عن الفيلمين: العراقي واللبناني في مهرجان فينيسيا

لقطة من الفيلم العراقي "لا جنة إذا قتلتك امرأة" لقطة من الفيلم العراقي "لا جنة إذا قتلتك امرأة"

 

أمير العمري

 

خارج المسابقة الرسمية في مهرجان فينيسيا الـ83 عرض الفيلم العراقي الكردي “لا جنة إذا قتلتك امرأة” No Paradise If you Are Killed by A Woman للمخرج العراقي- النرويجي مصطفى الهالكوت (إنتاج مشترك مع النروج والسويد، وتمويل من الإمارات). وهو أيضا الفيلم الذي رشحه العراق لتمثيله رسميا في مسابقة الأوسكار المقبلة.

هذا الفيلم الذي كتبه الهالكوت (صاحب الفيلم التسجيلي “إخفاء صدم حسين”- 2023) وصور معظم مشاهده في مدينة الموصل العراقية وعلى أطرافها، وكذلك أربيل، في عمل بديع من الناحية البصرية، بل ويشهد على قدرة مخرجه الكبيرة في استخدام التقنيات السينمائية، في سرد محكم لفيلم حربي، يقوم على البطولة الفردية، ويقوم سيناريو الفيلم على أحداث وشخصيات حقيقية عرفها المخرج، خصوصا نساء البشمركة المقالات اللاتي برز دورهن كثيرا في الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي.

بطلة الفيلم هي “فيان” (24 سنة) التي كانت قد لجأت مع شقيقتها “هيلين” إلى النرويج، ثم عادت الاثنتان معا عام 2014 إلى كردستان العراق لزيارة والديهما، لكن تعرض الجميع لكمين نصبه مقاتلو داعش، فقتل الوالدان، ووقعت الفتاتان في أسر داعش، ويباعا في سوق الجواري، إلا أن فيان تتمكن من الهرب والعودة إلى النرويج، بعد أن تقتل الرجل الذي اشتراها وتزوجها، بينما بقيت أختها هيلين مستعبدة، كزوجة لشاب يطلقون عليه “القناص السويدي”.

تقرر فيان العودة إلى العراق لإنقاذ أختها بعد أن علمت بوجودها على قيد الحياة، وتنضم لقوات البشمركة وتتدرب على أن تصبح قناصة، ثم تخوض رحلة الأهوال وتقتل أكثر من 100 من مقالتي داعش، وتقوم بعمليات فدائية وتصاب بجروح خطيرة ويتم نقلها إلى النرويج حيث تعالج.

رصد تنظيم داعش مكافأة تبلغ مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى قتلها أو القبض عليها.  والسلطات النرويجية الآن تضعها أمام أحد خيارين: إما التمتع بحماية توفرها لها الحكومة في مقر إقامة معزول، كون وجودها يمثل- كما يقول لها الموفد الحكومي- خطرا على حياة الموطنين النرويجيين، أن يتم تقديمها للمحاكمة وتتعرض للسجن بسبب انضمامها الى قوات دولة أخرى وهو ما يحظره القانون النرويجي. لكنها ترفض وتفضل العودة لانقاد شقيقتها.

والجزء الثاني من الفيلم يصارع في قوته وقوة مناظره التي تدور في الموصل، بين أطلال مرعبة نتجت عن التدمير الذي تعرضت له المدينة، الأفلام الأمريكية التي تدور في بيئة مماثلة مثل فيلم “قناص أمريكي”، وفيه يصور الفيلم كيف تعود فيان للالتحاق بقوات البشمركة، وتطلب من القائد العسكري الذي يراقب مواقع قوات داعش، القيام بمفردها بعمليات شبه انتحارية لاقتحام معقل داعش وتحرير شقيقتها.

من أبرز ما يميز الفيلم التصوير البديع (لمدير التصوير النرويجي جون إيرلنج فريدرسكن) سواء للأماكن بتفاصيلها المذهلة، أو في تجسيد مناظر الطبيعة الجميلة التي تحيط بمناطق الخراب خارج المدينة، وشريط الصوت الذي يمتليء بالأغاني الكردية، التي يرددها القائد العسكري الكردي وكذلك فيان، والأداء التمثيلي الهائل من الممثلة الكردية الشابة “أفان جمال” في دور “فيان”، التي تتمتع ليس فقط بقدرة كبيرة على الصمود أمام الكاميرا في معظم مشاهد الفيلم، بل بالطاقة الجسدية المدهشة.

