“المينوتور”.. السلطة والاستبداد والعنف

في مسابقة مهرجان كان السينمائي الـ79 كان هناك فيلمان مقتبسان من فيلمين قديمين، أي أن الفكرة في كل منهما مقتبسة من أحد الأفلام الشهيرة التي ظهرت في الماضي.

الأول هو فيلم “حكايات متوازية” Parallel Tales للمخرج الإيراني أصغر فرهادي المقتبس من فيلم “فيلم قصير عن الحب” (1989) للبولندي كريشتوف كيشلوفسكي، والثاني هو فيلم “المينوتور” Minotaur للمخرج الروسي أندريه زفياغنسيف، وهو مقتبس من فيلم “الزوجة الخائنة” (1969) لكلود شابرول.

لا يعني اقتباس الفكرة العامة التقيد بالبنية السردية، ولا بالأسلوب، بل يسمح بالتعمق في الفكرة، ومن خلالها تطرح أفكار أخرى، أو تتخذ الفكرة الأساسية معنى آخر، وتدور على مستويات متعددة كما سنرى عند التعامل مع الفيلمين. لكني أود في هذا المقال أن أتوقف أولا أمام فيلم “المينوتور” الذي أعتبره من أفضل ما شاهدته بين أفلام المسابقة الرسمية التي ضمت 22 فيلما كان منها الكثير ددون المستوى.

هذا أول فيلم يخرجه زفياغينتسيف بعد غياب امتد لتسع سنوات، أي منذ فيلمه السابق “بلا حب” Loveles   (2017) الذي حصل على جائزة لجنة التحكيم بمهرجان كان. وهو من الإنتاج الفرنسي شأنه في ذلك شأن فيلم الإيراني فرهادي، وأول فيلم يخرجه صاحبه خارج بلده روسيا.

لحسن الحظ لم أكن مضطرا لأن أكتب عن الفيلمين خلال المهرجان، فقد فضلت التمهل ثم العودة لمشاهدة الفيلمين القديمين، واستمتعت كثيرا وأنا أراجع الفيلم الفرنسي “الزوجة الخائنة” لشابرول من بطولة زوجته الممثلة الفاتنة ستيفان أودران، أمام ميشيل بوكيه وموريس رونيه، ثم الفيلم الجزء السادس من مسلسل كيشلوفسكي السينمائي الشهير، وهو الذي اقتبس عنه فيلم فرهادي.

“المينوتور” كائن أسطوري عنيف ومتوحش في الميثولوجيا اليونانية، نصفه إنسان ونصفه ثور، وهو يرمز في الأدب والفن، إلى الجانب البدائي، الغريزي، أو العنيف المكبوت في النفس البشرية، كما يمكن أن يكون معادلا رمزيا للعنف السياسي والسلطة الغاشمة، وهو المعنى المقصود في هذا الفيلم الجديد.

كان فيلم شابرول “الزوجة الخائنة”، شأنه معظم أفلامه، يستخدم الجريمة، لا كهدف “بوليسي” مثير في حد ذاته، بل كأداة للكشف النفسي والاجتماعي، وتعرية البوجوازية الفرنسية التي كانت باستمرار هدفا لسهامه في أفلامه. هذه الطبقة التي تعاني- حسب شابرول- من الاضطرابات الأخلاقية والاجتماعية، رغم ما تتمتع به من تفوق طبقي وامتيازات اجتماعية، وينشأ العنف في أفلام شابرول (كما في الزوجة الخائنة) من شخص عادي تماما، يعاني من حياة روتينية فارغة، ويشعر بالإحباط ويكتم شعورا بالعدوانية المكبوتة.

أما في “المينوتور” Minotaur لزفياغينتسيف، فالرجل “غليب موروزوف” جزء من طبقة متفوقة متسلطة، أي الأوليجارشية الروسية، فهو المدير التنفيذي لإحدى الشركات الكبيرة، أي أنه يتمتع بالثراء والنفوذ كونه يرتبط بعلاقات وثيقة مع النظام الاستبدادي الحاكم، نظام الرئيس بوتين. والأحداث تدور على خلفية الحرب في أوكرانيا في بداياتها، والمكان مدينة روسية غير محددة، والسلطات المدنية تتلقى طلبا من السلطة العسكرية بضرورة توفير عدد معين من المتطوعين من كل شركة ومؤسسة، يتعين إلحاقهم بالجيش تعويضا عن الخسائر البشرية التي تقع على الجبهة، ويصبح مطلوبا من “غليب” ضرورة توفير 14 شخصا، وهو كإداري يتمتع بالكفاءة، يتحايل من أجل التوصل إلى توفير العدد باختيار أسماء محددة من سائقي الشاحنات، مع إغرائهم بدفع أضعفا ما يتقاضونه من رواتب ولكن من دون أن يطلعهم على طبيعة المهمة التي تنتظرهم، وقد يكون فيها نهاية لحياتهم.  

