هند رستم والصورة التي ملكت نفسها

 

 الجسد والمشهدية وديناميات اللحظة التاريخية

 

مالك خوري

 

 

أولا: من المشاهدة إلى الصراع على امتلاك المشهد

تمثل هند رستم حالة استثنائية تتيح إعادة التفكير في بعض المسلمات التي حكمت المقاربات النسوية للصورة السينمائية للمرأة. فمنذ أن صاغت لورا مولفي مفهوم «النظرة الذكورية» بوصفه أحد المفاتيح الأساسية لفهم الطريقة التي تنظم بها السينما السائدة علاقة المتفرج بصورة المرأة على الشاشة، ارتبط حضور المرأة في جانب واسع من النقد النسوي بموقعها بوصفها موضوعاً للنظر، في مقابل الرجل الذي يحتل موقع الفاعل والحامل للنظرة. وقد شكّل هذا التصور تحولاً حاسماً في دراسة السينما، لأنه كشف أن الجمال والإغراء والمشاهدة ليست عناصر محايدة، بل تدخل في بنية من علاقات القوة تحدد من ينظر، ومن يُنظر إليه، ومن يمتلك القدرة على تنظيم المشهد ومعناه.

غير أن هذه الدراسة لا تنطلق من مفهوم النظرة بوصفه نموذجاً تفسيرياً مكتفياً بذاته، ولا تفترض إمكان نقل بنيته كما صيغت أساساً في سياق دراسة السينما الهوليوودية الكلاسيكية إلى السينما المصرية من دون مساءلة تاريخية. فحالة هند رستم تفرض تقاطعاً بين مستويات نقدية عدة: علاقة الجسد الأنثوي بالنظرة؛ وتحول الجسد نفسه إلى أداة أداء (performance)؛ وطبيعة الصناعة السينمائية التجارية التي أنتجت هذا الحضور؛ والتناقض بين ما تسمح به الشخصية من إمكانات وبين ما تعمل الحبكة لاحقاً على ضبطه أو معاقبته؛ وأخيراً قدرة النجمة نفسها على المشاركة في إنتاج صورتها العامة والدفاع عنها. ومن هنا تتحرك هذه الدراسة بين النظرية النسوية، والتحليل المادي-التاريخي للثقافة، ودراسة النجومية، ضمن تصور للهيمنة (hegemony) لا يفترض احتواء التناقضات بصورة نهائية، بل ينظر إليها بوصفها عملية صراع مستمر لإعادة تنظيمها وإعادة إدراجها داخل الحدود المقبولة اجتماعياً.

وعلى هذا الأساس، لا تطرح المقالة هند رستم باعتبارها فنانة تقع خارج الثقافة الذكورية التي أنتجت أفلامها، ولا باعتبارها صاحبة مشروع نسوي سياسي معلن. فالأهم هنا هو البحث في الكيفية التي أنتج بها أداؤها، داخل تلك الثقافة نفسها، إمكانات نسوية مضادة للهيمنة تجاوزت في أحيان كثيرة الوظيفة التي خصصتها لها الحبكة والصناعة. فالمسألة هنا ليست في إثبات وجود «مقاومة» خالصة تقابل «هيمنة» خالصة، وإنما في تتبع التوتر بينهما: كيف تحتاج السينما التجارية إلى الجسد الأنثوي بوصفه مصدراً للجاذبية والمتعة، ثم تحاول في الوقت نفسه إخضاع القوة التي يطلقها هذا الجسد لحدود أخلاقية وسردية؛ وكيف تستطيع أو تنجح المؤدية، من داخل هذه العلاقة المتناقضة، أن تنتج معاني لا تنضبط تماماً مع ما يريده الفيلم منها.

ومن هنا تكتسب هند رستم أهميتها الخاصة. فوجودها السينمائي لا يلغي البنية الذكورية التي تعمل من داخلها الأفلام المصرية التجارية في الخمسينات والستينات، كما لا يجعل جسدها خارج اقتصاد الإغراء أو خارج رغبة المتفرج الذكوري. على العكس، كثير من أفلامها تبني جزءاً أساسياً من جاذبيتها التجارية على إبراز هذا الجسد، وعلى الملابس والحركة والنظرة والضحكة والإيماءة التي كرست رستم واحدة من أبرز رموز الأنوثة والإغراء في تاريخ السينما العربية. غير أن اختزال هذا الحضور إلى مجرد «موضوع للنظرة» يفشل في تفسير ما يحدث فعلياً داخل المشهد حين تبدأ رستم بالأداء.

فالمفارقة الأساسية في أدائها تكمن في أن وعي الشخصية بكونها منظورة يتحول نفسه إلى مصدر من مصادر القوة. هند رستم لا تظهر عادة كما لو أنها غير مدركة للعين التي تتبعها؛ بل إن أداءها كثيراً ما يقوم على وعي حاد بهذه العين، وعلى تحويل هذا الوعي إلى جزء من اللعبة الأدائية. النظرة، وطريقة الوقوف والمشي، والتكلف المتعمد، والضحكة، والتلاعب بدرجات الصوت وإيقاعه، والاقتراب من الرجل أو الابتعاد عنه، بل وكذلك السكون والصمت وحجب الانفعال، كلها لا تعمل فقط على جعل المرأة أكثر قابلية للمشاهدة، بل تصبح عناصر في ترسانة أدائية تتغير طريقة استخدامها باختلاف الشخصية وموقعها الطبقي والنوع السينمائي والفضاء الذي يتيحه المشهد. فقد تتحول الأنوثة في أداء إلى حركة صاخبة وضحكة ساخرة ومساومة معلنة عن الرغبة، وفي أداء آخر إلى نظرة ثابتة وصوت منخفض وتصنع برجوازي محسوب، وفي ثالث إلى اقتصاد شديد في الحركة والانفعال. وما يستمر عبر هذه الاختلافات ليس نمطاً واحداً من «الإغراء»، بل قدرة المؤدية على استخدام ما يتيحه لها الجسد والصوت والصورة لإعادة تنظيم علاقة القوة داخل المشهد. وهكذا لا يعود السؤال ببساطة: كيف ينظر الرجل إلى هند رستم؟ بل أيضاً: ماذا تفعل هند رستم بمعرفة أن هناك من ينظر إليها، وكيف تستخدم هذه المعرفة لإعادة توجيه الرغبة والانتباه والسلطة؟

وتقود هذه المسألة إلى محور ثانٍ أساسي في الدراسة، يتعلق بمفهوم «المشهدية» أو الـ spectacle  نفسه. فالمشهدية في حالة رستم لا تُفهم فقط باعتبارها عرضاً للجسد الأنثوي أمام المتفرج، بل بوصفها أيضاً ممارسة أدائية واعية تتداخل فيها الملابس والحركة والصوت والضحكة والنظرة والإيقاع وطريقة احتلال حيز الكادر. أي أن الجسد الذي يُعرض بوصفه موضوعاً للرغبة يتحول في الوقت نفسه إلى أداة لفعل الأداء. ومن هنا لا يعود حضور رستم مجرد نتيجة لعمل الكاميرا والمخرج والإضاءة والملابس، بل يصبح أداؤها نفسه أحد العناصر التي تعيد تنظيم مركز الثقل داخل الصورة.

وهنا تقترح الدراسة تمييزاً منهجياً بين الاحتواء السردي والاحتواء الأدائي. ففي الغالبية الساحقة من أفلام رستم، تعود الحبكة في نهايتها إلى استعادة نظام أخلاقي واجتماعي محافظ: المرأة المستقلة أو المتحررة أو الجنسية أو المتمردة تتزوج، أو تتوب، أو تضحي، أو تُعاقب بالموت أو الفقد أو التشوه. وبهذا المعنى يستطيع السرد أن يعيد الشخصية إلى الحدود التي يفرضها المجتمع الأبوي. لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يمحو ما أنتجه الأداء قبل هذه النهاية. فالساعات التي قضتها الشخصية وهي تتصرف، وترغب، وتغوي، وتفاوض، وتهدد، وتضحك، وتسيطر على الرجال وعلى إيقاع المشهد لا تختفي ببساطة لأن الحبكة قررت في دقائقها الأخيرة معاقبتها أو إعادة إدماجها في النظام الاجتماعي.

ولذلك قد يكون من الأدق الحديث عن فائض أدائي يتجاوز الوظيفة الأيديولوجية المباشرة للحبكة. فالنهاية تستطيع أن تعاقب الشخصية، لكنها لا تستطيع دائماً أن تعاقب الأداء نفسه. يبقى في الفيلم فائض من الحضور والمتعة والاستقلال والإمكانية النسائية لا تستعيده الأمثولة الأخلاقية بصورة كاملة. وهذا هو ما يجعل أفلام رستم مجالاً ملائماً لقراءة الهيمنة بوصفها عملية إعادة تشكيل مستمرة، لا بوصفها قدرة ناجزة على الإغلاق والاحتواء. فثقافة الذكورية البطريركية تستطيع أن تعيد تنظيم التمرد وتضع له حدوداً، لكنها لا تضمن أن المعاني التي أطلقها هذا التمرد ستعود كلها إلى مكانها والى تحت السيطرة.

ويستدعي ذلك بدوره وضع رستم داخل الشروط التاريخية التي أتاحت ظهور هذا الشكل من النجومية في مصر. وهذه الدراسة تتعامل مع أداء رستم لا بوصفه خاصية فردية معزولة، بل بوصفه جزءاً من لحظة تاريخية تميزت بالتوسع الحضري، والتحولات في مواقع النساء في المجال العام، وصعود صناعة سينمائية جماهيرية واسعة، وبقاء علاقات اجتماعية وأسرية أبوية قوية في الوقت نفسه. إن النجمة، بهذا المعنى، لا تقف خارج التناقضات الاجتماعية، بل تصبح أحد أكثر المواقع كثافة وتمركزا في تجسيدها: تحتاج الصناعة إلى جسدها وصورتها، يحتاج الخطاب المحافظ إلى ضبطهما، ويحتاج الجمهور إلى المساحة التخيلية التي تفتحها الشخصية قبل أن تُغلق الحبكة عليها.