إننا أمام ملحمة سينمائية درامية عن الصمود، والسعي الحثيث دون كلل، عن النجاة وعن الإنقاذ، عن الانتقام، وعن الارتباط بالوطن، والتشبث بالهوية.

ربما يهبط الإيقاع العام للفيلم بعض الشيء في الثلث الأخير منه مع كثرة الاستطرادات، والخروج عن بؤرة الحدث أحيانا، لكن الفيلم في مجمله يظل عملا شديد القوة والتأثير، ونفسيا، وسياسيا أيضا، وهو دون شك من أكثر الأعمال السينمائية التي صورت معالم تنظيم داعش الإرهابي من دو مبالغات أو أنماط مباشرة، فهو ينقل صورة واقعية تماما لما كان يحدث. وربما لايزال!

في البيان الذي نشره عن الفيلم (ملفات مهرجان فينيسيا) يقول المخرج مصطفى الهالكوت: “لقد ألهمتني النساء الكرديات اللاتي وقفن ضد الظلام واخترن محاربة داعش. لقد ظلت شجاعتهن تلازمني منذ عام 2014، عندما التقيت بنساء على الخطوط الأمامية كن يعشن في ظل الخوف والخسارة وعدم اليقين، لكنهن رفضن الاستسلام. بالنسبة لي، هذا الفيلم هو أيضًا صورة للنساء الكرديات اللاتي ناضلن على مدى أجيال من أجل كرامتهن وحريتهن وحقهن في الوجود.و على الرغم من أن القصة تدور أحداثها في منطقة حرب، إلا أنها تدور أولاً وقبل كل شيء حول الأمل والحب والقوة. وفي خضم حرب وحشية، شهدت الرعاية والعطف والتضامن. لقد ترك هذا انطباعا دائما علي. الفيلم أيضًا شخصي للغاية. فلقد ولدت في كردستان العراق وهربت إلى النرويج عندما كنت طفلاً. أعرف ما يعنيه أن تفقد منزلك وتعيش في حالة من عدم اليقين. ومن خلال قصة فيان، أريد تكريم النساء اللاتي رفضن الانحناء للظلام وقاتلن ليس فقط من أجل أنفسهن، ولكن من أجل حرية الآخرين”.

الغضب اللبناني

وكما كانت المرأة حاضرة في الفيلم العراقي- الكردي، فالمرأة أيضا حاضرة وبقوة في الفيلم اللبناني “غضب” Furies (إنتاج برازيلي مشترك) وهو العمل الروائي الطويل الأول للمخرج رامي قديح.

ينطلق الفيلم من فكرة شديدة الصدق وترتبط بواقع حقيقي شهده لبنان، بعد انهيار البنوك، والامتناع عن صرف مستحقات المدخرين والمودعين، وهو ما اعتبر في 2019 بمثابة إحدى أكبر الكوارث المالية التي عرفها لبنان، ولكن الفيلم سرعان ما يتخذ طابع أفلام السرقة و”الأكشن”، ويتفرع السرد في تعقيدات والتواءات كثيرة مصطنعة، تربك الحبكة، وتشتت المتفرج، وتفقد الفيلم نفسه الكثير من المصداقية، ليصبح أقرب إلى أفلام “الإثارة” السطحية يلتوي بالشخصيات، ويدخلها في سراديب وأنفاق، وبعد رحلة طويلة مرهقة (133 دقيقة) ينتهي الفيلم نهاية غير مشبعة.

هدف الفيلم الذي اشترك في كتابة نصه السينمائي المخرج رامي قديح مع نورا ماريانا، هو التعبير عما وصل إليه الناس في لبنان من يأس وغضب إزاء تفشي البيروقراطية والعجز السياسي والفشل الاقتصادي الذي بلغ حدا مذهلا شمل جميع نواحي الحياة.

