الفيلم الفلسطيني “حوار مع البحر” في مهرجان فينيسيا

 

أمير العمري- فينيسيا

 

“”حوار مع البحر” هو الفيلم الرابع للمخرج الفلسطيني مؤيد عليان، الذي عرض في مهرجان فينيسيا السينمائي الـ83 في قسم “أضواء على فينيسيا”. وتتميز أفلام عليان بسيناريوهاتها الدقيقة المكتوبة جيدا، التي تنطلق من حدث، أو حادث صغير في حياة شخص فلسطيني، سرعان ما يكبر ويتفرع ويؤدي إلى تداعيات كثيرة يكشف من خلالها عن المأزق الفلسطيني داخل مجتمع مدينة القدس تحديدا، أي حالة الاشتباك المستمر بين الفلسطيني الذي أصبح غريبا في وطنه، والإسرائيلي الذي يعتبر نفسه في وطنه، وتحت السطح المصقول والصور الجميلة للمدينة، يكمن التوتر والاضطراب والقلق الذي قد يؤدي إلى الانفجار.

الشخصية الرئيسية في “حوار مع البحر” هي رجل في الستين وإن بدا أكبر كثيرا من عمره، بفعل الهموم الكثيرة التي تثقل عليه. وهذا هو “كمال” (كامل الباشا). إنه يعمل خبازا، ويقطن في منزله بالمدينة القديمة التاريخية. فجأة يتلقى إنذارا قضائيا بضرورة تسديد ما قيمته 75 ألف شيكل (حوالي 25 ألف دولار) هو عبارة عما كان يدين به ابنه، للتأمينات الاجتماعية.

الابن وائل، يفترض أن يكون قد غرق في البحر الأحمر قرب شاطيء إيلات قبل عشرين عاما. لكن كمال لا يتمكن من العثور على السجل الرسمي لوفاته، فيلجأ كمال إلى المحامي “فتحي” (عامر هليهل) لكي يساعده، لكنه يبدأ في التشكك في احتمال ألا يكون ابنه قد غرق، ويسعى لكشف حقيقة ما حدث خصوصا بعد أن يعثر له المحامي على التقرير الطبي الذي صدر عن المستشفى والذي يقول إنه كان في صحبته عند نقله الى المستشفى فتاة يهودية تدعى “إينات برونشتين”.

من هنا يبدأ كمال رحلة بحث مجنونة للكشف عن حقيقة ما حدث: هل غرق ابنه وائل فعلا؟ أم هل تعرض للقتل خصوصا والتقرير الطبي والصور تقول إن وجهه كان مليئا بالكدمات والجروح؟ ومن هي “إينات” اليهودية؟

كمال لم يكن موجودا وقت وفاة ابنه. بل كان في أمريكا. لقد ذهب الى هناك بحثا عن عمل لكي يسدد الديون التي تراكمت وترك عائلته خلفه، زوجته وابنته وفاء وابنه وائل، الذين عانوا مرارة العيش لتسديد الديون المتراكمة ومنها ما لا يزال لم يتم سداده حتى يومنا هذا. وقد أساء هروبه من مواجهة واقعه والتخلي عن عائلته، إلى سمعته في الحي كله، خصوصا أنه تخلى عن زوجته التي أصيبت بالسرطان وماتت في غيابه، كما لم يحضر جنازة ابنه، ولذلك فهو يلقى معاملة فظة عنيفة من جانب المجتمع الفلسطيني كله، بل ومن جانب ابنته أيضا، باستثناء المحامي فتحي الذي يشعر بمأساته ويتطوع لمساعدته في كشف اللغز.

جميع من يلجأ إليهم من الفلسطينيين يرفضون الإنصات إليه واخذ شكوكه على محمل الجد، وابنته التي يزورها حيث تعمل في يافا تعتبره مجنونا وتطرده، لكنه لا ييأس، بل يظل يبحث عن “غينات” اليهودية ويتعرض خلال ذلك للعنصرية الصهيونية والاعتداءات، وأخيرا يهتدي إلى ابنة الجيران القدامى “بيسان” التي كانت حبيبة ابنه في الماضي، وهي التي كانت معه في إيلات قبيل غرقه، وهي التي انتحلت اسم “إينات برونشتين”، رغم وجود إينات أخرى حقيقية سينجح في الوصول إليها أو ستصل هي إليه، كانت مديرة مطعم يعمل فيه ابنه.

