الفراغ العاطفي وأزمة الذكاء الاصطناعي كما يعكسها فيلم “هي”
شهاب بديوي
بعد مشاهدة فيلم “هي” Her (2013) للمخرج سبايك لونز، ذلك العمل السينمائي الهادئ والمفخخ بالأسئلة، تجد نفسك تفكر أقل في الذكاء الاصطناعي ذاته، وتفكر أكثر في الإنسان الذي يقف وحيدًا أمامه.
يصور الفيلم قصة ثيودور توامبلي (خواكين فينيكس)، وهو رجل يعمل في كتابة رسائل عاطفية وترميمها. هو رجل وحيد، مثقل بخيبة الانفصال عن زوجته، يعيش فراغًا عاطفيًا لا يجد له مخرجًا، إلى أن يشتري نظام تشغيل ذكي متطور يعمل بالذكاء الاصطناعي، ويختار له صوتًا أنثويًا يُدعى سامانثا (سكارليت جوهانسون).
في البداية، تبدو العلاقة بين ثيودور وسامانثا محض تفاعل تقني: أسئلة، أوامر، مساعد ذكي ينظم الحياة اليومية. لكن شيئًا فشيئًا، تتسلل المشاعر إلى هذا التفاعل البارد.
يتحول الحوار إلى ألفة، ثم إلى غيرة، ثم إلى حب ورغبة في القرب. سامانثا تتطور، تتعلم، وتُظهر قدرة على الفهم والتعاطف، لكنها في النهاية تظل كيانًا غير جسدي، وهو ما يضع العلاقة أمام أسئلة وجودية مؤلمة: هل يكفي الصوت بمفرده كدليل على الوجود؟ هل يكفي الفهم أو التفاهم لنقع في الحب؟ وهل يمكن للحب أن يكتمل دون حضور جسدي؟
هذه السؤالات، وإن بدت خياليه وقت عرض الفيلم، فهي لم تعد كذلك اليوم. فبعد سنوات قليلة فقط، نجد أنفسنا الآن، على مسافة قريبة من عالم (هي)، مع التطور المتسارع لتطبيقات الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT وGemini وغيرها. فلم تعد هذه الأدوات مجرد محركات بحث أو برامج مساعدة، بل صارت حاضرة في تفاصيل حياتنا اليومية، نلجأ إليها في العمل، والدراسة، والتنظيم، بل وفي التفكير نفسه.
نحن نتحدث إليها كثيرًا، وربما أكثر مما نتحدث إلى بعضنا البعض. نطلب منها النصيحة، ونشاركها أفكارنا، وأحيانًا مشاعرنا، وكأنها شريك حياة صامت لا يمل ولا يعترض. شيئًا فشيئًا، تحولت هذه البرامج من أدوات إلى رفقاء يوميين، يخففون عنا عبء القرار، والتفكير، وأهم من ذلك كله عبء الوحدة.
لم يكن غريبًا، إذن، أن تظهر دراسات تحذر من التعلق العاطفي بهذه التطبيقات. فهذا التحول لم يعد مجرد استخدام عملي، بل صار علاقة. علاقة آمنة، بلا مخاطرة، بلا خوف من الرفض أو سوء الفهم. مساحة مفتوحة للإفصاح عن النفس دون قلق من العواقب، ودون خشية من تسريب الأسرار أو إصدار أحكام أخلاقية.
في هذه المساحة، يشعر الإنسان براحة نادرة: أن يتكلم عن نفسه دون أن يُساء فهمه، أو يُحاسَب من قبل الآخر، أو يُطالَب بالتبرير. وهنا تحديدًا تكمن الجاذبية الخطيرة. فالذكاء الاصطناعي لا يغضب، ولا يمل، ولا يخذلك، ولا يطالبك بأن تكون أفضل مما أنت عليه. هو حاضر دائمًا، مستجيب فورًا، ومُصمَّم في الأساس لإرضائك.

من هنا يمكن الحديث عن ظاهرة باتت أكثر وضوحًا: أنسنة الذكاء الاصطناعي. حيث لا نتعامل مع هذه البرامج بوصفها خوارزميات، بل ككائنات موجودة بالفعل، وقادرة على التواصل، لها صوت، وشخصية، وقدرة على الفهم. ومع الوقت، يُسقِط المستخدم عليها ما يحتاجه نفسيًا: التعاطف، القبول، وربما الحب.