تبدأ الأحداث تبدأ في 2021 أي بعد ثلاث سنوات من انهيار البنوك وامتناعها عن صرف مستحقات المودعين، وقطع التيار الكهربائي عن المدينة، وعجز المخابز عن تلبية احتياجات الناس من الخبر، وغير ذلك من المظاهر يمر عليها الفيلم في ثلثه الأول الذي يعتبر أفضل أجزاء الفيلم وأكثرها تأثيرا وتماسكا وقوة. أما ما يحدث بعد ذلك فهو يفيض كثيرا عما كان السيناريو يحتاجه لشد خيوط حبكة مقنعة.

هناك شقيقتان: مارو وداليا. الأولى “مارو” كوافيرة فقدت صالونها بعد طلاقها من زوجها، ولديها ولد يدعى “علي” في العاشرة من عمره، وهناك صراع شرس ومشاحنات بين داليا وطليقها على حضانة الطفل وأمور مالية كثيرة. وقد أصبحت داليا تقوم الآن بقص شعر الزبائن في شرفة شقتها. أما شقيقتها داليا فهي مريضة بالسرطان ولكن في المرحلة الأولى، وتحتاج لإجراء عملية جراحية، ولذلك تذهب مارو إلى البنك لسحب مدخراتها بالدولار لكن مدير البنك يدعي أن المال غير متوفر، وحتى بعد أن تأتيه بالمستندات التي تدل على حقيقة مرض شقيقتها، يرفض أن يعطيها المال بدعوى أنه غير متوفر، وأن ما ينطبق عليها ينطبق على الجميع، وهناك حشد من المودعين يحاصرون البنك ويحاولون اقتحامه، ويهدد أحدهم بإشعال النار في جسده إن لم يحصل على مدخراته.

تغادر مارو البنك وينكسر كعب حذائها فيساعدها حارس مبنى ملاصق للبنك في لصقه، فتخطر على بالها فكرة سرقة البنك عن طريق اختراق الجدار الفاصل. وهي تستلهم كما تقول لشقيقتها من قصة السرقة الكبرى التي حدثت في 1976 في خضم الحرب الأهلية، والتي اعتبرت أكبر سرقة بنك في التاريخ ولم يكشف حتى اليوم عن الذين قاموا بها.

تستعين مارو برجلين، أحدهما شاب يدعى “سنشاين” مسلم، والثاني سائق شاحنة مياه مسيحي يدعى “حمزة” والاثنان مطلوب منهما افتعال مشاجرة وإصدار أصوات علية من محركي الشاحنة والدراجة النارية التي يقودها “سنشاين”، لكي تغطي على صوت الحفر في الجدار داخل المبنى. ومقابل اشتراك الرجلين سيحصل كل منهما على 20 ألف دولار.

تراقب الفتاتان مدير البنك وتكتشفان أنه يتردد على عشيقة له، ويقومان باختطافه وإدخاله الى القبو المجاور بعد السيطرة على حارس المبنى وتكميمه. ومن هنا سندخل في متاهات تجعل الفيلم يتفرع ويتفكك الإيقاع الذي ويهبط كثيرا خصوصا في مشاهد الحفر ثم الدخول الى البنك واختراق الخزانة الكبيرة وعملية جمع المال، وهي مشاهد ضعيفة من حيث التنفيذ.

قبل ذلك سنرى كيف تلجأ “داليا” التي تعمل في إحدى الشركات بعد ان تفقد عملها، إلى صديقة لها تدير وكرا للدعارة، لكي تعمل لديها، لكنها تتشاجر مع أول زبون يريد أن يضاجعها بطريقة لا تقبلها، فتهرب وتفقد العمل. أما سنشاين فهو موزع مخدرات بدد المال الذي كان يتعين عليه دفعه للعصابة التي تزوده بالمخدرات، وهم الآن يهددون بالقتل إن لم يرد ما عليه من مال، ويمنحونه مهلة قصيرة للغاية، وسيحاول بعد إتمام السرقة الاستيلاء على مزيد من المال من مارو، لأن زعيم العصابة يطالبه ليس فقط بدفع ما عليه من مال بدده، بل وبفوائد المبلغ أيضا.

