في ذلك شراء الموقع حوالي 500 ألف جنيه إسترليني.
كانت واجهة أبراج سينما ريجال أعلى من ماربل آرش القريب منها، وكانت مصنوعة من حجر بورتلاند في عرض لأسلوب عصر النهضة، وتتم إضاءة الواجهة بالكامل ليلاً ويمكن رؤيتها من هايد بارك كورنر ونايتسبريدج. وللمبنى ثلاثة مداخل ضخمة مصنوعة من البرونز والزجاج محاطة بالرخام الأسود.
وفقًا للخبراء، فإن شكل القاعة، وهو على شكل حدوة حصان، يقترب من الشكل المثالي، سواء فيما يتعلق بالمتطلبات الصوتية أو المعتادة.
تم إنشاء ممر بطول 15 قدمًا عبر الفراغ بين الغرف والدائرة، وتم التعامل مع الممر، الذي تعتبر نافورة أونيكس الجميلة من سماته الزخرفية، بأسلوب عصري حر.
زود الممر بمصعدين يخدمان كل جزء من المسرح. وكانت توجد أكشاك الهاتف أيضًا لراحة الجمهور، وجميع أجزاء المبنى مزودة بصالات فسيحة، وعولجت بالزخارف الكبائن المخصصة للمشاهدة الخاصة، وكان يوجد في الطابق الأرضي السفلي قاعة سميت القاعة الصينية مع نقوش وأثاث صيني.
سرعان ما استحوذت على المسرح شبكة دور السينما البريطانية (ABC) في 29 سبتمبر 1929 واستمرت في تشغيل ريجال حتى يناير 1945.
ثم استحوذت عليه شبكة دور عرض “أوديون” التي قامت بتجديد المسرح وكانت تأمل في افتتاحه بعد ذلك بوقت قصير، لكن المسرح أصيب بقنبلة، وهي واحدة من آخر القنابل التي ضربت لندن عند نهاية الحرب، ولم يتم إعادة افتتاحه حتى 9 سبتمبر 1945 ، وتم تغيير اسمه إلى أوديون ماربل آرش.

قامت شركة أوديون بتثبيت آلات عرض وشاشة السينما سكوب في المسرح عام 1954 وكانت هذه هي الثانية فقط في البلاد التي يتم فيها تشغيل هذه التقنية.
جاءت نهاية مسرح سينما ريجال عندما تم إغلاقه من قبل شركة رانك في 22 مارس 1964 لهدم وبناء مبنى يتكون من مكاتب ومتاجر مع دار سينما أوديون ذات الشاشة الواحدة الكبيرة في الموقع.
ولكن هل استمرت سينما أوديون العملاقة؟
أفتتحت دار سينما أوديون ماربل آرش بواسطة بعرض فيلم “حدث شيء مضحك في الطريق إلى المنتدى” في الثاني من فبراير 1967. وكانت الدار بديلاً كبيرًا وفخمًا لمسرح سينما ريجال السابق الذي يتسع لـ 1360 مقعدًا على مستويين وأكشاك ودائرة واحدة.
وكان عرض شاشة السينما الضخمة يبلغ 75 قدمًا وارتفاعها 30 قدمًا. وكانت القاعة بسيطة إلى حد ما، مع إضاءة الألواح والستائر خلفها بألوان مختلفة.
في سبتمبر 1996، تم إغلاق السينما حيث جرى تقسيمها إلى 5 دور سينما أصغر وأعيد افتتاحها في 3 يناير 1997.

قبل تقسيم أوديون ماربل آرش، كانت سينما رائعة يمكن مقارنتها بسينما أوديون التي لا تزال قائمة في ليستر سكوير (قلب لندن)، وكانت بالفعل واحدة من آخر دور السينما الكبيرة في لندن التي بقيت على قيد الحياة حتى تم تقسيمها بدورها.
ومع ذلك، لم تدم أوديون ماربل آرش بعد تقسيمها طويلاً، فق أغلقت وهدمت في عام 2016. وأقيم في مكانها مبنى من المكاتب والشركات. وكانت تلك نهاية تاريخ صناعة السينما وفن السينما في هذا الموقع الفريد في المدينة العظيمة التي عرفت أول عرض سينمائي في بريطانيا، في فبراير 1896 وكان هذا العرض في دار سينما “ريجنت ستريت” التي تعتبر عمليا، أقدم دار سينما على الإطلاق في مدينة لندن، وقد أنشئت في عام 1848 كمسرح قبل أن تتحول الى سينما مع مولد هذا الفن العظيم. وسوف أروي قصتها في موضوع آخر.