زفياغينتسيف مع أبطال فيلمه في مهرجان كان

غليب يعيش في منزل رائع على ضفاف النهر في ضواحي المدينة، مع زوجته الجميلة الشابة غالينا وابنهما المراهق الصغير سيريوشا. لكن غالينا لا تبدو سعيدة بهذا النمط من الحياة الساكنة الهادئة رغم أن كل شيء يتوفر لها. فمن المشاهد الأولى يمكننا أن نرى كيف أن علاقتها مع غليب أصبحت باردة، وهو يحاول أن يستعيد دفء العلاقة ولو بشكل مفتعل، فيقترح قضاء أمسية عشاء مع مجموعة من الأصدقاء، لكن السهرة الطويلة تنتهي بعد العودة إلى المنزل بانفجار من جانب غالينا التي تعبر عن شعورها بأنه يفرض عليها أصدقاءه، وأنه كان دائما هو الذي يختار، وأنها أصبحت تعيش أسيرة في ظله.

بذكائه الخاص، يلمح غليب كيف أن غالينا تتحدث تليفونيا مع شخص ما ثم تغلق الهاتف، وعندما تخرج معه صباح كل يوم، تزعم أنها ستذهب لتصفيف شعرها أو إلى المقهى، لإمضاء الوقت، فيتسلل الشك إلى نفسه، فيكلف مدير الأمن في الشركة بمراقبة غالينا ومعرفة من الذي تخونه معه. ويأتيه الرجل بأدلة دامغة على وجود علاقة غرامية بين غالينا الجميلة ومصور شاب يدعى أنطوان، يسكن في شقة تقع في حيٍّ فقير من أحياء المدينة.

تتطور الأحداث بالطبع على نحو غير منظور وغير متوقع، مع كثير من المفاجآت والالتواءات في الحبكة، ولكن من دون أن يفلت الإيقاع لحظة واحدة، مع المحافظة على ذلك الشعور الكابوسي المخيم على الفيلم كله، فزفياغنسيف، يعرف كيف يحافظ على الجو القاتم، وكيف ينتقل بين الأزمة الشخصية للرجل، وبين الأزمة العامة أو التوتر الاجتماعي العام في الخارج، أي تأثير الحرب وما تنتجه من مشاعر الخوف والصدمة والترقب الذي يسيطر على الجميع، ثم كيف يتم الزج بأشخاص غير مدربين وغير مؤهلين ولا تتوفر لهم المعدات الكافية، في صراع مسلح لم يكونوا على استعداد له، ومنهم من تجاوز عمره الأربعين والخمسين عاما!

مع ما سيلحق من عنف وقتل وسفك دماء ومداراة على الجريمة البشعة، واللجوء للسلطة واستخدام النفوذ والعلاقات المشبوهة للتستر والإفلات من الجرم، يفكك الفيلم بنية النظام، ويكشف كيف أصبح عنف غليب الذي يمارس بأقصى درجة من البرود والسيطرة، هو معادل لعنف النظام السياسي القائم نفسه، ولكننا لا نشعر بذلك من خلال المباشرة أو التعبير الفج، بل بشكل خفي، ومن تحت جلد الصور والمشاهد والمواقف، ومن خلال تعقد العلاقات بين الشخصيات.

ينجح السيناريو الذي اشترك في كتابته زفياغينتسيف مع سيمون لياشينكو، ليس فقط في إضافة الكثير من التفاصيل التي تعمق الحبكة وترتفع بالفيلم فوق أفلام الإثارة والجريمة، لكي يصل إلى التعبير عن واقع كامل شديد القتامة، مغلف بطبقة سميكة من البرود الذي يخفي ما يكمن في الداخل من عنف وقسوة، كما يجعل النهاية تختلف تماما عن نهاية فيلم شابرول، فالقاتل لا ينال الجزاء، ولا يتم القبض عليه أصلا، بل يظل طليقا حرا يمارس نفوذه وسطوته. هاجسه الأساسي هو المحافظة على الشكل، على استقرار الأسرة، على الانضواء تحت “النظام”، فالمشاعر ملغاة، خارج الحسابات، والحسابات تقوم فقط على القوة.

يكشف زفياغنتسيف من البداية كيف تشعر غالينا بالرفض تجاه غليب، على العكس من التظاهر السطحي بالسعادة والاستقرار من جانب بطلة فيلم شابرول، كما ابتكر الكثير من التفاصيل وهو يقوم بتجسيد ما يحدث فيما بعد القتل، ومحاولات غليب إخفاء معالم الجريمة داخل شقة العشيق القتيل “أنطوان”، وتصوير ارتباكه كونه غير مدرب على القتل، ثم كيف سيقوم بوضع الجثة ولفها داخل البطاطين، ثم  إسقاطها من شرفة في الطابق الثالث قبل أن يهبط لكي يلتقطها ويضعها في سيارته، وكلها تفاصيل غير موجودة في فيلم شابرول، ثم كيف سيتمكن من إبعاد شكوك الشرطة باللجوء إلى عمدة المدينة.

