عن إلهام شاهين وإخوان الليبرالية ومشتقاتهم

مالك خوري

إلهام شاهين ربما تكون من أكثر الفنانات المصريات والعربيات صراحة وأقل نفاقا وانسجاماً مع أنفسهن، وأكثرهن ثباتاً في مواقفهن الرافضة لمهزلة «السينما النظيفة»، تلك المقولة التي بسطت، ولا تزال تبسط، بظلها الثقيل والمدمر على السينما المصرية والعربية خلال العقود الأخيرة.

وشاهين أيضاً من أكثر الفنانات وضوحاً، وأقلهن نفاقاً ومساومة، في الربط بين الموقف المهني والفني من جهة، والموقف السياسي والثقافي من جهة أخرى. فهي لم تتردد في مواجهة المناخ الذي سمح باستمرار هيمنة الفكر الوهابي والإخواني والسلفي، ومعه أشكال التدين المؤسساتي المحافظ، على الإنتاج والإبداع الفني في بلادنا. وهي تيارات، رغم اختلاف مواقعها وأدوارها، تلتقي في الكثير من مرتكزاتها الفكرية والاجتماعية، وفي نظرتها إلى الفن والمرأة وحرية التعبير.

ولعل هذا يفسر جانباً من التقاء الأبواق المؤيدة للإخوان ومشتقاتهم مع قطاعات من اليمين البرجوازي الليبرالي، الذي لا يجد حرجاً في توظيف الخطاب الديني المحافظ لتبرير النتائج الاجتماعية والسياسية الكارثية لسياساته الاقتصادية والاجتماعية، خصوصاً على حساب الطبقات العاملة والفئات الشعبية في مجتمعاتنا العربية.

وهنا، كيف يمكن تجاهل الدلالات السياسية للصورة التي جمعت مؤخرا في دمشق أحمد الشرع (الجولاني سابقاً)، القادم من تنظيمات الإسلام الجهادي، مع نجيب ساويرس، أحد أبرز رموز الرأسمالية الليبرالية المصرية، والمرتبط اسمه أيضاً بمهرجان الجونة السينمائي؟ ليست المسألة في الصورة وحدها، بل فيما تختزله من تناقضات وتحالفات ومصالح، ومن قابلية للتعايش بين قوى تبدو متعارضة في خطابها، بينما تتقاطع في مواقفها من الاقتصاد والمجتمع والفكر والثقافة.

فالمشكلة ليست مجرد تناقض ظاهري بين الليبرالية الاقتصادية والمحافظة الدينية، بل في تكاملهما عملياً في إعادة إنتاج “المعاصر” للهيمنة الطبقية والثقافية الرجعية المتخلفة. وقد تختلف أدوات القمع والاحتواء، مباشرة كانت أم مقنّعة، بطابع “حداثي” وعصري أو بمنطق رجعي متخلف، لكن النتيجة تبقى تضييق المساحة المتاحة أمام أي توجه حر وإنساني وتغييري جاد يسعى إلى كسر طوق الهيمنة الفكرية المفروضة على مجتمعاتنا وثقافتها وفنونها.

ومن هذا المنظور أيضاً، يمكن قراءة فعاليات مثل «مواسم الرياض» السينمائية أو “الجونة” بوصفها تعبيراً عن هذا التلاقي بين رأس المال والسلطة والمحافظة الاجتماعية (لا تغرك الفساتين واللبس المودرن و”الكول”). فالمسألة لا تتعلق فقط بالإنفاق الضخم على صناعة الترفيه، بل بطبيعة الثقافة التي يجري الترويج لها، وبمحاولة تكريس ذائقة استعراضية واستهلاكية، كثيراً ما تنفصل عن الواقع الاجتماعي والإنساني، وتُقدَّم بوصفها بديلاً عصرياً و«نظيفاً» لسينما تمتلك القدرة على مساءلة الواقع وكشف تناقضاته.

وللتذكير أيضاً، فإن موقف إلهام شاهين من سورية (وأحيانا حتى من منصات مثل “الجونة” نفسها) لم يكن تفصيلاً عابراً في مسيرتها. فقد كانت، على ما أذكر، من بين الفنانات المصريات القليلات اللواتي اتخذن موقفاً علنياً واضحاً من صعود القوى الإخوانية والجهادية في الصراع السوري، ولم تتردد في التعبير عنه سياسياً وفنياً، رغم المناخ الإعلامي والثقافي الذي كان سائداً ومتحكما آنذاك.

وبغض النظر عن الموقف من السلطة السورية السابقة، وعن التناقضات والأزمات الداخلية التي سبقت الحرب وأسهمت في تفجرها، فإن ما جرى في سورية لا يمكن اختزاله أو حتى توصيفه في اطار السردية المبسطة التي روج لها الاخوان والليبرليون ومن لف لفهم في حينه، عن «ثورة» و”حرية” و”تغيير”. فما حدث هناك هو جريمة سياسية استعمارية حولت أطرافها المحركة البلاد إلى ساحة لصراعات إقليمية ودولية، وتزاوجت فيها التدخلات التركية والأمريكية والخليجية والإسرائيلية، مع صعود قوى دينية وطائفية مسلحة، وصولاً إلى انهيار مؤسسات الدولة والجيش والتكافل الاجتماعي والوطني.

والمفارقة أن قطاعات من الإسلام السياسي واليمين الليبرالي، وحتى بعض أوساط «اليسار» الانتهازي، وجدت نفسها، وإن انطلقت من مبررات مختلفة، في موقع التبرير أو التأييد لمسارات أسهمت في تعميق هذه الكارثة. أما النتيجة، فكانت مأساة تاريخية أصابت واحداً من أهم المراكز العربية في الثقافة والفكر والفن والحياة السياسية، وفتحت الباب أمام إعادة تشكيله على أيدي قوى إقليمية ودولية، وفي ظل صعود أشكال شديدة الرجعية من الخطاب الديني والطائفي.

وهنا أعود إلى إلهام شاهين. فالقضية ليست الاتفاق معها في كل موقف أو تصريح، ولا تحويلها إلى رمز فوق النقد. ما يستحق التقدير في تجربتها هو أنها لم تفصل دفاعها عن حرية الفن والجسد والتعبير عن موقفها من القوى الاجتماعية والسياسية التي تسعى إلى مصادرة هذه الحريات.

وهذا، في تقديري، هو جوهر المسألة: لا يمكن الدفاع جدياً عن حرية السينما، وفي الوقت نفسه، التصالح مع البنى السياسية والاقتصادية والفكرية التي تعمل على إفراغ هذه الحرية من مضمونها الاجتماعي والإنساني.