مشكلة كمال أنه رجل جبان، آثر أن يهرب من مواجهة واقعه، بحثا عن سراب في أمريكا التي ذهب إليها للبحث عن عمل لكي يتمكن من سداد ديونه كما يقول للمحامي، ولكنه فشل وأحبط وعاد بعد أن فقد كل شيء: الزوجة والابن ورفض الابنة الاعتراف به كوالد لها، واستنكار جيرانه وأقاربه ومعارفه القدامى. وأصبح مهددا بالسجن إن لم يدفع المتأخرات، وواقعا تحت ضغوط وإغراءات يمارسها عليه سمسار فلسطيني يريد أن يشتري منه بيته في المدينة القديمة (غالبا لحساب اليهود الذين يعرضون مبالغ ضخمة لتهويد المدينة بأسرها خصوصا القدس العتيقة التاريخية بأبعادها الدينية).

في فيلمه هذا يصور عليان تعقيدات العيش تحت الاحتلال: التهميش والاستبعاد والضغوط، والقمع الذي يتبدى في أول مشاهد الفيلم وهو مشهد مثير لقمع الشرطة الإسرائيلية الوحشي للمتظاهرين الشباب السلميين. وفي الفيلم أكثر من مشهد لتجسيد العنصرية الإسرائيلية كما في المشهد الذي يذهب فيه كمال يطرق باب أسرة بحثا عن “إينات”، فتهدده صاحبة المسكن الإسرائيلية بإبلاغ الشرطة، ثم ينعته يهودي آخر متشدد بالعربي القذر، ويعتدي عليه ويضرب رأسه في الأرض.

يقوم السيناريو على متابعة ورصد ما يحدث من تطور في شخصية كمال والكشف التدريجي عن ماضيه الثقيل، من خلال اللقاءات والمواجهات التي يخوضها خلال الفيلم. وعلى الرغم من كل ما يتعرض له من استبعاد ورفض واعتداءات، ورغم تصاعد شعوره بالندم والذنب، يواصل كمال تحركه عبر المدينة، مصرا على ضرورة تبرئة اسم ابنه، وإثبات ما تعرض له من اعتداء. ولكن هل سيمكنه أن يحقق هذا، أم أن الواقع أشد قسوة، وبالتالي يجب أن يذهب كمال ليلقى مصيره في النهاية؟

كان من الأفضل كثيرا لو أننا شاهدنا تفاصيل ما حدث في اليوم الفاصل، أي ملابسات غرق وائل، من خلال الصور على خلفية صوتية مما كانت ترويه بيسان لكمال. فالمشهد يعتمد بشكل أساسي على الحكي الكلامي، أي على الحوار الطويل، وكثرة التفاصيل التي ترويها بيسان لكمال، مما يجعل الإيقاع يهبط كثيرا في هذا المشهد. وهي مشكلة تتكرر أيضا في مشاهد أخرى مثل المشهد الذي يروي فيه كمال للمحامي فتحي، تفاصيل وملابسات ذهابه الى أمريكا والمشاق التي خاضها، بل وكيف حصل في البداية على تأشيرة دخول أمريكا، وهي قصة مقصود بها تفسير اضطراره لتركه عائلته من ناحية، وتفسير سبب غيابه عن جنازة ابنه ومرض زوجته من ناحية أخرى.