يمتد مشهد العشاء لنحو 20 دقيقة، وهو مشهد ممتع يستخدم لكشف عورات مجتمع الطبقة الأوليجارشية، وتدهورها وفساد قيمها، وفيه نرى كيف أن صديقة أحد الرجال الحاضرين، تبدو متبرجة متهتكة، تكاد تكشف صدرها بكامله على المائدة، ثم تروي نكتة فاضحة عن رجل تقدم للتمثيل في أحد أفلام البورنو الإباحية لكن عضوه الذكري صغير، وعندما رفضوه احتج قائلا: ألا تحتاجون إلى anti- hero ففي كل فيلم بطل ونقيض للبطل، وهو تعليق ساخر من جانب زفياغنتسيف، فربما لا يكون لدينا في هذا الفيلم بطل، بل جميعهم anti-heros.

يكشف المشهد أيضا، في عفوية وبساطة ومن خلال الحوار الساخر بين الأصدقاء أثناء فسحة للتدخين، كيف يخون غليب زوجته كثيرا، وهو يتباهى بذلك مع أصدقائه، ولابد أنها كانت تعلم وأنها قررت الانتقام بطريقتها الخاصة فاتخذت لنفسها عشيقا!

وفي تفصيل آخر عندما يشكو الابن لأبيه من تعرضه للتنمر في المدرسة من قبل أحد التلاميذ، ينصحه غليب بأن يجذب الولد من ياقته ويهدده بالضرب، وهو ما يعكس نزعة العنف الكامن داخل شخصية تبدو من الخارج شديدة البرود والسيطرة على النفس.

ولكن ما موقف غالينا عندما تكتشف بالصدفة ما ارتكبه زوجها؟

هل سترضخ وتصمت وتتغاضى مع غليب بعد أن تحرق الدليل الذي يمكن أن يدينه لكي تستمر في العيش في إطار الأسرة؟ هل اقتنعت بأن غليب يحبها حقا وأنه يمكن أن يفعل أي شيء للمحافظة عليها؟ أو أنها أصبحت تخشاه أكثر فأكثر وتخشى عنفه وتريد أن تتجنب مصيرا مظلما لو أنها تجرأت وتمردت عليه؟ أم أنها لم تستطع أن تتخلى عن حياة التميز والثراء التي تتمتع بها، مع مكانة مضمونة لابنها في نجتمع الفساد ولو من دون حب؟

يترك زفياغنتسيف النهاية مفتوحة، قابلة لكافة التأويلات، وهو عنصر آخر من عناصر الجمال في الفيلم الذي يتميز بإيقاع متقن، وسرد هاديء، وأداء تمثيلي محكوم تحت سيطرة مدهشة، ومن خلال التعاون بين مجموعة من الممثلين الذين غادر معظمهم روسيا ويعيشون في الخارج، مع تصوير مدهش تم في ريغا عاصمة لاتفيا، يحاكي درجة التطابق، المناخ والبيئة ودرجات الألوان في مدينة روسية تطل على نهر بارد.

الفيلم يسير ويجعلنا نشعر بأننا داخل حلم طويل، أو بالأحرى، كابوس، مظلل بالألوان الباردة القاتمة، لنشعر بالخوف الذي يخيم على المجتمع، تساؤلات الناس وخشيتهم مما هو قادم، كيف يتعكز المعاقون ضحايا الحروب السابقة، وحالة الاضطراب العام الذي يسيطر حتى على “ناتاشا” مساعدة غليب أو مديرة شؤون الأفراد في الشركة رغم تظاهرها بالسيطرة، فهي قلقة مما يحدث، تحاول متابعة أخبار الحرب ورؤية الانفجارات المدمرة على شاشة التليفزيون كما نرى في بداية الفيلم.

لابد من القول إنه على الرغم من قتامة الفيلم وأجوائه الكابوسية الحزينة، إلا أنه لا يخلو أيضا من لحظات مرحة، بفضل طابع السخرية الذي يغمر بعض المشاهد والمواقف والتعليقات الحوارية.

وكما أشرت، لاشك أن من أكثر عناصر الفيلم بروزا، عنصر التمثيل الذي يرتفع بالفيلم إلى مصاف الأعمال الفنية العظيمة في السينما الروسية، بوجه خاص أداء ديمتري مازوروف في دور غليب، وإيريس ليبيدوفا في دور “غالينا”.

رغم أن زمن الفيلم يقترب من الساعتين ونصف إلا أننا لا نشعر قط بوطأة الزمن، ولا بلحظة واحدة من الملل، فهذا فيلم كل لقطة فيه محسوبة جيدا، حساب الزمن بالثانية، وكل تعبير يتبدى على الوجه في اللقطات القريبة، يضيف تأثيرا ما، ويعمق من فهمنا للشخصيات. هذه سينما حقيقية، لا تتحذلق ولا تنحرف في اتجاه التجريبية المفتعلة، بل عمل ينتمي إلى أفضل إنجازات السينما الروسية، وهو في ذلك يذكرنا بفيلم آخر روسي عظيم شاهدناه في مسابقة مهرجان كان العام الماضي، وكتبت عنه في هذا الموقع، وهو فيلم “النائبان العموميان”.