حول إقصاء المخرج الإسرائيلي ناداف لابيد من مهرجان مارسيليا
أمير العمري
لست مع تلك الهجمة الشديدة التي تعرض لها المخرج الإسرائيلي ناداف لابيد مؤخرا وأدت إلى انسحابه من مهرجان مارسيليا السينمائي. فلابيد مخرج معارض، شرس في سخريته من المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بل من الثقافة الإسرائيلية السائدة، وقد رفض حتى البقاء في إسرائيل وقرر لأت يذهب ويعيش في فرنسا منذ 5 سنوات. وهو مخرج ثلاثة من أكثر الأفلام التي تحمل الجنسية الإسرائيلية من دون أن تكون ممولة من طرف الحكومة، نقدا للسياسات الإسرائيلية من خلال أسلوب فني خاص شيق وجذاب ومبتكر. وقد كتبت عنه وعن أفلامه، ومنها “مترادفات” و”ركبة عهد التميمي” و”نعم”. وقلت عن فيلمه “مترادفات” (لم يكن غريبا أن يلقى الفيلم هجوما شديدا من جانب قطاع من المشاهدين، ونقاد المؤسسة الرسمية في إسرائيل، الذين اعتبروه “هجوما مفتوحا على الهوية الإسرائيلية”، فالشخصيّة الرئيسية ترفض لغتها وهويتها، تغادر إسرائيل، وتبحث عن “هوية بديلة” في باريس. وهو ما رأوا أنه يشي بمشاعر العداء للهوية أو يعتبر حتى خيانة رمزية. واستنكر بعض المشاهدين الإسرائيليين أيضا تصوير الفيلم لإسرائيل بطريقة ساخرة أو مهينة، من وجهة نظرهم، وأن الفيلم “يُعيب” بطريقة صادمة على المجتمع الإسرائيلي، على ثقافته، على الرابط بين الفرد والدولة، بطريقة استفزازية”.
ما حدث هو أن لابيد دعي للمشاركة في مهرجان مارسيليا السينمائي الدولي كعضو في لجنة التحكيم الدولية، وسرعان ما انهالت رسائل احتجاج على مديرة المهرجان رفضا لمشاركة مخر “إسرائيلي” في اللجنة. ثم تفاقم الأمر عندما طلب عشرة من المخرجين المشاركين بأفلامهم في المهرجان سحب أفلامهم، وهنا اضطر لابيد نفسه إلى إعلان انسحابه من المهرجان ككله وسحب فيلمه الذي كان مقررا عرضه هناك وهو فيلم لم يحصل على أي دعم من صندوق الدعم الحكومة كون صاحبه ملعونا لدى المؤسسة الرسمية في الدولة العنصرية التي يناهضها هو.
نحن نحتاج إلى أمثال نافيد لابيد، فهو فنان معارض رافض للعنصرية الإسرائيلية، بل وللسياسات الفاشية التي يفضحها سواء في مقابلاته أو أفلامه، كما أنه موهوب وتأثيره كبير جدا في المهرجانات الدولية، وقد سبق أن فاز بجائزة الدب الذهبي عن فيلمه “مترادفات” في مهرجان برلين السينمائي.
ما حدث أن 350 سينمائيا وقعوا أمس عريضة احتجاج ضد استبعاد لابيد من مهرجان مارسيليا، واعتبرت جريدة لوموند الفرنسية إقصائه عن المهرجان تحت الضغوط، نوعا من الفشل الثقافي أو الفكري. ونشرت المقال التالي:
لن يحضر المخرج ناداف لابيد مهرجان مارسيليا السينمائي الدولي رغم دعوته، فقد أجبرته الضغوط والتهديدات بالانسحاب ودعوات المقاطعة من نشطاء مناهضين لإسرائيل على الانسحاب من لجنة التحكيم، ثم غيابه التام عن المهرجان.
إن اضطرار أبرز فنان معارض في إسرائيل، والذي كرس جهوده لإدانة النزعات الفاشية والاستعمارية لحكومته وتجاوزاتها الأخلاقية الإجرامية من خلال أفلام حائزة على جوائز عالمية، إلى الانسحاب من مهرجان فرنسي، يجب أن ينبهنا ويحفزنا على تجاوز هذا الشذوذ.
يجب أن ينبهنا هذا إلى حقيقة بديهية: بغض النظر عن الجرائم التي ترتكبها حكومة ما، لا ينبغي اختزال أي شخص في جواز سفره. علينا أن نتكاتف للتفكير في الأدوات التي يمكن أن تحمي المبرمجين والعارضين والموزعين والنقاد والفنانين من الضغوط الخارجية، فهم غالباً ما يقفون بمفردهم في وجه التهديدات التي قد تستهدف هياكل هشة.
