“عين سمكة”: رحلة البحث عن الخلاص
شهاب بديوي
يبدأ الفيلم من مشهد غريب، وغير مفهوم حيث نرى شاب مقيد على خشبة المسرح يحاول الفكاك بينما يقوم رجل وامرأة متقدمين في العمر بتعذبيه.
هذا كان وصف المشهد الأول، أو ما قبل التتر، علاقة معقدة بين ثلاث شخصيات لم نتعرف على خلفياتهم بعد، ولكن فيما بعد أثناء متابعة الأحداث ستتكشف لنا تفاصيل المشهد بشكل أكثر وضوحًا.
ولكن، وقبل أن نسترسل في الحديث عن الفيلم، دعنا نسأل سؤال أظنه مهم للتأسيس: ما الذي ننتظره كمشاهدين من مشروع تخرج طالب من مدرسة سينما؟
ما ننتظره من مشروع تخرج طالب في مدرسة سينما ليس الكمال التقني أو الاحتراف الكامل بقدر ما ننتظر صدق التجربة ووضوح الصوت الشخصي لصانع الفيلم، لأن هذه المرحلة تحديدًا تكون مساحة للتجريب واكتشاف الذات أكثر منها ساحة لإثبات القدرة على تقليد السينما السائدة، وبالتالي يصبح من الطبيعي أن نتسامح مع بعض العيوب في الإضاءة أو الصوت أو الإيقاع طالما أن هناك روحًا حقيقية تحرك العمل، فكرة تشغل صاحبها فعلًا، ومحاولة جادة لطرح سؤال أو التعبير عن رؤية، كما ننتظر قدرًا من الجرأة في الاختيار سواء في الموضوع أو الشكل، لأن الطالب هنا لا يزال حرًا نسبيًا من قيود السوق والإنتاج، وهي حرية غالبًا ما تضيع لاحقًا، لذلك يكون من الممتع كمشاهد أن نرى محاولات غير مألوفة أو حتى غير مكتملة لكنها تحمل ملامح تفكير مختلف، وفي الوقت نفسه لا يعني ذلك أن نتجاهل أهمية الحرفة، بل على العكس نبحث عن إشارات تدل أن صانع الفيلم لديه وعي بأساسيات اللغة السينمائية ويحاول توظيفها، حتى لو تعثر أحيانًا، لأن هذا التوازن بين الشغف والفهم هو ما يجعل فيلم التخرج تجربة تستحق المشاهدة، ليس كمنتج نهائي مغلق، بل كخطوة أولى تكشف لنا مخرجًا في طور التشكل.
الملاحظات السابقة متحققة في هذا العمل الذي نريد الحديث عنه، ولذلك فإننا نجد في هذا الفيلم ما يدفعنا للكتابه عنه، والتحفيز على مشاهدته.
القصة:
لدينا شاب في منتصف العمر يعيش بمفرده مع والدته التي تعاني من الخرف، يبدوا متعلقًا بالماضي بشكل سام، وبشكل أكثر وضوحاً نرى أنه متعلق بوالده الذي يبدوا أنه توفى في صغره.
بشكل ذكيّ للغاية يضعنا المخرج أمام العديد من التساؤلات عن البطل، وعالمه، ومايدور فيه.
لماذا ينام البطل أسفل سريره؟ ولماذا يحتفظ بحوض فيه سمكة ميتة؟ ولماذا يدون جدول صحي على الحائط؟ وماذا يعني الكابوس الذي يراه؟ ولماذا يرى والديه بهذا الشكل في الكابوس؟

وكيف كانت طبيعة علاقته بوالده؟
كل هذه الأسئلة تنكب أمام المشاهد لتحفز عقله على التفكير بشكل أكثر عمقًا فيما يراه، ولشد انتباهه ليبقى يقظًا لكل لقطة تظهر أمامه.
يحسن حسام تكثيف المعاني داخل الصورة عن طريق رمزيات واضحة وأخرى مواربة تجعل للمشهد الواحد أكثر من معنى ودلالة، في محاولة منه للالتزام بالمدة المفروضة عليه في قالب الفيلم القصير، ولأن بطله (يحيى) لديه علاقة معقدة بينه وبين والديه، وبينه وبين الماضي، وبينه وبين الحاضر الذي يعيشه كانت الرمزيات ملجأ حتمي هروبًا من الإطالة أو الملل.
لم يكشف لنا شريط الفيلم عن طبيعة العلاقة بين (يحيى) وبين والده بشكل واضح، واكتفى بالإشارة إليها من خلال الكابوس الذي يظهر للبطل في منامه.
يبدوا على ملامح البطل وكأنه قد نُزعت عنه كل ملامح الحياة والبهجة، يشبه الوردة التي دبلت، يشبه أيضا تلك السمكة الميتة التي لازال محتفظاً بها.