كما هي العادة في أفلام عليان، يبدو هنا اهتمامه الكبير بالصورة، بالتكوينات والإضاءة وحركة الكاميرا واختبار الألوان، وتنسيق الديكورات الداخلية بحيث تعبر عن الشخصية، وتعكس أجواء التوتر والقلق والهذيان. إنه يستخدم الكاميرا المتحركة المحمولة الحرة التي تهتز حينا، لكي تعبر عن فقدان التوازن الذي حل بالرجل بعد أن وجد نفسه محاطا بمزيد من الديون المفاجئة، وحينا آخر، يستخدم الكاميرا التي تتابع الخارج من داخل السيارة المتحركة، لكي يضعنا باستمرار في المكان، فالمكان جزء أساسي من بنية السرد، والمكان، هو القدس، ثم يافا، والبحر، وهي شخصيات حقيقية نابضة لا تنفصل عن البشر. وعندما تأتي “إينات” إلى منزل كمال لا يفوتها أن تتطلع في انبهار من النافذة الى المنظر الذي يطل عليه المنزل وتعبر عن إعجابها. “أحب القدس” فهي تنتمي للمدينة لكنها تركتها من سنوات الى تل أبيب. أما كمال فيقول لها: إن القدس جميلة لكنها “حزينة”. وفي لقطات متحركة كثيرة تركز الكاميرا المتحركة على جدار الفصل العنصري بين القدس والضفة الغربية. وفي إحدى اللقطات التشكيلية المعبرة، نرى الجارة القديمة “سهام”” (ربى بلال) تقف أمام الجدر ترفع يدها إلى أعلى وتقف ثابتة صامتة في مكانها للحظة وكأنها تتضرع، أو تشكو إلى الله هذا السجن الطوق الذي فرضته إسرائيل على الفلسطينيين.

يميل عليان أيضا إلى تحقيق قدر من التوازن في رسم معالم مجتمع القدس، فهو لا يتبنى الصور النمطية لليهود، بل إلى جانب تصوير تطرف المستوطنين الذين استولوا على بيوت الفلسطينيين، وما يمارسونه من عنف، يصور أيضا اليهودية “اللطيفة” أي “إينات” التي تتعامل معه في ود وإنسانية وفهم..

وعندما يطرق كمال بابا خلال بحثه عن “إينات” يجد في الداخل مجموعة من اليهود الليبراليين يحتسون الخمر ويثرثرون على مائدة العشاء، يدعوه صاحب المنزل للدخول ومشاركتهم الحلوى الى حين عودة “إينات”، ثم يتحدث عن النبيذ وكيف أنه مصنوع في الجنوب، وأنه كان تاريخيا ينتج في غزة، ويشير إلى بعض الأواني الفخارية الأثرية التي تشهد على ذلك والتي جاءت من غزة. هنا إشارة إلى سرقة التراث ونسبته إليه، فلا توجد كلمة واحدة تشير إلى غزة السكان، بل فقط غزة المكان. وعندما يستمر الحديث مع النساء الجالسات، تقول إحداهن إن الدراسة أثبتت أن من مصلحة الأطفال الفلسطينيين أن يتعلموا أن العيش تحت النظام الإسرائيلي يكفل لهم سبل تعلم التكنولوجيا الحديثة، مقارنة مع ما هو موجود في اليمن أو ليبيا مثلا، فتجيبها المرأة الأخرى إن من الصعب المقارنة بين إسرائيل كدولة ديمقراطية وتلك البلدان الديكتاتورية.

أما الضيف الموجود على العشاء فيقول إن مشكلة الأطفال الفلسطينيين هي أنهم ينشؤون وهم يحملون تطلعات غير واقعية، وعندما يواجهون واقعا مختلفا يتمردون. ومشكلتهم تكمن في أنهم أصبحوا مركز الانتباه. وعموما لو أرادت أمريكا تحقيق السلام فستفعل. وهنا ينتقل صاحب المنزل الى موضوع يتعلق بالسينما، فيتساءل عن اسم الفيلم الذي ظهر فيه الشاعر محمود درويش. لكن لا أحد يتذكر. فيقول إنه قال لصحفية إسرائيلية إن العالم يهتم بنا فقط بسببكم أنتم، فأنتم في مركز الاهتمام وليس نحن.