أما المحور الأخير فيتصل بالصورة نفسها: كيف تُنتج النجمة صورتها؟ وكيف تشارك في الدفاع عنها وإعادة تدويرها خارج الفيلم، عبر الملابس والصور الفوتوغرافية والمقابلات والظهور العام، ثم عبر القرارات المتعلقة بالاعتزال ورفض إعادة تعريف تاريخها وفق معايير أخلاقية لاحقة؟ من هنا لا يمكن فهم هند رستم فقط بوصفها شخصية تظهر على الشاشة، وإنما بوصفها فنانة شاركت بوعي في تشكيل صورة نجومية امتدت عبر أفلامها والى ما حولها. وهذا ما يسمح في نهاية المطاف بوضع تجربتها ضمن تاريخ أوسع للنجومية النسائية العالمية، لا باعتبارها نسخة عربية من مارلين مونرو أو مارلينا ديتريش أو غيرهما، بل باعتبارها تجربة موازية لها شروطها التاريخية والجمالية الخاصة في التفاوض مع الجسد والمشهدية والسلطة وملكية الصورة.

بهذا المعنى، لا تتمثل خصوصية هند رستم في أنها أفلتت من كونها «مشهدية»، بل ربما تكمن قوتها تحديداً في أنها جعلت من المشهدية نفسها ساحة للصراع. لقد قبلت مركزية الجسد والصورة والإغراء في بناء نجوميتها، لكنها لم تظهر على الشاشة بوصفها مادة خاماً للنظر فقط؛ بل حولت معرفتها بأنها منظورة إلى جزء من أدائها. ولذلك فإن السؤال الذي يقود هذه الدراسة ليس ما إذا كانت هند رستم موضوعاً للنظرة الذكورية أم لا، بل سؤالاً أكثر تعقيداً: ماذا يحدث عندما تصبح المرأة، وهي موضوع للنظر، فاعلة أيضاً في تنظيم الطريقة التي تُرى بها؟ ومن يمتلك الصورة في اللحظة التي يصبح فيها الظهور نفسه ممارسة للقوة؟

ثانيا: الجسد بوصفه أداءً، أو المشهدية والسيادة الأدائية

إذا كانت النظرة الذكورية تحدد أحد الشروط الأساسية التي يعمل ضمنها حضور هند رستم السينمائي، فإن ذلك لا يكفي، بحد ذاته، لتفسير طبيعة هذا الحضور. فكون الجسد الأنثوي موضوعاً للمشاهدة لا يعني بالضرورة أنه عنصر سلبي داخل الصورة، كما أن تحويل المرأة إلى مركز للمشهدية لا يحسم مسبقاً طبيعة علاقات القوة التي تتشكل داخل المشهد. السؤال الأكثر أهمية في حالة رستم ليس فقط كيف يُعرض جسدها، بل ماذا تفعل بهذا الجسد حين يصبح موضوعاً للعرض؟ هنا ينتقل التحليل من الجسد بوصفه صورة إلى الجسد بوصفه أداءً، ومن المشهدية بوصفها آلية لامتلاك المرأة بصرياً إلى المشهدية بوصفها أيضاً ساحة محتملة للصراع على معنى هذا الامتلاك وحدوده.

لا يعني ذلك أن المشهدية تفقد وظيفتها داخل اقتصاد المتعة الذكورية. فجسد رستم وملابسها وحركتها وجمالها كانت جميعها جزءاً أساسياً من اقتصاد النجومية والتسويق في السينما المصرية التجارية. لكن اختزال هذه العناصر إلى وظيفتها بوصفها مصادر للإثارة يتجاهل الطريقة التي كانت رستم تستخدمها بها باعتبارها ترسانة أدائية. فالجسد، والملابس، والضحكة، والصوت، والنظرة، والإيماءة، والمشية، وطريقة الجلوس والوقوف، والاقتراب والابتعاد، بل وحتى التصنع والمبالغة المتعمدة في أداء الأنوثة، تتحول لديها إلى أدوات تستخدم في بناء الشخصية وفي تنظيم العلاقة بينها وبين الرجل الذي يشاركها المشهد.

وتكتسب مسألة «التصنع» هنا أهمية خاصة. فالأنوثة عند رستم لا تظهر دائماً بوصفها حالة طبيعية أو عفوية يُفترض أن تنسى المرأة نفسها وهي تمارسها. كثيراً ما تبدو، على العكس، أنوثة تعرف أنها تؤدي نفسها. طريقة النظر، وإطالة الضحكة، وتغيير نبرة الصوت، والمبالغة أحياناً في الحركة أو في طريقة ارتداء الملابس وعرضها، كلها تكشف أن الجاذبية ليست مجرد خاصية تمتلكها المرأة، وإنما ممارسة تستطيع استخدامها. بهذا المعنى، لا تخفي رستم دائماً آليات صناعة الأنوثة؛ بل تجعل من قدر من وضوحها وتصنعها جزءاً من المتعة والقوة اللتين ينتجهما الأداء.

وتفتح هذه الطبيعة الواعية والمصطنعة للأداء مجالاً لتقاطع محدود، لكنه مهم، مع بعض ما طورته النظرية الكويرية لاحقاً حول أدائية الجندر. فإذا كان الجندر، كما تقترح جوديث بتلر، لا يعبر ببساطة عن جوهر داخلي ثابت، وإنما يُنتج ويعاد إنتاجه عبر سلسلة من الأفعال والإيماءات وأساليب تحريك الجسد وتقديمه اجتماعياً، فإن «التكلف» الذي يميز جوانب من أداء هند رستم يكتسب دلالة تتجاوز مسألة الأسلوب التمثيلي. فالمبالغة في الأداء تجعل الأنوثة مرئية لا بوصفها فقط «طبيعة» تمتلكها المرأة، بل بوصفها أيضاً شيئاً يُصنع ويُؤدى ويعاد تشكيله.

لكن هذا التقاطع لا يعني أن الأداء يحرر المؤدية تلقائياً من القواعد التي تعيد تقديم الجندر من خلالها. فالأداء نفسه يستعير لغته من منظومة قائمة سلفاً من العلامات والتوقعات الاجتماعية المتعلقة بالأنوثة والجمال والرغبة الجنسية. ومن هنا تكتسب حالة رستم أهميتها: فهي لا تخترع خارج الثقافة الذكورية لغة أنثوية مستقلة عنها، وإنما تستولي، جزئياً ومؤقتاً، على بعض الأدوات التي تتيحها تلك الثقافة نفسها، وتبالغ فيها وتعيد ترتيبها وتستخدمها في إنتاج حضور لا ينضبط دائماً بوظيفتها الأصلية.

ومن هذه الزاوية يمكن أن تلتقي القراءة النسوية التاريخية-المادية لأداء رستم مع أحد الإمكانات التحررية التي فتحتها النظرية الكويرية: ليس التحرر بوصفه خروجاً نهائياً من معايير الجندر، وإنما بوصفه كشفاً لعدم ثباتها، ولإمكان إعادة أدائها بصورة تنتج معاني لا تتطابق تماماً مع الوظائف التي يفترض أن تؤديها. ولا يجعل هذا من هند رستم فنانة «كويرية» بالمعنى التاريخي أو السياسي للمصطلح، كما لا يفترض وجود مشروع نظري واعٍ وراء أدائها؛ لكنه يسمح برؤية كيف يمكن للمبالغة والاصطناع والوعي بالجسد أن تفتح، حتى داخل الثقافة الجنسية المعيارية، مساحة يصبح فيها الجندر نفسه أقل طبيعية وأقل استقراراً وأكثر قابلية للتفاوض.

ولا تكمن أهمية هذا الاحتمال بالنسبة إلى رستم في كشف أدائية الأنوثة فحسب، بل في السؤال عما تستطيع المؤدية أن تفعله بهذه الأدائية حين تتحول من شرط اجتماعي سابق عليها إلى مورد تستخدمه داخل المشهد. وهنا يصبح ضرورياً التمييز بين أدائية الجندر (performativity)  بوصفها عملية اجتماعية تتشكل من خلالها الهوية الجندرية عبر التكرار، وبين الأداء السينمائي (performance)  بوصفه ممارسة فنية واعية تستخدم فيها الممثلة الجسد والصوت والحركة والتوقيت. وتنبع خصوصية رستم من المنطقة التي يتقاطع فيها المستويان: فهي تؤدي الأنوثة باستخدام رموز سبق أن أنتجتها الثقافة، لكنها، بوصفها مؤدية، تستطيع أن تعيد ترتيب هذه الرموز وأن تستثمرها داخل علاقات القوة الخاصة بالمشهد السينمائي.

وهنا يمكن أن يلتقي هذا التمييز بين أدائية الجندر والأداء السينمائي مع تقليد نظري آخر يبدو، للوهلة الأولى، بعيداً عن نظرية الجندر، لكنه يضيء جانباً مهماً من أداء رستم: مفهوم التغريب عند برتولت بريخت. فالتغريب لا يعني ببساطة إبعاد المتلقي عن الشخصية أو منعه من التماهي معها، بل جعل ما يبدو طبيعياً أو بديهياً قابلاً لأن يُرى بوصفه مصنوعاً تاريخياً واجتماعياً. وحين لا تخفي المؤدية تماماً آليات إنتاج الأنوثة، بل تجعل التصنع والمبالغة والوعي بالإيماءة والصوت والجسد جزءاً مرئياً من الأداء، تستطيع الأنوثة نفسها أن تفقد شيئاً من مظهرها بوصفها حقيقة طبيعية سابقة على التمثيل.

ولا يعني ذلك بالطبع أن هند رستم كانت تمارس تمثيلاً بريختياً بالمعنى المسرحي أو السياسي المباشر، ولا أن أفلامها التجارية كانت تسعى إلى إنتاج أثر تغريبي واعٍ. فالسياق الجمالي والصناعي مختلف جذرياً. لكن بعض خصائص أدائها تسمح باستخدام التغريب أداةً تحليلية لفهم ما يحدث حين تصبح الأنوثة شديدة الوضوح في كونها أداءً. فالضحكة التي تطول أكثر مما تتطلبه العفوية، والنظرة التي تكشف وعي الشخصية بأنها منظورة، والمشية أو الحركة التي تعرض نفسها بوصفها حركة محسوبة، لا تلغي الإغراء، لكنها تستطيع في الوقت نفسه أن تجعل عملية إنتاجه قابلة للرؤية وللتمييز. وبهذا لا يعود المتلقي أمام «أنوثة» فقط، بل أمام امرأة تؤدي الأنوثة وتكشف، بدرجات متفاوتة، أنها تفعل ذلك.