إن ضرورة مقاومة التقاعس السياسي لا يمكن اختزالها في إسكات صوت واحد. ما الذي يُعتبر دعمًا لدولة مجرمة – سواء كانت روسية أو إيرانية أو إسرائيلية – في عالم السينما؟ متى يُصبح التمويل العام للعمل، أو حتى لمُبدعه، بمثابة ناطق باسم تلك الدولة، حتى وإن كان الفنان ينتقدها بشدة؟ وهل هناك حد أدنى من النقد الموجه للدولة يجب بلوغه لنيل الحق في التعبير عن الرأي وعرض العمل؟
لا شيء يُبرر إسكات صوت الفنان. إن المقاطعة الثقافية لناداف لابيد فشل ثقافي. لا ينبغي تهديد صانعي الأفلام الروس والإسرائيليين والإيرانيين بالمحو ككفارة عن جرائم ارتكبتها حكومات غالبًا ما يُعارضونها بشدة. أما لمن يعتقدون أن إلغاء دعوة هؤلاء المخرجين يُشكل ضغطًا على حكوماتهم، فنقول إن هذه الوسيلة الاحتجاجية لا تُجدي نفعًا إلا إذا ظل هؤلاء حاضرين. وقد تجلى ذلك مؤخرًا عندما خاطب المخرج الروسي أندريه زفياغينتسيف فلاديمير بوتين، حثّه على “إنهاء هذه الحرب” في أوكرانيا، وذلك أثناء صعوده إلى المنصة لتسلم الجائزة الكبرى في مهرجان كان السينمائي.

ونشر موقع يورو نيوز المقال التالي الذي يسلط الضوء على القضية:”
تساءل المخرج الإسرائيلي، وهو ناقد لبنيامين نتنياهو يقيم في فرنسا منذ خمس سنوات، “ماذا يُفترض بي أن أفعل؟” إذا كان “وجودي غير مقبول، ويمكن ببساطة تهميشي أو إقصائي من حدث سينمائي”؟
كما يُقال، لا أحد نبي في وطنه، ولكن في بعض الأحيان لا تكون الدول المضيفة أكثر تقبلاً.. يبدو أن الدعوات إلى مقاطعة المؤسسات الإسرائيلية “المتورطة في الإبادة الجماعية والفصل العنصري ضد الشعب الفلسطيني”، والتي جمعت آلاف التوقيعات في هوليوود، قد وصلت إلى الجانب الآخر من البحر المتوسط. وهكذا، قوبلت مشاركة المخرج الإسرائيلي ناداف لابيد في الدورة السابعة والثلاثين من مهرجان مرسيليا السينمائي الدولي (FID، من 7 إلى 12 يوليو) باستقبال بارد من بعض المخرجين المشاركين، الذين رفضوا في البداية انضمامه إلى لجنة التحكيم، ثم رفضوا حضوره في المهرجان برمته. و كان من المقرر أن يعرض المخرج، الحائز على جائزة الدب الذهبي في برلين عام ٢٠١٩، بالإضافة إلى جوائز لجنة التحكيم في لوكارنو (٢٠١١) وكان (٢٠٢١)، فيلمه “شرطي” (٢٠١١) في المهرجان.
ما أثار هذه الضجة، على الأقل وفقًا لما تم التصريح به علنًا، هو استخدام الأموال العامة الإسرائيلية لتمويل – ولو بنسبة ضئيلة جدًا – لأحدث أفلام لابيد، وهو فيلم “نعم”، الذي عُرض في مهرجان كان عام ٢٠٢٥ ضمن نصف شهر المخرجين.
من المفارقات، أو ربما بسبب عمى الناشطين الذي لا يرون سوى لون جواز السفر – أو المال – أن فيلم “نعم”، الذي يُعدّ من أبرز أعمال المخرج، يُصوّر مجتمعًا إسرائيليًا مُشوّهًا بتعطشه للانتقام بعد أحداث 7 أكتوبر، وغير مبالٍ بموت الفلسطينيين في غزة.