هو بيان حقيقي، والفيلم المقصود هو فيلم “موسيقانا” (2004)، ودرويش يتحدث كثيرا فيه عن التاريخ والمنفى وكيف أن العالم لا يهتم بالفلسطينيين بل أساسا باليهود، أي بما سماه “القضية اليهودية” لا “القضية الفلسطينية”.. لكن المشهد بأكمله يعكس ميل الليبراليين الإسرائيليين (وضيوفهم الأمريكيين) إلى الثرثرة والادعاء وإغفال الحقائق ومع ذلك التظاهر بالاعتراف بالآخر ولو عن طريق دعوته للاستماع والمشاركة في ثرثرتهم التي لا تؤدي إلى شيء. وهنا يعلق الفيلم على هذا بأن يجعل رد فعل كمال رفضا للمشاركة في مثل هذا الحوار العبثي، فعندما يسأله المضيف: ما رأيك أنت في كل هذا؟ يكون جوابه هو الصمت الطويل ثم: كم من الوقت يجب الانتظار أكثر قبل أن تأتي إينات؟

كمال أيضا لا يتحدث العبرية رغم أننا نفهم من أحد المشاهد، وما يدور من حوار، أنه يعرفها لكنه يرفض التحدث بها مع الإسرائيليين، ويفضل الحديث بالإنجليزية. إنه يرفض التحدث بلغة الآخر، المحتل، كونه ينتمي إلى جيل قديم ظل رافضا للاندماج. وبالتالي أصبح أكثر من نصف الفيلم ناطقا بالإنجليزية.

كما أشرت، يتميز الفيلم كثيرا بمستوى الصورة وبالمونتاج الدقيق، والانتقالات المحسوبة بين المشاهد، ومن الداخل إلى الخارج، والاستخدام المميز للموسيقى ذات النغمات الحزينة الشجية. كما يتميز الفيلم بالأداء التمثيلي الواثق ويؤكد مجددا، قدرة عليان على التحكم في الأداء وانتزاع أكبر ما يمكنه من التعبيرات الرصينة المحكومة خصوصا من جانب الممثلين، من دون الجنوح نحو المبالغات والانفعالات الزائدة.

هنا يبرز كثيرا أداء كامل الباشا في الدور الرئيسي، فهو يجيد التلون والانتقال من الحزن إلى الغضب، ومن الرقة إلى العنف، يعبر في رجاء، عن رغبته في استعادة علاقته بابنته وفاء، وكيف يصبر عليها كثيرا وعلى انفعالاتها ورفضها الفظ له، قبل أن يصل إلى الانفجار غضبا قائلا إنه قد يكون وغدا لكنه مع ذلك أبوها ويجب أن تجلس وتستمع إليه.

يقول مؤيد عليان إن فيلمه مستوحى من أحداث عائلية حقيقية وشخصية، وما عدا ذلك، وإن كان خياليا، يمثل ظلالا مختلفة من واقع تأملاته في الحياة المعقدة والخانقة والثرية في القدس.

ويضيف في بيانه المصاحب لعرض فيلمه في فينيسيا: لم تكن نشأتي في القدس سهلة، لكنها كانت تجربة غنية جدًا ساهمت كثيرًا في تشكيل نظرتي للحياة والعالم من حولي. القدس مدينة يسكنها الخوف. تواجه جنودًا ومستوطنين مسلحين يوميًا. عمليات هدم المنازل وإخلاء المنازل هي مشهد يومي في المدينة المقدسة. يتعرض الأشخاص من حولك للاعتقال والإصابة والقتل باستمرار. تم تصميم البيئة بحيث تضمن تكرار دورات العنف والخوف. ومع ذلك، بقدر ظلام الحياة هنا، يجب على الجميع الاستمرار في العيش والحب والتنفس والبحث عن السعادة وتأمين الدخل والعثور على شيء يتطلعون إليه. هذه الحياة اليومية للفلسطينيين العاديين، المناهضين للأبطال، الذين يعيشون تحت الاحتلال في عالم القدس المنعزل، كانت مركزًا للعديد من أعمالي، وهي أيضًا مركز الصدارة في حوار مع البحر. في قلب الفيلم تكمن قصة حب عن العائلة وعن قدرتنا البشرية على مواجهة ذنبنا وألمنا وعيوبنا. في قلب الفيلم توجد رسالة حب وكراهية إلى بيتي الوحيد ومدينتي الوحيدة. الحنين إلى ما كان عليه من قبل، والحزن على ما أجبر على أن يصبح”.