ومن هنا يمكن فهم أحد أوجه القوة في أداء رستم بوصفه ناتجاً عن الجمع بين المتعة وكشف آليات إنتاجها، لا عن الاختيار بينهما. فهي لا تحتاج إلى إيقاف المشهدية لكي تجعلها قابلة للسؤال؛ بل تستطيع، في بعض اللحظات، أن تدفعها إلى درجة يصبح فيها اصطناعها نفسه جزءاً من المشهد. وهذا ما يفتح الطريق للانتقال من أدائية الجندر بوصفها شرطاً اجتماعياً عاماً إلى الأداء السينمائي بوصفه ممارسة تستطيع المؤدية من خلالها أن تعيد ترتيب هذا الشرط داخل علاقة محددة بين الشخصيات والأجساد والنظرات. وهنا تحديداً تبدأ «ترسانة الأداء» عند رستم في اكتساب قدرتها على إعادة توزيع علاقات القوة داخل المشهد.

وهنا يمكن أن يفتح هذا التمييز مجالاً لتقاطع آخر، أي مع التقليد النظري الذي طرحه برتولت بريخت حول وظيفة الأداء في زعزعة ما يبدو طبيعياً وبديهياً. فقد ارتبط مفهوم “التغريب (Verfremdungseffekt)” عند بريخت، من بين ما ارتبط به، برفض التمثيل الذي يخفي عملية الأداء نفسها ويسمح للسلوك الاجتماعي بأن يبدو تعبيراً طبيعياً عن شخصية مكتملة وثابتة. وفي مقابل ذلك، سعى الأداء البريختي إلى إبقاء مسافة بين المؤدي والدور تجعل الفعل والإيماءة وطريقة الكلام قابلة لأن تُرى بوصفها اختيارات اجتماعية وتاريخية، لا بوصفها امتداداً تلقائياً لطبيعة بشرية مفترضة. فحين يصبح الأداء مرئياً بوصفه أداءً، يصبح ما يمثله أقل بداهة وأكثر قابلية للسؤال والنقد.

ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن للمبالغة والتصنع في بعض جوانب أداء هند رستم أن تكتسب دلالة تتجاوز الأسلوب الشخصي أو الاستعراض النجومي. فالضحكة التي تطول قليلاً أكثر مما تتطلبه «العفوية»، والنظرة المحسوبة، والتغيير المقصود في نبرة الصوت، والمشية التي تعلن حضور الجسد بدلاً من إخفاء وعيه بذاته، لا تقدم الأنوثة فقط، بل تجعل عملية إنتاجها قابلة للرؤية. ولا يعني ذلك أن رستم ممثلة «بريختية»، أو أن أفلامها تسعى إلى بناء المسرح أو السينما الملحمية بالمعنى الذي قصده بريخت. فهذه أفلام تجارية تقوم في جانب أساسي من قوتها على النجومية والتماهي والمتعة والمشهدية. لكن بعض أنماط الأداء فيها تستطيع أن تنتج أثراً قريباً من الوظيفة السياسية للتغريب: أن تجعل ما تقدمه الثقافة بوصفه طبيعياً يبدو مصنوعاً، وما يبدو جوهراً أنثوياً ثابتاً يبدو ممارسة يمكن تعلمها وتكرارها والمبالغة فيها وإعادة استخدامها.

وهنا تلتقي المسألة البريختية مع المسألة النسوية بطريقة أكثر تعقيداً. فإذا كان التغريب يعمل على نزع البداهة عن العلاقات الاجتماعية، فإن المبالغة الأدائية عند رستم تستطيع، في لحظات معينة، أن تنزع البداهة عن الأنوثة نفسها. غير أن هذا التغريب لا يحدث من خارج المشهدية أو ضد المتعة التي تنتجها، بل من داخلهما. فالمتلقي يستطيع أن يستمتع بالجاذبية والاستعراض وفي الوقت نفسه أن يدرك مقدار الصنع والتكلف والمعرفة الكامنة فيهما. ولذلك لا ينتج أداء رستم بالضرورة تلك القطيعة المباشرة مع التماهي التي ارتبطت ببريخت، بل شيئاً أكثر تناقضاً: مسافة نقدية تنشأ داخل المتعة نفسها. وهنا تكمن أهميته بالنسبة إلى قراءة نسوية مادية-تاريخية، لأن الأثر المضاد للهيمنة لا يتطلب خروج الأداء من الثقافة التي أنتجته، بل يمكن أن ينشأ حين تصبح قواعد هذه الثقافة أكثر وضوحاً، وبالتالي أقل قدرة على الظهور بوصفها طبيعية أو حتمية.

ولعل كوثر في لا أنام (صلاح أبو سيف، 1957) تقدم واحداً من أوضح الأمثلة على هذا التقاطع بين أدائية الأنوثة والأداء السينمائي الواعي. فالشخصية التي تدخل بيتاً برجوازياً بوصفها الزوجة الجديدة للرجل الثري لا تعتمد على الإغراء الصريح أو الحيوية الجسدية الصاخبة التي تميز بعض شخصيات رستم الأخرى، بل على أداء محسوب للأنوثة البرجوازية «المحترمة»: حركة بطيئة، ونظرات مستقرة، وصوت منخفض، وإيماءات توحي بالهدوء والخضوع. لكن رستم تترك في هذا الأداء مسافة تكشف أن كوثر نفسها تدرك أنها تؤدي هذا الدور. ففي مواجهاتها مع نادية، التي تعرف حقيقة علاقتها بزوجها ودوافعها المادية، تستطيع نظرة باردة أو تغيير طفيف في نبرة الصوت أن تنقل معنى موازياً لما تقوله الشخصية أمام الأب: الزوجة المطيعة التي يراها هو ليست بالضرورة المرأة نفسها التي تراها نادية.

وتكمن أهمية كوثر، من هذه الزاوية، في أن رستم لا تكتفي باستخدام علامات الأنوثة التقليدية، بل تجعل الشخصية تستخدمها بوصفها معرفة اجتماعية. فهي تعرف ما الذي يتوقعه الرجل البرجوازي من الزوجة، وتعرف الشكل الذي ينبغي أن تتخذه الأنوثة لكي تبدو جديرة بالثقة والاحترام داخل هذا الوسط، ثم تؤدي هذا الشكل لمصلحتها. تصبح الأنوثة هنا، بهذا المعنى، «أداءً لأداء»: رستم تؤدي امرأة تؤدي بدورها نموذجاً اجتماعياً للأنوثة. ولا يجعل ذلك كوثر شخصية تحررية، كما لا يلغي دوافعها الانتهازية، لكنه يكشف أن علامات الخضوع الأنثوي نفسها تستطيع أن تصبح، في يد المؤدية والشخصية، موارد للمناورة والفعل داخل علاقات القوة التي أنتجتها.

وهنا تظهر مفارقة أساسية. فالمرأة التي تدرك أنها موضوع للنظر تستطيع، في ظروف معينة، أن تستخدم توقعات الناظر نفسه مادة لأدائها. تعرف ما الذي يريده الرجل منها، وتعرف ما يتوقع أن يراه، ثم تلعب على المسافة بين إعطائه ما يتوقعه والتحكم في كيفية إعطائه إياه. ومن هنا يمكن للإغراء أن يعمل في اتجاهين متعارضين في اللحظة نفسها: بوصفه تأكيداً لموقع المرأة داخل اقتصاد النظرة الذكورية، وبوصفه مورداً أدائياً تستخدمه المرأة للتفاوض مع هذا الاقتصاد والتلاعب به، وأحياناً لإرباك توزيع السلطة داخله.

وتؤدي الضحكة الشهيرة عند هند رستم وظيفة نموذجية في هذا السياق. فهي ليست مجرد علامة جاذبية مضافة إلى الجسد، وإنما حدث أدائي في حد ذاته. إنها تستطيع أن تكون دعوة وسخرية واستفزازاً واستهزاءً وإعلاناً للثقة بالنفس في آن واحد. والأهم أنها كثيراً ما تعيد توجيه إيقاع المشهد نحو صاحبتها: فالرجل يتكلم أو يهدد أو يتباهى، لكن ضحكتها تستطيع أن تعيد تعريف ما قاله، وأن تحول جديته إلى مادة للتهكم، أو ثقته إلى ارتباك. وهنا لا تكون قوة الأداء في مضمون الكلمات وحده، بل في قدرة الصوت والجسد على إنتاج معنى لا يتطابق بالضرورة مع المعنى الذي ينظمه الحوار أو الحدث السردي.

ويظهر ذلك أيضا بوضوح في أداء هنومة في باب الحديد (يوسف شاهين، 1958)، حيث تعمل الجاذبية منذ البداية داخل فضاء مادي محدد هو محطة القطارات وممارسة اقتصادية محددة هي بيع المشروبات للمسافرين. فحركة هنومة بين الأرصفة وعربات القطار، واقترابها من النوافذ، وميل الرأس، وتغيير طبقة الصوت أثناء مناداة الزبائن وممازحتهم، لا تقدم الجسد بوصفه زينة مضافة إلى العمل؛ بل تجعل طريقة تقديم الجسد والصوت جزءاً من ممارسة العمل نفسها. تعرف هنومة أنها منظورة، وتعرف أن هذا الانتباه يمتلك قيمة داخل الاقتصاد الصغير الذي تتحرك فيه، ولذلك لا تتلقى النظرة بوصفها علاقة أحادية الاتجاه، بل تديرها وتستخدمها وتعيد توجيهها.

وتصبح هذه القدرة أكثر توتراً في علاقتها بقناوي. فهو ينظر إليها من موقع رغبة تتحول تدريجياً إلى هوس بالامتلاك، بينما تتعامل هنومة مع هذه الرغبة من موقع مختلف تماماً: تقترب منه أحياناً، وتمازحه، وتمنحه لحظة من الحميمية، ثم تستطيع بحركة مفاجئة أو ضحكة ساخرة أن تسحب المعنى الذي اعتقد أنه امتلكه من هذا الاقتراب. هنا تؤدي الضحكة تحديداً وظيفة سلطوية صغيرة لكنها حاسمة: لا تمنع قناوي من النظر إليها، لكنها تستطيع أن تعيد تعريف نظرته ورغبته بوصفهما مادة لسخريتها. ومن داخل فضاء المحطة الذكوري والفوضوي، لا تمتلك هنومة شروط وجودها الاجتماعي ولا تتحكم في الأخطار التي تحيط بها، لكنها تستطيع مراراً أن تستولي على مركز الثقل الأدائي للمشهد. وهذه المسافة بين هشاشة الموقع الاجتماعي وقوة الحضور الأدائي هي تحديداً ما يجعل «السيادة الأدائية» مفهوماً علاقياً ومؤقتاً، لا وصفاً لسلطة تمتلكها الشخصية بصورة مستقرة.

