“زواج أمريكي مميت”.. تشريح جريمة

في عالم تغلب عليه الصور، يصبح الأرشيف (بوصفه وثائق متراكمة) شاهداً حياً على التفكك الأسري وانهيار الحميمية تحت وطأة القوانين الباردة. فيلم “زواج أمريكي مميت” A Deadly American Marriage الذي أطلقته شبكة نيتفليكس في مايو 2025، هو مثال مبهر لتشريح مجتمع تتحكم فيه الشرطة والقضاء في أدق تفاصيل الحياة الخاصة، حيث تتحول العلاقات الأسرية إلى ملفات قضائية، والذكريات إلى أدلة جنائية. 

الفيلم من إخراج جيسيكا بورغيس (المعروفة بأعمالها مثل Rich & Shameless وAmerican Monster) وجيني بوبلويل (صاحبة What Jennifer Did وAmerican Murder: The Family Next Door)، يستكشف هذا العمل المشترك الجريمة المروعة التي راح ضحيتها جايسون كوربيت، الأيرلندي الأرمل وأب لطفلين، على يد زوجته الثانية الأمريكية مولي مارتنز ووالدها توماس مارتنز، العميل السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI. 

مثل أعمال وثائقية أخرى ناجحة يستخدم الفيلم إعادة تركيب الأرشيف، مكالمات الطوارئ والتسجيلات الصوتية واللقطات المنزلية، ذلك لخلق سرد متعدد الأوجه. لكن ما يجعله فريداً هو كيفية كشفه عن التفكك الأسري في أمريكا ليس كحدثٍ فردي، بل بوصفه نموذجاً لثقافة تقوم على المحاكمات الإعلامية، حيث تُفقد الحميمية معناها لصالح الدراما القضائية ولإنجازات المحققين. 

الفيلم يستند إلى الوقائع المتنوعة ويغوص في تعقيدات العلاقات الأسرية والصراع على الحضانة، والادعاءات المتبادلة بين الدفاع والنيابة حول ما إذا كانت الجريمة دفاعاً عن النفس أم قتلاً مدبراً. من خلال مقابلات حصرية مع مولي وتوماس، وأطفال جايسون وهما جاك وسارة وعائلته، يطرح الفيلم سؤالاً مركزياً يثير الدراما والغموض لأقصى درجة، أين تكمن الحقيقة في قضية مليئة بالتناقضات؟

تبدأ القصة بأسلوب رومانسي؛ بعد وفاة زوجة جايسون الأولى مارغريت بسبب نوبة ربو في عام 2006، يوظف مولي وهي المربية الأمريكية، لرعاية طفليه جاك (3 سنوات) وسارة (1 سنة). سرعان ما تتحول العلاقة المهنية إلى قصة حب، وينتقلون معاً إلى كارولينا الشمالية، حيث يتزوجان في عام 2011. في ليلة 2 أغسطس/ آب 2015، يتحول هذا الحلم إلى كابوس دموي، يُعثر على جايسون ميتاً في منزله، بعد تعرضه لضربات متكررة بمضرب بيسبول وحجر طوب. مولي ووالدها توماس يدعيان أن القتل كان دفاعاً عن النفس، بينما تقول النيابة إنه كان جريمة قتل مدبرة، خاصةً في ضوء الصراع على حضانة الأطفال. 

يستعرض الفيلم تسجيلات صوتية سرية بين جايسون ومولي، كانت تهدف في الأصل إلى توثيق العنف الأسري، لكنها تحولت إلى أداة لتجريد العلاقة من إنسانيتها. هذه التسجيلات تُستخدم خارج سياقها لخدمة السرد الدرامي، حيث تظهر تسجيلات مولي كأدلة على عنف جايسون، لكن المونتاج يبرز تناقضاتها حين تُعرض مقابل شهادات الأطفال الذين اتهموها بتلقينهم الأكاذيب.  وكذا لقطات المنزل، فتَظهر العائلة على أنها سعيدة، بينما يكشف المونتاج المتقطع عن الفراغ العاطفي عبر تكرار مشاهد الجدران الفارغة والصراخ الخافت.

المخرجتان تقدمان هذه الروايات دون تحيز واضح، لكن المشاهد قد يلاحظ أن الأدلة المادية، مثل عدد الضربات الوحشية وبرودة جثة جايسون عند وصول الشرطة، تشير إلى أن القتل تجاوز حدود الدفاع عن النفس. هذا ما يميز بورغيس وبوبلويل، قدرتهما على سرد القصص الحقيقية بإيقاع مشوق، اللقطات المقربة من عيون مولي وتصويرها شخصية باردة وقاسية، تعزز هذا الانطباع. ومع ذلك، فإن تضمين مقابلات مع الجناة أنفسهم يمنح الفيلم مصداقية نادرة في أفلام الجريمة الحقيقية. 

الفيلم يسلط الضوء أيضاً على تدخل السلطات الأمريكية المفرط في الشؤون الأسرية، تُعرض تحقيقات الشرطة كمحاولة لإنقاذ الأطفال، لكنها تُفقدهم أساس الثقة في الكبار بعد إجبارهم على تغيير شهاداتهم مراراً. والقوانين هي الطامة الكبرى، مثل قانون الحضانة في كارولينا الشمالية، الذي حول النزاع الأسري إلى حرب قانونية، وهكذا تُختزل العلاقات في أوراق المحكمة، وفي النهاية تفقد العائلة إنسانيتها لتصبح قضية عامة. 

في عام 2017 أُدينت مولي وتوماس بالقتل من الدرجة الثانية، وحُكم عليهما بالسجن 20-25 عاماً. لكن في عام 2021، ألغت محكمة الاستئناف الحكم بسبب أخطاء إجرائية، مثل عدم قبول شهادة الأطفال في المحاكمة الأولى، وفي 2023 قبلت مولي وتوماس صفقة اعتراف بتهمة مخففة، القتل غير العمد، لتجنب محاكمة جديدة، وأُطلق سراحهما في يونيو 2024 بعد قضاء جزء من العقوبة. 

” زواج أمريكي مميت” إضافة لكونه فيلما عن جريمة، هو اتهام موجه لثقافة تستهلك التفكك الأسري دراميّاً وتُحاكم العواطف في قاعات المحكمة بدلاً من غرف المعيشة. والفيلم يترك المشاهد في حيرة من أمره هل كان جايسون ضحية لزوجة مريضة بالهوس والتحكم؟ أم أن مولي وتوماس ضحايا لنظام قضائي أخفق في فهم دوافعهم؟ 

Visited 1 times, 1 visit(s) today