يُعرف ناداف لابيد أيضًا بانتقاده الشديد لبنيامين نتنياهو؛ وقد انتقل إلى فرنسا قبل خمس سنوات تحديدًا احتجاجًا على سياسات الحكومة الإسرائيلية. أما بخصوص التمويل الإسرائيلي الذي استُخدم لإنتاج أحدث أفلام لابيد المثيرة للجدل، فقد صرّحت جوديث لو ليفي، منتجة فيلم “نعم” في شركة “ليه فيلم دو بال”، لوكالة فرانس برس قائلةً: “إن الدعم الإسرائيلي الذي تلقاه الفيلم جاء من صندوق عام وليس من جهة حكومية، وهو تحديدًا ذلك النوع من الهيئات المستقلة التي تتعرض للهجوم من قبل حكومة نتنياهو”، مضيفةً أن هذا التمويل العام لم يُمثّل سوى 12% من ميزانية الفيلم.
بعد الدعوة الداخلية للمقاطعة، وما تلاها من سحب نحو عشرة أفلام من أصل 120 فيلمًا مُقررًا عرضها في هذا المهرجان، الذي يُعنى بعرض الأفلام الروائية والوثائقية المستقلة، انسحب ناداف لابيد نفسه من فعاليات مهرجان مرسيليا
في بيانٍ لها، استنكر مهرجان مارسيليا المقاطعة، واصفة إياها بأنها “من غير المشروع على الإطلاق تحميل أي مخرج مسؤولية السياسة العنصرية والاستعمارية والإبادة الجماعية التي تنتهجها حكومة بلاده”.
وجاء في البيان: “على عكس ما قاله ناداف لابيد، ينبغي الترحيب والاستماع إلى محاولاته لفهم العنف الذي تمارسه دولة ومجتمع إسرائيل، حتى وإن تم التشكيك في رواياته أو تفكيكها”.
من جانبه، أعرب لابيد لوكالة فرانس برس عن أسفه لـ”استسلام” المهرجان ودعوات المقاطعة، الأمر الذي أعاده إلى “هشاشته” كمُنفي في فرنسا. وقال: “عندما رأيت الضغط الذي يُمارس عليّ بشأن مشاركتي في المهرجان، قلت لنفسي ربما لا مكان لي في فرنسا”. وأضاف: “إذا كان وجودي غير مقبول، ويمكن ببساطة استبعادي أو إقصائي من فعالية سينمائية، فأنا بصراحة لا أعرف ما الذي أفعله هنا”.
وبينما يرفض “الشعور بالشفقة على نفسه”، يقول نتداف لابيد إنه “مرتاح” لمبادرة العاملين في صناعة السينما بإصدار رسالة مفتوحة لدعمه، وهي رسالة يؤيدها بشكل كامل. وتُعرب الرسالة، التي تحمل عنوان “دعوة فنان إلى مهرجان لا تجعله سفيراً ثقافياً”، والمنشورة يوم الاثنين في صحيفة لوموند عن القلق من إمكانية مساواة فنان “أدان علناً، في مناسبات عديدة، تدمير غزة” بـ”أي نوع من التمثيل الثقافي الإسرائيلي”. ومن بين الموقعين على الرسالة، والبالغ عددهم نحو 350 شخصاً، المخرجون آرثر هاراري، ولويس غاريل، وأبيشاتبونغ ويراسثاكول، وكلير دينيس، بالإضافة إلى جمعية المخرجين ومخرجو الأفلام (SRF) والكاتب الفلسطيني إلياس سنبر؟
بالإضافة إلى ذلك، وصفت مجموعة أخرى من صناع الأفلام، من بينهم المخرج الحائز على جائزة الأوسكار ميشيل هزانافيسيوس والفائزان بجائزة السعفة الذهبية جوستين ترييه وجاك أوديار، يوم الثلاثاء، الدعوة إلى مقاطعة الفيلم التي أجبرت المخرج الإسرائيلي على إلغاء رحلته إلى مارسيليا بأنها “فشل فكري”.
وقالت هذه المجموعة التي تضم أيضًا الممثلة الأمريكية ناتالي بورتمان، أن انسحاب الفنان، الذي يعمل بلا كلل على فضح التجاوزات الفاشية والاستعمارية لحكومته وإخفاقاتها الأخلاقية الإجرامية، من مهرجان فرنسي، يجب أن ينبهنا ويحفزنا على تجاوز هذا الشذوذ.
من جانبهم، برر المخرجون الاثنا عشر الذين دعوا إلى مقاطعة ناداف لابيد موقفهم في رسالة على إنستغرام برغبتهم في “التحرك ضد واقع استعماري وإبادي مُعتمد”، ونددوا بـ”إصرار” المهرجانات على “خلق تماثل (…) بين الإنتاجات الفلسطينية والإسرائيلية”.