وينطبق الأمر نفسه على الملابس. فما كانت تسميه رستم لاحقاً ارتداء الملابس «للصورة» يتيح لنا النظر إلى الأزياء لا باعتبارها زينة تضاف إلى جسد النجمة، بل جزءاً من بنية أدائها. فالملابس تحدد كيفية دخول الجسد إلى الكادر، وطريقة حركته داخله، وما تكشفه وما تحجبه، كما تحدد المسافة التي تضعها الشخصية بينها وبين الآخرين. وحين تكون النجمة واعية بهذه الوظيفة وتشارك في إنتاجها، يصبح الزي جزءاً من عملية تشكيل الصورة وليس مجرد قرار خارجي يتخذه مصمم الملابس أو المخرج. ولا يعني هذا بالطبع أن رستم كانت تمتلك السيطرة المنفردة على صورتها، بل يعني أن أداءها كان يتفاعل مع عناصر الإنتاج المختلفة ويستخدمها في تشكيل حضور أصبح من الصعب فصله عن شخصيتها النجومية نفسها.

ومن هنا يمكن اقتراح مفهوم “السيادة الأدائية (performative sovereignty) ” لوصف لحظات محددة في أفلام رستم. ولا تشير السيادة هنا إلى امتلاك الممثلة للجهاز السينمائي أو السيطرة الكاملة على إنتاج المعنى. فالكاميرا ليست كاميرتها، والمونتاج ليس بيدها، والسيناريو يحدد مسار الشخصية، والمخرج ينظم فضاء المشهد، والمنتج والصناعة والسوق يشاركون جميعاً في صناعة الصورة التي تصل إلى المتفرج. لذلك لا يمكن الحديث عن سيادة مطلقة، ولا عن خروج الممثلة من الشروط المادية والمؤسساتية التي تنتج صورتها.

المقصود، بالأحرى، هو سيادة علاقة ظرفية ومؤقتة داخل الأداء نفسه: لحظة تستطيع فيها المؤدية، من خلال جسدها وصوتها وحركتها وتوقيتها وإدراكها للصورة، أن تستولي على مركز الثقل الأدائي للمشهد. قد لا تمتلك الكاميرا، لكنها تستطيع أن تجعل حضورها مركزاً لا تستطيع الكاميرا تجاهله؛ وقد لا تكتب الحوار، لكنها تستطيع من خلال طريقة قوله أن تغير علاقته بالشخصيات الأخرى؛ وقد لا تحدد النهاية السردية، لكنها تستطيع أن تنتج على مسارها حضوراً يتجاوز الوظيفة التي خصصها السرد للشخصية. فالسيادة المقصودة هنا ليست سيادة على الجهاز، بل درجة مؤقتة من السيادة داخل الحدث الأدائي الذي ينتجه الجهاز.

بهذا المعنى، لا ينبغي فهم «السيادة الأدائية» بوصفها نقيضاً للهيمنة، وإنما بوصفها إحدى التوترات التي يمكن أن تنشأ داخل الحقل المهيمن نفسه. فالسينما التجارية تحتاج إلى رستم بوصفها مشهداً أنثوياً جذاباً، لكن هذه الحاجة نفسها تمنح النجمة مساحة لاستخدام الجاذبية التي تُطلب منها في إنتاج قوة أدائية إضافية. إنها لا تتحرر من اقتصاد المشهدية؛ بل تستثمر التناقض الكامن فيه. فكلما أصبحت صورتها أكثر ضرورة لجاذبية الفيلم، أصبح حضورها أيضاً أكثر قدرة على إنتاج معانٍ ولذات لا يمكن اختزالها بالكامل إلى الوظيفة التي أرادتها لها البنية التجارية أو الأبوية.

ولا تعتمد هذه السيادة بالضرورة على اتساع المجال المتاح للجسد أو على الإغراء بوصفه أداتها الأساسية. ففيلم بين السما والأرض (صلاح أبو سيف، 1959)، يضع رستم في وضع يكاد يشكل اختباراً عكسياً لترسانتها الأدائية. فشخصية ناهد شكري، نجمة السينما الشهيرة، محبوسة مع مجموعة من الغرباء داخل مصعد متوقف، في فضاء يحرمها إلى حد بعيد من الأدوات التي ارتبطت عادة بمشهديتها: لا مجال للمشي الاستعراضي أو الرقص أو الدخول اللافت إلى الكادر، ولا للمسافة التي تسمح للجسد بأن ينظم علاقته بنظرات الآخرين عبر الحركة. ومع ذلك لا يؤدي هذا التقليص المكاني إلى اختفاء مركزية حضورها، بل إلى إعادة توزيع أدواته.

ينتقل الأداء هنا إلى مستوى أكثر دقة: تعبيرات الوجه، والتنهد المتعمد، وتغيير نبرة الصوت، والتوقيت الكوميدي، والمبالغة الساخرة في أداء «النجمة» التي تجد نفسها فجأة من دون الامتيازات المكانية والبصرية التي تصنع عادة نجوميتها. وبدلاً من أن يكشف المصعد أن جاذبية رستم ليست سوى أثر تصنعه الملابس أو حركة الجسد أو طريقة تصويره، يكشف قدرتها على إعادة بناء مركزها الأدائي بأدوات أصغر. والأهم أن رستم تستخدم صورة النجمة نفسها مادة للكوميديا، فتؤدي قدراً من المبالغة الواعية في «هند رستم» كما يعرفها الجمهور. وهكذا لا تثبت السيادة الأدائية نفسها في السيطرة على المكان، بل في القدرة على التكيف مع فقدان هذه السيطرة وإعادة تشكيل الحضور داخل الحدود التي يفرضها المكان والنوع السينمائي.

ولعل بعض أقوى مشاهد رستم هي تلك التي تتحول فيها العلاقة بين الإغراء والسلطة إلى لعبة معلنة. ففي هذه اللحظات لا تخفي الشخصية أنها تستخدم أنوثتها، كما لا يخفى على الرجل المقابل أنها تفعل ذلك. تصبح معرفة الطرفين جزءاً من الصراع نفسه. الرجل يعتقد أنه يمتلك المرأة لأنه يستطيع شراءها أو إغراءها أو مراقبتها أو الاستحواذ على جسدها؛ بينما تكشف الشخصية تدريجياً أن معرفتها برغبته تمنحها بدورها قدرة على التأثير في سلوكه. الرغبة التي يفترض أن تؤكد سلطته تتحول إلى نقطة ضعف يمكن استخدامها ضده. وإذا كانت هذه القدرة تستطيع أن تظهر في صورة التلاعب الهادئ بالعلامات الاجتماعية عند كوثر، أو إدارة الانتباه والحركة عند هنومة، أو إعادة بناء الحضور داخل الحيز المقيد عند ناهد شكري، فإنها تستطيع في حالات أخرى أن تتحول إلى انقلاب جسدي شبه حرفي في توزيع مواقع السيد والخاضع.

ويبلغ هذا المنطق واحداً من أكثر تعبيراته جلاءً في شفيقة القبطية (حسن الإمام، 1963)، في المشهد الذي تمتطي فيه شفيقة ظهر الباشا وتأمره بأن يقلد صوت الخروف بينما يحملها ويتحرك بها في قصره على يديه وركبتيه. تكاد علاقات القوة التي ظلت موزعة رمزياً في مشاهد أخرى تتحول هنا إلى صورة جسدية حرفية. وبالمعنى الذي أعطاه بريخت لمفهوم الـGestus بوصفه إيماءة أو ترتيباً جسدياً يجعل العلاقة الاجتماعية نفسها قابلة للرؤية، يتحول جسدا شفيقة والباشا معاً إلى تشكيل أدائي يكشف السلطة عبر قلب مواقعها: الرجل الذي تجمع شخصيته بين السلطة الذكورية والطبقية والاقتصادية يصبح جسده نفسه حاملاً لجسد المرأة التي يُفترض، وفق منطق علاقته بها، أن تكون موضوعاً لامتلاكه. لا تختفي السلطة التي يمثلها الباشا اجتماعياً، ولا يتحول المشهد إلى إلغاء سحري للبطريركية أو للطبقة، لكن توزيعها اللحظي ينقلب بصورة ساخرة ومهينة. شفيقة لا تكتفي بأن تكون موضوع رغبته؛ إنها تستخدم هذه الرغبة لكي تجعله يؤدي هو نفسه دور الخاضع أمامها.

وتزداد أهمية المشهد لأن الانقلاب لا يحدث خارج المشهدية الأنثوية بل من خلالها. فجسد شفيقة لا يتوقف عن كونه موضوعاً للرغبة لكي يصبح مصدراً للقوة؛ إنما تتحول الرغبة نفسها إلى إحدى آليات القوة. وهذا يميز أداء رستم عن تصور بسيط للتحرر النسائي يقوم على رفض الأنوثة أو الإغراء بوصفهما بالضرورة نتاجاً للهيمنة الذكورية. ما تكشفه رستم هو إمكان أكثر تناقضاً: أن تصبح بعض الأدوات التي تشكلت تاريخياً داخل اقتصاد النظر إلى المرأة قابلة، في لحظات معينة، لإعادة الاستخدام ضد استقرار العلاقات التي أنتجتها.

وهنا تكتسب المشهدية دلالتها المضادة للهيمنة. ليست المشهدية في ذاتها مقاومة، تماماً كما أن إظهار الجسد الأنثوي ليس في ذاته تحرراً. قيمتها السياسية والجمالية تتحدد من خلال العلاقات التي تدخل فيها، وما الذي يستطيع الأداء أن يفعله بها. وفي حالة رستم، تكمن الأهمية في التوتر بين كون الجسد سلعة بصرية داخل صناعة تجارية وبين قدرته، عبر الأداء، على أن يصبح وسيلة للفعل والتفاوض والتحدي وإنتاج المتعة للمرأة نفسها، لا للمتفرج الذكوري وحده.