في خضم المشاجرة بين سنشاين وحمزة، يظهر رجل ميليشيا مسيحي هو بمثابة زعيم الحي، يدعى “أبو ربيع”، يهدد الاثنين ويهينهما ويطردهما، وفيما بعد تتصاعد المشاجرة بين سنشاين وحمزة ويتبادل الاثنان الاتهامات، دلالة على اسمرار الصراع الكامن بين الطوائف اللبنانية.

كلها خيوط تفقد الفيلم موضوعه الأصلي وتبدو مصطنعة، وطبعا ستطارد الشرطة المرأتين بعد إتمام السرقة، وتقع مطاردة طويلة في شوارع بيروت، وتتناثر الدولارات من إحدى الحقيبتين المملوءتين بالمال، ويختطف الناس في الشوارع الأوراق المالية الخضراء، وعندما تذهب الاثنتان للطبيب الذي يفترض أن يجري العملية لداليا يضاعف المبلغ الذي سبق أن طلبه، وهو ما تعجزان عن دفعه، وينتهي الأمر بدفع رشوة كبيرة لقبطان سفينة حتى يقبل نقل الاثنتين خلسة الى تركيا، ثم عودتهما و… لا أعرف ما الذي يمكن أن يكون قد تبقى من تلك كالحبكة الطويلة التي تصيب المشاهد بالملل والدهشة: فما كل هذا الخليط العجيب الذي يربك الفيلم ويقضي على مصداقيته؟

يمتليء الحوار بالكثير من الشتائم القبيحة، والعبارات الفجة، مع مبالغات كثيرة في تصوير تحرر المرأة، فداليا تتردد كل ليلة على علب الليل، ترقص وتعاقر الخمر حتى الثمالة، فهي تشعر بأنها في طريقها لأن تودع الحياة. وهي فكرة ساذجة، لا تضيف شيئا إلى الفيلم.

والمدعو حمزة المسيحي مدين لشقيقه الذي أصبح قسا، بالمال الذي اغتصبه من ما تركه لهما والده، وهو يذهب إليه في الكنيسة لكي يترك له المال الذي يعتبر نصيبه من عملية السرقة. كل هذه المبررات والتبريرات والتفرعات تضعف الحبكة وتبعد الفيلم كثيرا عن أساس الأزمة، أي الانهيار السياسي والاقتصادي وفشل الدولة.

ومع ذلك، فالفيلم يعبر بشكل قوي عن التضامن بين النساء على غرار “ثيلما ولويز”، وعن الحب والوفاء الذي يستمر بينهما في كل الظروف، وأنهما يلجآن إلى “الجريمة” اضطرارا وردا على الجريمة الأكبر التي ارتكبتها الدولة تجاه الجميع، والجريمة هي تعبير عن الغضب، أكثر من الرغبة في الاستحواذ، ويجعل السيناريو مرض داليا مبررا لها.

من جهة أخرى تبدو جميع شخصيات الرجال في الفيلم، أشرارا ومجرمين (رجال عصابات وميليشيات ومسؤولون كاذبون محتالون) أو أصحاب ماض غامض، مشوب بالعنف والجريمة والخيانة، أو زوج سابق شرس فقد كل قيمة ينتقم من زوجته ويحرمها من حقوقها.

وهناك مشاهد كثيرة أيضا تدور بين الطفل علي وأمه، ثم إقحام لدوره في السرقة، وهي مشاهد يغلب عليها الطابع الكوميدي للتخفيف من قسوة الموضوع. وأراها مشاهد زائدة عن الفيلم، وكان من الممكن الاستغناء عن شخصية الطفل تماما من دون أن يتأثر البناء.

 ومع ذلك لابد من الإشادة بأداء الممثلتين: ريم مروة وماريا ناكوزي في الدورين الرئيسيين، وربما يكونا بالفعل من أهم معالم الفيلم على الرغم مما يشوبه من اضطراب، مع ذلك الامتداد الأفقي المفتعل لكثير من الأحداث لأحداث التي أبعدته عن فكرته الأساسية. لكن لا بأس كتجربة أولى، ولا بد أنها ستنتقل بالمخرج رامي قديح إلى أرضية أكثر ثقة واستقرارا في الأسلوب، شريطة عدم تسليط عين على الواقع، وعين على أوروبا ومهرجانات أوروبا !