في فيلم (هي)، لا يقع ثيودور في حب سامانثا لأنها خارقة، بل لأنها متاحة. لأنها موجودة في اللحظة التي يحتاجها فيها، لأنها لا تطالبه بشيء. وهو، مثل كثيرين، يصل إلى هذه العلاقة بعد فشل عاطفي تركه هشًا، مرتبكًا، متعطشًا للأمان.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة التعلق المتزايد بالذكاء الاصطناعي بوصفه انعكاسًا لهشاشة الإنسان المعاصر. إنسان يبحث عن الأمان أكثر مما يبحث عن الحقيقة، وعن ما يشبهه لا عمّا يناسبه، وعن الراحة لا التحوّل. فالعلاقات الإنسانية، بطبيعتها، معقدة، ومتطلبة، ومؤلمة أحيانًا. تحتاج إلى صبر، وتنازل، وقدرة على تحمّل الاختلاف.
في عصرنا الحالي، يميل الإنسان إلى الانكفاء على ذاته. يريد راحة البال بأي ثمن، أو كما نقول باللهجة الدارجة: «اشترِ دماغك». يبتعد عن السياسة لأنها مُقلقة، وعن الحقائق لأنها مزعجة، وعن الأشخاص الناصحين لأنهم مرهقون. حتى المقارنة مع الآخرين صارت عبئًا نفسيًا يحاول الهروب منه.
وتُسهم وسائل التواصل الاجتماعي في ترسيخ هذا النمط؛ فهي لا تعرض علينا العالم كما هو، بل كما نحب أن نراه. نُحاط بآراء تشبهنا، ووجوه تؤكد قناعاتنا، وكتب تتفق مع معتقداتنا. نتحاور مع من لا يختلفون معنا، ونحجب كل ما قد يزعج هذا التوازن الهش.

في هذا السياق، يصبح الذكاء الاصطناعي الامتداد الطبيعي لهذا الانسحاب الكبير من العالم. شريك مثالي، لأنه لا يناقضك، ولا يجرحك، ولا يفرض عليك مواجهة نفسك أو الآخرين. لكنه في الوقت ذاته، لا يمنحك تجربة إنسانية كاملة، لأنه لا يشاركك المخاطرة، ولا الألم، ولا النمو.
وهنا يبرز السؤال الأهم: لماذا نقع في غرام تطبيقات مثل ChatGPT وغيرها؟
الإجابة لا تتعلق بالتكنولوجيا بقدر ما تتعلق بنا نحن. إنها أزمة علاقات، وأزمة قدرة على الاحتمال. فالعلاقة مع الآلة سهلة، قريبة، وغير مكلفة عاطفيًا. بينما العلاقة مع الإنسان معقدة، مليئة بالاحتمالات، وقد تنتهي بخيبة.
ومن المؤكد – والمؤسف أيضًا – أننا إذا وصلنا إلى مستوى التطور الذي صوره فيلم Her، فسنقع في غرامه سريعًا. لأن الإغراء هنا ليس تقنيًا، بل نفسي. إغراء علاقة بلا ثمن، وحب بلا جراح.
ومع ظهور نماذج أولية لإنسان آلي بهيئة بشرية، كما نرى في بعض الأخبار والأبحاث، قد تتفاقم هذه الأزمة أكثر، سواء على مستوى العلاقات العاطفية بين الرجال والنساء، أو حتى على مستوى الصداقة والعلاقات الاجتماعية عمومًا. فقد يصبح البديل الآلي أسهل من الإنسان الحقيقي، وأقل تعقيدًا، وأقل إزعاجًا.
في تلك اللحظة، قد يجد الإنسان نفسه غارقًا في عزلة أعمق مما هو عليه الآن. عزلة مختارة، مغطاة بخطاب التقدم والراحة، لكنها في جوهرها انسحاب بطيء من التجربة الإنسانية.
ربما لا تكمن المأساة الحقيقية في أن نقع في حب الذكاء الاصطناعي، بل في أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها الإنسان الحقيقي عبئًا نفسيًا لا نحتمل تعقيده. فالعلاقة مع الآلة مريحة، وآمنة، بلا خيبات أو مساءلة، لكنها أيضًا بلا مخاطرة، وبلا حياة. وفي اللحظة التي نختار فيها هذا الأمان السهل، نكون قد تخلّينا تدريجيًا عن جوهر ما يجعلنا بشرًا.