لهذا لا تعني القوة النسوية في أداء هند رستم تجاوز التناقض بين كون المرأة موضوعاً وفاعلاً. على العكس، تكمن فرادة أدائها في إبقاء هذا التناقض مفتوحاً. إنها منظورة وتنظر، مرغوبة وترغب، معروضة وتعرض نفسها، تؤدي الأنوثة وتكشف في الوقت نفسه أنها أداء، تخضع لقواعد المشهد وتستطيع مؤقتاً إعادة ترتيبها. ومن داخل هذه الازدواجية تحديداً يظهر الفائض المضاد للهيمنة الذي لا تستطيع الحبكة المحافظة استعادته بالكامل.

إن «السيادة الأدائية» عند هند رستم، إذن، ليست ملكية للصورة بقدر ما هي صراع متكرر على ملكيتها. وهي ليست سيطرة على الجهاز السينمائي، بل لحظة تتمتع فيها بقدرة على إعادة توزيع بعض علاقات القوة داخله من موقع الممثلة. ومن هنا يصبح الجسد أكثر من صورة، والإغراء أكثر من دعوة للنظر، والأنوثة أكثر من هوية ثابتة: تتحول جميعها إلى ترسانة أداء تستطيع رستم من خلالها أن تجعل المرأة التي يُفترض أن تكون مركز المشاهدة مركزاً للفعل أيضاً.

ثالثا: شروط الإمكانية التاريخية: الجسد والحداثة والتناقضات الجندرية في مصر ما بعد 1952

لا يمكن تفسير القوة الاستثنائية التي اكتسبها حضور هند رستم السينمائي انطلاقاً من موهبتها الفردية أو قدرتها على إدارة صورتها وحدهما. ف”ترسانة الأداء” التي تناولناها سابقاً، وما أمكن أن تنتجه في بعض اللحظات من “سيادة أدائية”، لم تظهر في فراغ اجتماعي أو ثقافي، وإنما داخل لحظة تاريخية محددة من تاريخ مصر الحديث. وإذا كان الأداء يتيح للممثلة إعادة التفاوض مؤقتاً على بعض علاقات القوة داخل المشهد، فإن شروط إمكان هذا الأداء نفسها تظل مرتبطة بالبنية المادية والمؤسساتية والثقافية التي تنتجه وتسمح بتداوله. ومن هنا يصبح السؤال المادي-التاريخي ضرورياً: ما الذي جعل ظهور هند رستم بهذه الصورة ممكناً في السينما المصرية خلال الخمسينات والستينات؟ ولماذا لم تتكرر هذه التجربة، بالشكل والكثافة نفسيهما، في المراحل اللاحقة؟

لا تكمن الإجابة في افتراض أن مصر الخمسينات والستينات كانت مجتمعاً متحرراً من البطريركية أو المحافظة الأخلاقية. فقد ظلت الأطر التفصيلية للأسرة الأبوية، والتقسيمات الجندرية للعمل، والمعايير المزدوجة المتعلقة بالجنس، والرقابة الاجتماعية على جسد المرأة وسلوكها، عناصر فاعلة في المجتمع وفي الثقافة السينمائية نفسها. وتشهد النهايات العقابية التي ميزت الكثير من أفلام هند رستم على استمرار هذه البنية بوضوح. لكن أهمية المرحلة تكمن في التناقض التاريخي الذي أنتجته: استمرار علاقات اجتماعية محافظة من جهة، وتوسع مشروع تحديثي ومؤسساتي وعلماني التوجه نسبياً من جهة أخرى، أعاد تشكيل مواقع النساء في التعليم والعمل والمجال العام، وخلق فضاءات جديدة وغير مسبوقة لظهور المرأة بوصفها فاعلاً اجتماعياً وثقافياً.

وقد اكتسب هذا التناقض قوة أساسية بعد ثورة 1952 وما رافقها، منذ بداية الخمسينات الى نهاية الستينات، من توسع لدور الدولة، وإصلاح زراعي، وتأميمات، وتوسيع للتعليم، ونمو في التوظيف الحكومي، وسياسات اجتماعية ذات توجه اشتراكي وقومي. ولم تؤد هذه التحولات إلى تحرير النساء بصورة تلقائية، لكنها ساهمت في تغيير الشروط المادية لوجودهن في المجتمع. أصبحت المرأة أكثر حضوراً في الجامعة، والعمل، والمؤسسات العامة، والمهن الحديثة، وفي الخطاب السياسي نفسه الذي ربط تقدم المجتمع بتوسيع المشاركة الاجتماعية. وبذلك نشأ تناقض بين استمرار البنية الأبوية وبين واقع اجتماعي أصبحت فيه المرأة أكثر ظهوراً واستقلالاً وحركة مما كانت تسمح به الصورة التقليدية السابقة.

وكانت السينما المصرية إحدى أهم الساحات التي ظهر فيها هذا التناقض. فهي لم تكن مجرد مرآة تعكس التحولات الاجتماعية، بل مؤسسة جماهيرية وتجارية واسعة تشارك في إنتاج الصور الجديدة للمدينة والطبقة والجسد والرغبة والحياة الحديثة. وفي صناعة تعتمد على جمهور جماهيري واسع وعلى النجوم بوصفهم أحد أهم عناصر الجذب التجاري، أصبحت صورة المرأة الحديثة مورداً اقتصادياً وثقافياً في آن واحد. فالمدينة، والملهى، ومكان العمل، والشقة، والشارع، والملابس الحديثة، والرقص، والموسيقى، والعلاقات العاطفية والجنسية، كلها وفرت للسينما فضاءات يمكن أن تتحرك فيها المرأة خارج المجال العائلي التقليدي، حتى حين تعيدها الحبكة في النهاية إلى ذلك المجال.

ويقدم باب الحديد مثالاً شديد الكثافة على هذه العلاقة بين الحداثة الحضرية والحضور النسائي الجديد. فهنومة لا تظهر في فضاء المحطة بوصفها امرأة تمر بالمكان أو بوصفها جسداً موضوعاً للنظر فقط، بل بوصفها امرأة تعمل داخله وتتحرك عبره وتتعامل مباشرة مع جمهور متغير من المسافرين والعمال والباعة. وهنا تتقاطع الحركة الاقتصادية والحركة الجسدية: فالصوت الذي تنادي به على المشروبات، وطريقة اقترابها من نوافذ القطارات، وسرعة انتقالها داخل المكان، كلها تجعل الجسد جزءاً من ممارسة العمل في المجال العام. ولا يعني ذلك أن فضاء المحطة أصبح متحرراً من العلاقات الذكورية؛ على العكس، الفيلم يكشف كثافة هذه العلاقات وخطورتها. لكن مجرد إمكان أن تحتل امرأة مثل هنومة هذا الحيز بهذه الحركة والوضوح والحضور يعبّر عن تناقض تاريخي أصبحت فيه المرأة أكثر ظهوراً في المجال الحضري قبل أن تتغير بالضرورة البنى الاجتماعية التي تنظّم هذا الظهور.

ومن داخل هذه المسافة بين ما تسمح الصورة للمرأة بأن تفعله وما يسمح النظام الاجتماعي لها بأن تصبحه يمكن فهم جزء أساسي من ظاهرة هند رستم. فالسينما التجارية احتاجت إلى الجاذبية الأنثوية، لكن المجتمع الذي استهلك هذه الجاذبية لم يكن مستعداً بالضرورة للاعتراف الكامل بما تنطوي عليه من استقلال ورغبة وسلطة. ولذلك تستطيع المرأة طوال جزء كبير من الفيلم أن تتحرك وتعمل وترغب وتختار وتغوي وترفض وتساوم، قبل أن تتدخل النهاية الميلودرامية لاستعادة الحدود الأخلاقية. ولم يكن هذا التناقض عارضاً؛ بل كان إحدى الصيغ الثقافية التي تفاوضت من خلالها السينما مع تحولات اجتماعية حقيقية لم يكن ممكناً إلغاؤها ولا قبول نتائجها كاملة.

في هذا السياق تحديداً تصبح هند رستم أكثر من مجرد “نجمة إغراء”. فقد أتاحت لها صناعة سينمائية جماهيرية قوية، وثقافة حضرية آخذة في التوسع، وتغيرات في الحضور الاجتماعي للنساء، مساحة تستطيع داخلها أن تجعل الجسد الأنثوي مركزاً مرئياً للصورة. لكن رستم دفعت هذه الإمكانية إلى حدود استثنائية من خلال الأداء. فلم تكتفِ بالاستجابة لما احتاجته الصناعة من جسد جميل قابل للتسويق؛ بل جعلت من هذا الجسد والصورة المرتبطة به وسيلتين لبناء شخصية نجومية تتمتع بدرجة عالية من الوعي بذاتها. وهكذا تلاقت الحاجة التجارية للصناعة مع قدرة المؤدية على تحويل ما تحتاجه الصناعة منها إلى مورد لقوتها الأدائية.

ولا تتخذ هذه الإمكانات شكلاً اجتماعياً واحداً. فبينما تتحرك هنومة في باب الحديد داخل فضاء العمل الشعبي والحركة الحضرية الكثيفة، تظهر كوثر في لا أنام داخل عالم برجوازي مغلق نسبياً تحكمه الملكية العائلية والاحترام الاجتماعي والزواج. ولهذا تختلف الأدوات التي يتيحها كل فضاء للمرأة: الأولى تستخدم الحركة والصوت والاحتكاك المباشر بالمجال العام، بينما تستخدم الثانية معرفة دقيقة بشفرات الأنوثة البرجوازية والزوجية. ويكشف هذا الاختلاف أن «ترسانة الأداء» لا تنفصل عن الموقع الطبقي للشخصية؛ فالجسد نفسه لا يكتسب المعنى أو القوة بالطريقة ذاتها في المحطة والبيت البرجوازي، كما أن المساحات المتاحة للمرأة للتفاوض مع السلطة تتغير بتغير البنية الاجتماعية التي تتحرك داخلها.