بداية من أن يستيقظ من النوم ويتحرك في المنزل في خدمة أمه بشكل روتيني آلي إلى أن يعود من جديد إلى أسفل سريره تبدو ملامحه باهته.
يتغير ذلك عندما يختلط الواقع بالأحلام، ويمتد خيط الكابوس من الخيال إلى أرض الواقع فيرى في كابوسه وداع أمه له ويستيقظ على موتها. وهنا نقطة التحول الكبرى حيث وكأن الحاجز بينه وبين الحاضر قد زال بوفاة والدته ليبدأ يتحرك من جديد وتبدأ الحياة تدب في جوانب منزله، وملامح وجه.

إلى أن نصل إلى مشهد النهاية، وهذه أول مره يخرج فيها من المنزل من بداية الفيلم، المشهد الذي يقف فيه على البحر ومعه تلك السمكة الميتة فتهطل الأمطار الغزيرة وتحدث معجزة غريبة تعود فيها السمكة إلى الحياة من جديد.
كنا نرى البطل مقيد ولا يستطيع الفكاك في حضرة والديه، هذا في الكابوس، وفي الحاضر كأنت ملامحه أشبه بالأموات، ولكن تغير ذلك كله برحيل الأم!
ويكأن الصناع يقولون لنا من خلال ذلك أن تخطى الماضي أمر حتمي ليكون لدينا القدرة على التعامل مع الحاضر، سواء كان التعلق بالماضي سببه جمال وروعة الماضي، أو العكس، ففي كل الحالات يجب أن نتخطى هذه العتبة، والنظر إلى الأمام لمواجهة الحاضر. وهذا ما حدث مع (يحيى) الذي لم يخرج لنور الحاضر إلا بعد رحيل الأم الذي يرمز إلى التحرر من قيد الماضي.
إذاً، هل كانت السمكة الميتة المحتجزة في الماء انعكاسًا للبطل؟
يبدو هذا واضحا جداً.
ولكن ما العلاقة بين موت الأم وبين عودة الابن للحياة؟
ربما لا يقدم الفيلم إجابة مباشرة على هذا السؤال، لكنه يترك لنا مساحة للتأمل في طبيعة هذه العلاقة المركبة، حيث تبدو الأم في حياة البطل وكأنها كانت تمثل له حالة من الثبات الثقيل أو الارتباط الذي يشل حركته ويحبسه داخل دائرة مغلقة من التكرار والرتابة، فيصبح وجودها، رغم ما يحمله من دفء ظاهري، عائقًا غير مرئي أمام قدرته على التغير أو المواجهة، وكأن حياته كانت مؤجلة ومعلقة على هذا الوجود، ولذلك فإن لحظة غيابها، على قسوتها، تأتي كصدمة تكسر هذا الجمود وتدفعه دفعًا إلى الاحتكاك بالحياة من جديد، ليس بوصفها لحظة تحرر سعيدة، ولكن بوصفها بداية مؤلمة لوعي مختلف، ومن هنا يمكن فهم عودة الابن للحياة على أنها حركة اضطرارية نحو العالم بعد أن سقط الحاجز الذي كان يعزله عنه، وكأن الموت لم ينهي فقط حياة الأم، بل ينهي أيضًا حالة السكون التي كان يعيشها الابن، لتبدأ حياة أخرى أكثر قسوة لكنها أكثر حقيقيةً.
سلبيات ومآخذ
لا جدال في كون الفيلم مُبشر جداً بمن خلف صناعته، وأن ملامح الجودة بينة في مفرداته. ولكن يظل العمل غير خالي من السلبيات والمآخذ الواضحة في الميل المبالغ فيه نحو الرمزيات، والاستخدام النمطي لزوايا الكاميرا، أيضًا الغموض الذي يحيط بعالم البطل.
ورغم هذه المآخذ، يظل الفيلم تجربة لافتة تستحق التوقف عندها، لما يقدمه على مستوى الفكرة بدايةً، ولما يكشف عنه الفيلم من حس سينمائي واعد لدى صانعه، حيث تبدو المحاولة جادة في البحث عن لغة خاصة، حتى وإن تعثرت أحيانًا أو مالت إلى الإفراط في التعبير، وهو أمر يمكن تفهمه في سياق فيلم تخرج يسعى فيه صاحبه إلى إثبات حضوره واختبار أدواته في الوقت نفسه، ولذلك فإن قيمة الفيلم الحقيقية لا تكمن فقط في ما أنجزه بالفعل أو ما شاهدناه، بل فيما يعد به مستقبلًا، حيث يترك لدينا انطباعًا بأننا أمام صانع يمتلك من الوعي والشغف ما يجعله قادرًا على تطوير تجربته وتجاوز هذه الملاحظات، ليقدم لاحقًا أعمالًا أكثر نضجًا وتماسكًا.
(*) حصل الفيلم على جائزة سمير فريد من لجنة النقاد خلال مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير.