ولا ينبغي، في الوقت نفسه، فصل هذه الإمكانية عن الطبيعة العلمانية النسبية للمجال الثقافي الذي تشكل في تلك المرحلة. فالدولة الناصرية لم تكن دولة نسوية، كما أن خطابها الاجتماعي لم يتجاوز البطريركية بصورة جذرية. لكنها لم تجعل المرجعية الدينية المحافظة الأساس المنظم للثقافة العامة أو لشرعية الفن. وعلى الرغم من الرقابة والتناقضات الأخلاقية التي حكمت السينما، بقي تمثيل الجسد والرغبة والرقص والعلاقات الجنسية والمفارقات الأخلاقية جزءاً مشروعاً من المجال السينمائي، يخضع للصراع والتفاوض والرقابة، لكنه لا يُعامل في ذاته بوصفه خروجاً على تعريف ديني شامل لما ينبغي أن يكون عليه الفن.

وهذه المساحة التاريخية مهمة لفهم هند رستم. فقد كان ممكناً أن تكون المرأة في الفيلم مثيرة جنسياً من دون أن يصبح وجودها الجنسي نفسه سبباً كافياً لإخراجها من المجال الثقافي المشروع. وكان ممكناً للنجمة أن تبني جزءاً مركزياً من صورتها على الجسد والجاذبية وأن تظل في الوقت نفسه ممثلة من الصف الأول تعمل مع يوسف شاهين وحسن الإمام وفطين عبد الوهاب وصلاح أبو سيف وغيرهم، وأن تتحول صورتها إلى جزء من الثقافة السينمائية القومية لا إلى هامش خارجها. وهنا تكمن إحدى الخصائص التاريخية التي ستصبح أهميتها أوضح عند مقارنة هذه المرحلة بما حدث لاحقاً.

ولعل القياس الأكثر مادية لهذه المساحة لا يكمن في الخطاب الرسمي حول المرأة أو الحداثة بقدر ما يظهر في ما كان الجهاز السينمائي نفسه متصالحا مع رؤيته. فالقبلة بين الرجل والمرأة، على سبيل المثال، لم تكن حدثاً استثنائياً يحتاج وجوده في الفيلم إلى تبرير خاص، بل كانت جزءاً مألوفاً من القاموس البصري والعاطفي للسينما المصرية الجماهيرية. وكذلك كانت مشاهد الشواطئ وحمامات السباحة التي تظهر فيها النساء بملابس السباحة، بما فيها “البكيني”، ومشاهد الرقص والملابس الكاشفة والتقارب الجسدي والمغازلة المباشرة. ولم تكن هذه الصور محصورة في سينما هامشية أو تجريبية تتوجه إلى نخبة صغيرة، بل كانت تظهر في أفلام جماهيرية يشاهدها جمهور عائلي واسع ويشارك فيها أبرز نجوم ونجمات الصناعة. ولذلك فإن أهميتها التاريخية لا تتعلق بمقدار ما تكشفه من الجسد فحسب، بل بما تكشفه عن حدود الممكن تمثيله داخل الثقافة الجماهيرية نفسها.

وهنا يصبح الفارق مع مراحل لاحقة بالغ الدلالة. فالكثير مما كان يمثل جزءاً اعتيادياً من اللغة البصرية للسينما المصرية في الخمسينات والستينات أصبح، تدريجياً، أكثر صعوبة في التمثيل، وأكثر حاجة إلى التبرير، أو أكثر عرضة للحذف والاعتراض والرقابة الذاتية. وليس ضرورياً أن يصدر قانون يمنع القبلة السينمائية أو ظهور المرأة بملابس السباحة لكي تصبح هذه الصور شبه غائبة عن قطاع واسع من الإنتاج. فالهيمنة الثقافية تعمل أيضاً من خلال تغير توقعات الجمهور، وحسابات المنتجين، وخوف النجوم على صورتهم العامة، وضغوط الخطاب الديني والإعلامي، ومعايير “الاحترام”، والرقابة الرسمية وغير الرسمية. وما كان متاحاً في مرحلة سابقة بوصفه جزءاً طبيعياً من أدوات التمثيل يمكن، عبر تراكم هذه الضغوط، أن يصبح خياراً مكلفاً إلى درجة أن الصناعة تبدأ باستبعاده قبل أن يُطلب منها رسمياً ذلك.

وهذا التحول أساسي لفهم فرادة تجربة هند رستم. فالـ«ترسانة الأدائية» التي استخدمتها لم تكن موجودة في جسد الممثلة وحده؛ كانت تعتمد أيضاً على ترسانة من الإمكانات التمثيلية التي أتاحتها لها السينما في لحظتها التاريخية. لكي تستطيع رستم استخدام الملابس والجسد واللمس والرقص والنظرة والصوت والإغراء والتقارب الجسدي والمسافة والسكون والمبالغة الساخرة بوصفها موارد أدائية، كان ينبغي أولاً أن تكون هذه الأفعال والصور والإيماءات ممكنة داخل الفيلم الجماهيري. وإذا تقلصت لاحقاً مساحة ما يمكن للجسد الأنثوي أن يفعله ويظهره على الشاشة، فإن المسألة لا تعني فقط اختفاء بعض الصور أو المشاهد، بل تضييق مجموعة الأدوات التي تستطيع الممثلة نفسها استخدامها في بناء الأداء. ومن هنا فإن ما فُقد في التحولات اللاحقة لم يكن مجرد «جرأة» بصرية كانت تتمتع بها السينما القديمة، بل جزءاً من الشروط المادية والجمالية لإمكانية انيثاق شكل معين من الأداء النسائي نفسه.

فابتداءً من السبعينات دخل المجتمع المصري في عملية إعادة تشكيل واسعة لا يمكن اختزالها في عامل واحد. ارتبطت سياسة الانفتاح بإعادة تنظيم العلاقات الطبقية والاقتصادية، وباتساع حركة العمالة المصرية نحو دول الخليج، وبزيادة تدفق رأس المال وأنماط الاستهلاك والتأثيرات الاجتماعية القادمة من المنطقة النفطية، في الوقت الذي تراجع فيه تدريجياً المشروع القومي والاشتراكي الذي كان قد شكل جانباً مهماً من شرعية النظام السابق. وفي السياق نفسه، توسعت التيارات الإسلامية اجتماعياً وسياسياً، ثم أصبحت منذ السبعينات والثمانينات قوة متزايدة التأثير في تعريف المجال العام وفي النقاش حول الأخلاق والجسد والمرأة والفن.

ولم يكن صعود المحافظة الدينية منفصلاً عن هذه التحولات المادية. فانتقال العمالة ورأس المال، وتغير مواقع الطبقات الاجتماعية، وتراجع بعض وظائف الدولة الاجتماعية، وتحول أنماط الاستهلاك، وإعادة تنظيم صناعة الثقافة، كلها ساهمت في إنتاج بيئة جديدة أصبحت فيها المسألة الجندرية نفسها موقعاً مركزياً للصراع على هوية المجتمع. ومن هنا فإن صعود الخطابات الإسلامية المحافظة لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه مجرد “غزو فكري” وقع على مجتمع كان علمانياً، وإنما بوصفه جزءاً من إعادة تشكيل هيمنية أوسع تداخلت فيها التحولات الاقتصادية والطبقية والسياسية والدينية والثقافية.

وكان جسد المرأة من أكثر المواقع وضوحاً التي ظهرت عليها آثار هذه العملية. فالملابس، والحركة في المجال العام، والعلاقات الجنسية، والاختلاط، والرقص، وما يجوز أو لا يجوز للممثلة أن تعرضه على الشاشة، أصبحت جميعها ساحات أكثر كثافة للصراع الأخلاقي. ولم تختفِ المرأة الجذابة أو المشاهد الجنسية من السينما المصرية، كما لم تصبح السينما اللاحقة كتلة محافظة واحدة. لكن شروط المشروعية الثقافية للمشهدية الأنثوية تغيرت. وما كان يمكن أن يشكل في مرحلة سابقة جزءاً طبيعياً، وإن كان متنازعاً عليه، من نجومية ممثلة مركزية، أصبح أكثر عرضة للحاجة إلى التبرير أو التنصل أو الفصل بين «الفنانة المحترمة» وصورتها الجسدية.

ومن هنا تكتسب ظاهرة ما سُمي لاحقاً بـ”السينما النظيفة” أهميتها، لا باعتبارها مجرد خلاف حول القبلات أو الملابس، بل باعتبارها تعبيراً متأخراً عن تحول أوسع في شروط إنتاج المشروعية الثقافية. فحين يصبح الامتناع عن لمس الجسد أو تقبيله أو تمثيل بعض العلاقات معياراً ممكناً لتعريف “نظافة” العمل الفني، يكون الجسد قد انتقل من كونه عنصراً قابلاً للصراع داخل التمثيل إلى موضوع يجري من خلاله تحديد أخلاقية التمثيل نفسه. ولهذا كان رفض هند رستم لهذا المفهوم متسقاً بصورة لافتة مع المنطق الذي حكم مسيرتها: الدفاع عن حق الممثلة في تجسيد نماذج موجودة في المجتمع، ورفض تحويل المعايير الأخلاقية المحافظة إلى شرط مسبق لما يستطيع الفن تمثيله.

ولا يعني هذا أن الفترة اللاحقة لم تنتج ممثلات قويات أو شخصيات نسائية متمردة أو أشكالاً جديدة من الأداء الجسدي. مثل هذا الادعاء سيكون تاريخياً غير دقيق. المقصود أكثر تحديداً هو أن التركيب الخاص الذي مثلته هند رستم ــ نجمة من الصف الأول، وممثلة ذات شرعية فنية واسعة، وأيقونة جماهيرية، وفي الوقت نفسه صاحبة صورة تقوم بصورة معلنة على الجسد والإغراء والوعي بقوة الأنوثة ــ أصبح أكثر صعوبة في إعادة إنتاجه بالشروط نفسها. تغيرت الصناعة، وتغير المجتمع، وتغيرت علاقة النجمة بجمهورها، كما تغيرت الحدود التي يجري من خلالها التفاوض على الاحترام والجسد والنجومية النسائية.

وهذا ما يمنح تجربة رستم أهميتها. ففرادة أدائها ليست دليلاً على عبقرية فردية تقف خارج التاريخ، بل على التقاء موهبة استثنائية مع نافذة تاريخية محددة من الإمكان. لقد أتاحت تناقضات المجتمع المصري في الخمسينات والستينات مساحة استطاعت فيها امرأة أن تجعل الأنوثة والإغراء والجسد أدوات مركزية لنجوميتها من دون أن تُختزل ثقافياً في هذه العناصر وحدها؛ ثم استخدمت رستم هذه المساحة لتدفعها إلى حدود لم يكن من السهل إعادة إنتاجها لاحقاً.

لذلك فإن المقارنة بين مرحلة رستم والمراحل التالية لا ينبغي أن تُبنى على حنين إلى “زمن ضائع”، ولا على ثنائية مبسطة بين العلمانية والدين. ما تكشفه المقارنة هو تغير الشروط التاريخية لإمكان الأداء نفسه. فقد أنتجت مرحلة الخمسينات والستينات تناقضاً بين تحديث اجتماعي واقتصادي وثقافي واسع وبين استمرار البطريركية؛ ومن داخل هذا التناقض استطاعت المشهدية الأنثوية أن تصبح مساحة تفاوض وصراع. أما إعادة التشكيل التي بدأت في السبعينات وما بعدها، فقد غيرت تركيب هذه التناقضات وأعادت تنظيم العلاقة بين الجسد والأخلاق والطبقة والدين والسوق.

ومن هنا يمكن قراءة هند رستم بوصفها إحدى أكثر التجليات السينمائية كثافة للحظة تاريخية لم تكن المرأة فيها قد تحررت من الهيمنة، لكنها امتلكت داخل الثقافة الجماهيرية مساحات محددة لتخيل إمكانات تتجاوز ما كان المجتمع مستعداً للاعتراف به كاملاً. والسيادة الأدائية التي تناولناها في القسم السابق لم تكن، بهذا المعنى، انتصاراً فردياً على التاريخ؛ كانت إحدى الإمكانات التي فتحها تناقض تاريخي محدد، ثم استطاعت فنانة استثنائية أن تستثمره إلى أقصى حدوده.

رابعا: العقاب السردي و”الفائض الأدائي”، أو حين تعجز النهاية القصصية عن إلغاء ما صنعه الأداء

إذا كانت الشروط التاريخية التي تناولناها قد أتاحت لهند رستم ترسانة واسعة من الإمكانات الأدائية، فإن أفلامها تكشف في الوقت نفسه حدود ما كان النظام السردي والاجتماعي مستعداً لقبوله من النتائج التي يمكن أن تترتب على هذه الإمكانات. وهنا يظهر واحد من أكثر التناقضات تكراراً في مسيرتها السينمائية: فالفيلم يمنح الشخصية النسائية مساحة واسعة للحركة والرغبة والاستقلال والإغراء والتلاعب بعلاقات القوة، ثم يعود، في كثير من الأحيان، إلى محاولة ضبط هذه المساحة في النهاية من خلال الزواج أو التوبة أو التضحية أو الفقد أو التشوه أو الموت. ومن هذا التوتر بين حرية الأداء وانضباط المصير تتشكل إحدى أهم الخصائص الجمالية والأيديولوجية لأفلام هند رستم.

ولا ينبغي النظر إلى هذه النهايات بوصفها مجرد حلول ميلودرامية فرضتها تقاليد النوع السينمائي. فالميلودراما نفسها تعمل داخل منظومة اجتماعية من القيم، وما يبدو «قدراً» يصيب الشخصية النسائية كثيراً ما يكون الصيغة السردية التي تتحول من خلالها الأحكام الاجتماعية إلى ضرورة درامية. المرأة التي تجاوزت الحدود المرسومة لها لا تُعاقب بالضرورة لأن الفيلم يعلن صراحة إدانتها؛ قد يبدو موتها حادثاً، أو مرضها قدراً، أو زواجها نهاية سعيدة، أو تضحيتها دليلاً على نبلها. لكن تكرار هذه الحلول يكشف وظيفة أعمق: إعادة تنظيم الشخصية في النهاية ضمن أفق يمكن للنظام الأخلاقي السائد استيعابه.

ومن هنا يمكن استخدام مفهوم “العقاب السردي” ليس للدلالة فقط على العقوبة الحرفية، وإنما على مجموعة الآليات التي تستعيد من خلالها الحبكة السيطرة على إمكانات كانت قد فتحتها الشخصية أثناء الفيلم. فالزواج قد يكون عقاباً سردياً بهذا المعنى إذا كانت وظيفته إنهاء استقلال الشخصية وإعادتها إلى موقع التبعية؛ والتوبة قد تؤدي الوظيفة نفسها حين تعيد تعريف حياة المرأة السابقة باعتبارها خطأً؛ والموت يستطيع أن يغلق نهائياً إمكانية استمرار نمط الحياة الذي جسدته؛ أما التضحية فقد تحول رغبات المرأة ومصالحها إلى برهان على اكتمال أنوثتها فقط عندما تتنازل عنها من أجل الرجل أو الطفل أو الأسرة.

لكن المشكلة بالنسبة إلى هذا النظام السردي هي أن النهاية تأتي بعد أن يكون الفيلم قد عرض بالفعل شيئاً آخر.

قبل الزواج كانت المرأة قد عاشت مستقلة. وقبل التوبة كانت قد اختبرت الرغبة. وقبل الموت كانت قد تحركت في المدينة، وعملت، واختارت، ورفضت، وأغوت، وساومت، وضحكت، أو صمتت، واقتربت أو انسحبت، وأعادت تنظيم علاقتها بالرجل وبالمكان وبإيقاع المشهد. وهذه التجارب لا تصبح غير موجودة لأن السيناريو يضيف إليها في النهاية حكماً أخلاقياً. فالمتلقي لا يشاهد الفيلم إلى الوراء من نهايته؛ إنه يكون قد أمضى ساعة أو أكثر في اختبار عالم الشخصية قبل أن تصل إليه آلية الإغلاق السردي.

وهنا يظهر ما يمكن تسميته “الفائض الأدائي”، والمقصود بالفائض ليس المبالغة في التمثيل، وإنما ذلك الجزء من المعنى والمتعة والإمكانية الذي ينتجه الأداء ولا تستطيع الوظيفة السردية النهائية استعادته بالكامل. فهند رستم لا تقدم لنا فقط امرأة سيخبرنا الفيلم لاحقاً بما حدث لها؛ إنها تجعلنا نختبر، طوال مدة حضورها، طريقة مختلفة لاحتلال المرأة للمكان والصورة والعلاقة مع الرجل. ويتراكم هذا الاختبار في ذاكرة المتلقي بوصفه جزءاً من معنى الفيلم، حتى حين تحاول النهاية أن تضعه تحت عنوان الندم أو الخطيئة أو العقاب.

ولا يرتبط هذا «الفائض» بالضرورة بالمبالغة أو بالحضور الإيروتيكي الصريح. ففي الخروج من الجنة (محمود ذو الفقار، 1967)، تقدم رستم نموذجاً مختلفاً جذرياً من القوة الأدائية. فالشخصية لا تبني حضورها أساساً من خلال الإغراء أو الضحكة الساخرة أو السيطرة المباشرة على الرجل، بل من خلال الانسحاب المقصود، والمسافة الجسدية، والهدوء، وضبط الانفعال. قرارها بمغادرة الزوج الموسيقي ليس خضوعاً سلبياً للمصير، بل فعلاً محسوباً يراد منه دفعه إلى مواجهة كسله وتحمل مسؤولية موهبته وحياته.

وهنا يصبح الصمت نفسه مورداً أدائياً. فالميلودراما قد تضع المرأة في موقع التضحية، وهو من أكثر المواقع تقليدية في بناء الأنوثة داخل هذا النوع السينمائي، لكن أداء رستم يمنح هذه التضحية معنى أقل خضوعاً مما قد توحي به وظيفتها السردية. طريقة الوقوف، وإدارة المسافة، والامتناع عن الاستجداء العاطفي، كلها تجعل الشخصية تبدو صاحبة قرار أكثر مما تبدو ضحية للقرار. ومن ثم لا يكمن الفائض الأدائي هنا في أن الشخصية تفلت من منطق الميلودراما، بل في أن الأداء يحتفظ لها بدرجة من agency لا تستنفدها صيغة “المرأة التي تضحي من أجل الرجل”. بهذا المعنى، لا يعني «الفائض الأدائي» بالضرورة فائضاً في الحركة أو الصوت أو الإغراء؛ فقد يكون فائضاً في الدلالة ينتجه السكون نفسه. ما يتجاوز الحبكة ليس دائماً ما تفعله الشخصية أكثر مما يسمح به السرد، بل أحياناً الطريقة التي تجعل بها المؤدية الفعل الذي يسمح به السرد يعني شيئاً أكثر مما يستطيع السرد أن يضبطه.

وبذلك تنشأ فجوة بين المعنى الذي تريد النهاية تثبيته والتجربة التي يكون الفيلم قد أنتجها بالفعل. قد تقول النهاية، ضمناً أو صراحة، إن المرأة أخطأت؛ لكن الأداء ربما جعل “خطأها” أكثر حيوية وجاذبية ومتعة من الحياة التي يُطلب منها العودة إليها. وقد يستعيد الرجل أو النظام العائلي سلطته في المشهد الأخير، لكن المتفرج يكون قد شاهد طوال الفيلم امرأة تفاوض هذه السلطة بوسائل مختلفة: مرة بالإغراء، ومرة بالسخرية، ومرة بالرفض، ومرة بالمسافة أو الانسحاب أو الصمت.

ولهذا فإن العقاب السردي لا يساوي الاحتواء الأيديولوجي الكامل. وهذه نقطة أساسية في القراءة التاريخية-المادية للهيمنة. فالعمل الثقافي لا يحتاج إلى أن يكون «تقدمياً» أو «نسوياً» في مجمله لكي ينتج معاني تتجاوز نظامه الأيديولوجي المعلن. كما أن وجود نهاية محافظة لا يعني أن كل ما سبقها قد أعيد امتصاصه بنجاح داخل تلك النهاية. فالهيمنة تعمل من خلال إعادة تنظيم التناقضات، لكنها لا تستطيع ضمان إغلاقها بصورة نهائية. وما يجعل أفلام هند رستم مثيرة بصورة خاصة هو أن قوة الأداء كثيراً ما تجعل عملية الإغلاق نفسها مرئية بوصفها إغلاقاً.

وهنا تعود الصلة بالتغريب البريختي في مستوى مختلف عن ذلك الذي تناولناه سابقاً في علاقة الأداء بصناعة الأنوثة. فإذا كان جعل الأداء مرئياً بوصفه أداءً يستطيع أن ينزع عن الجندر شيئاً من طابعه الطبيعي والبديهي، فإن الفائض الأدائي يستطيع بدوره أن يجعل عملية الإغلاق السردي نفسها أكثر قابلية للرؤية بوصفها عملية صنع أيديولوجي. فعندما يكون المتلقي قد اختبر طوال الفيلم امرأة تتحرك وترغب وتختار وتناور وتعيد ترتيب علاقات القوة، لا تعود النهاية المحافظة بالضرورة قادرة على الظهور باعتبارها المصير الطبيعي الذي كانت الشخصية تتجه إليه منذ البداية. قد تصبح، على العكس، مرئية بوصفها تدخلاً يحتاج إليه السرد لكي يعيد تنظيم ما فتحه الأداء من إمكانات.

ولا يعني ذلك أن كل عقاب سردي ينتج تلقائياً أثراً تغريبياً، كما لا يعني أن المتلقي سيقف بالضرورة خارج التماهي أو سيقرأ النهاية قراءة نقدية. فالأمر يظل رهناً بالبنية الخاصة لكل فيلم وبقوة ما راكمه الأداء قبله. لكن التوتر بين ما أنتجه الأداء وما تحاول النهاية تثبيته يستطيع أن يخلق مسافة تجعل النظام الأخلاقي أقل قدرة على الظهور بوصفه بديهياً. ففي هذه اللحظة لا يكون السؤال فقط: لماذا عوقبت المرأة؟ بل أيضاً: لماذا احتاج السرد إلى أن يعاقبها أصلاً؟ وما الذي كان استمرارها، بالشكل الذي صنعه الأداء، يهدد بإبقائه مفتوحاً؟

وبهذا المعنى، لا تكمن القيمة السياسية للفائض الأدائي فقط في أنه يحفظ أثراً لمعنى آخر، بل في أنه يستطيع أن يكشف العمل الذي تبذله الحبكة من أجل إعادة السيطرة على ذلك المعنى. فالإغلاق الذي كان يمكن أن يمر بوصفه ضرورة درامية يصبح قابلاً لأن يُرى باعتباره فعلاً لإعادة الضبط. وهنا يلتقي الفائض الأدائي مع الوظيفة الأعمق للتغريب: ليس تقديم إجابة سياسية جاهزة للمتلقي، وإنما جعل ما كان يبدو طبيعياً أو حتمياً قابلاً لأن يُرى باعتباره مصنوعاً، وبالتالي قابلاً للسؤال والنقد.

وهنا ربما تكمن إحدى المفارقات الأكثر إثارة: كلما كان حضور الشخصية أكثر قوة واستقلالاً خلال الفيلم، احتاجت الحبكة أحياناً إلى تدخل أكثر حدة لإعادة ضبطها. يصبح الموت أو التشوه أو الفقد أو التوبة القسرية، من هذه الزاوية، مؤشراً لا على ضعف الشخصية فحسب، بل على حجم المشكلة التي أصبح استمرارها يمثلها للنظام السردي. فالشخصية التي لم تفتح إمكاناً مختلفاً لا تحتاج إلى إغلاق عنيف لذلك الإمكان.

ويجعل باب الحديد هذه المفارقة واضحة بصورة خاصة. فالفيلم الذي يتيح لهنومة في قسم كبير منه أن تتحرك في المحطة بسرعة وثقة، وأن تستخدم صوتها وجسدها وضحكتها في العمل والمغازلة والمساومة، يعيد وضع الجسد نفسه قرب النهاية داخل منطق مختلف تماماً، حين يتحول هوس قناوي بها إلى محاولة قتل. ولا ينبغي اختزال ذلك إلى «عقاب» بسيط تفرضه الحبكة على امرأة متحررة، لأن عنف النهاية مرتبط أيضاً بالبنية النفسية والاجتماعية الخاصة بالفيلم. لكن التحول يظل دالاً: الجسد الذي كان في المشاهد السابقة أداة للحركة والفعل وإدارة الانتباه يصبح الآن جسداً مهدداً بالعنف الذي تريد رغبة الرجل أن تمارسه عليه. وما يمنع النهاية من إعادة تعريف هنومة بالكامل بوصفها ضحية هو أن الفيلم يكون قد كوّن قبل ذلك ذاكرة أدائية كاملة لها بوصفها المرأة التي احتلت فضاء المحطة لا بوصفها المرأة التي كادت تُقتل فيه.

ولا يعني ذلك بالطبع أن كل نهاية مأساوية لشخصية نسائية يمكن تفسيرها آلياً بوصفها «عقاباً بطريركياً». فالسياق الدرامي والتاريخي لكل فيلم يجب أن يبقى أساس التحليل، كما أن المأساة قد تنتج معاني اجتماعية وطبقية وسياسية تتجاوز الجندر. لكن تكرار نمط بعينه عبر عدد كبير من الأفلام يسمح لنا بأن نسأل عن العلاقة بين حرية المرأة خلال السرد وبين نوع المصير الذي يصبح مطلوباً منها في نهايته. والمهم هنا ليس تصنيف النهايات أخلاقياً بقدر ما هو دراسة العمل الأيديولوجي الذي تؤديه.

ويصبح شفيقة القبطية مثالاً بالغ الأهمية لهذا التناقض. فشفيقة لا تظهر طوال الفيلم بوصفها ضحية سلبية تنتظر العقاب. إنها امرأة تتعلم استخدام الجمال والجسد والمال والرغبة وموقعها داخل علاقات طبقية وذكورية شديدة القسوة. وفي المشهد الذي تجعل فيه الباشا يحملها على ظهره ويقلد صوت الخروف، تصل “السيادة الأدائية” التي ناقشناها سابقاً إلى صورة شبه حرفية لانقلاب مؤقت في علاقات السلطة. لكن أهمية هذه اللحظة لا تنتهي حين يتغير مصير شفيقة لاحقاً؛ بل على العكس، يصبح التوتر بين القوة التي شاهدناها والعقاب الذي ينتظر الشخصية جزءاً أساسياً من معنى الفيلم.

وهذا ما يجعل المشاهد السابقة للنهاية أكثر من مجرد مراحل تمهد للعقاب. فإذا قرأنا الفيلم فقط من خلال مصير الشخصية، تصبح حياتها السابقة سلسلة أخطاء تقود منطقياً إلى النتيجة، وتكتسب النهاية بذلك مظهر الضرورة التي تعيد ترتيب كل ما سبقها بوصفه تمهيداً لها. أما إذا أخذنا الأداء بجدية، فإن هذه الضرورة نفسها تصبح أقل استقراراً: نكتشف أن الفيلم قد منح الشخصية زمناً طويلاً لكي تنتج لذاتها وللمتلقي معاني لا يمكن اختزالها إلى كونها مقدمات لسقوطها. هنا يتحول الزمن السينمائي نفسه إلى عنصر في الصراع الأيديولوجي. دقائق العقاب الأخيرة لا تمتلك بالضرورة قوة دلالية أكبر من الساعة التي سبقتها من الحرية الأدائية.

ومن هنا يمكن أيضاً إعادة التفكير في إحساس “الحسرة” الذي تثيره كثير من شخصيات هند رستم. فالحسرة لا تنشأ بالضرورة لأن المرأة دفعت ثمن أخطائها، كما تقترح القراءة الأخلاقية التقليدية، وإنما ربما لأنها اضطرت في النهاية إلى التخلي عن إمكان كان الفيلم قد جعلنا نراه ونختبره معها. يصبح الحزن، في هذه الحالة، ليس حزناً على المرأة التي ضلت الطريق، بل على إغلاق الطريق الذي كانت قد فتحته.

وهذه النقطة هي التي تمنح “الفائض الأدائي” بعده المضاد للهيمنة. فالأداء لا يقدم برنامجاً سياسياً بديلاً، ولا يحرر الشخصية من مصيرها، لكنه يحفظ داخل الفيلم أثراً لإمكانية أخرى. يستطيع النظام السردي أن يعيد المرأة إلى الأسرة، لكنه لا يستطيع محو معرفتنا بأنها استطاعت أن تعيش خارجها؛ يستطيع أن يعاقب رغبتها، لكنه لا يستطيع جعلنا ننسى أنها رغبت؛ يستطيع أن يعيد الرجل إلى موقع السلطة، لكنه لا يستطيع إلغاء المشاهد التي رأيناه فيها خاضعاً لها.

والأهم أن هذا الفائض لا يوجد فقط داخل النص السينمائي المنفرد، بل يتراكم عبر الصورة النجومية لهند رستم. فحين تتكرر الضحكة والنظرة والملابس وطريقة الحركة والثقة بالجسد من فيلم إلى آخر، يبدأ المتلقي في حمل ذاكرة رستم من فيلم سابق إلى الفيلم التالي. تموت شخصية، لكن هند رستم تعود في فيلم آخر. تتوب امرأة، لكن النجمة تظهر مجدداً بشخصية أخرى تمارس الإغراء والاستقلال والتحدي. وبهذا المعنى، تستطيع النجومية نفسها أن تقاوم جزئياً الإغلاق الذي تمارسه الحبكة على الشخصية المفردة.

وهنا نصل إلى مفارقة شديدة الأهمية: السرد يستطيع معاقبة الشخصية، لكنه لا يستطيع بسهولة معاقبة النجمة. بل قد يحدث العكس. فكلما تكررت الشخصيات «الخطرة» التي تحتاج إلى العقاب، ازدادت قوة الصورة التي تربط هند رستم بهذا النوع من الأنوثة المتمردة. وهكذا يمكن لآلية يفترض أن تعيد تثبيت النظام الأخلاقي داخل كل فيلم أن تسهم، عبر التكرار، في بناء واحدة من أكثر الصور النسائية عصياناً على ذلك النظام في تاريخ السينما العربية.

وبهذا يصبح الفائض الأدائي حلقة الوصل بين الشخصية والنجمة وبين الفيلم المفرد والتاريخ السينمائي الأوسع. إنه ما يبقى بعد أن تنتهي الحبكة، وما ينتقل من شخصية إلى أخرى، وما يجعل صورة هند رستم قابلة للتعرف حتى خارج سياق أفلامها. ومن هنا لا تعود المسألة فقط صراعاً بين المرأة والرجل داخل القصة، بل صراعاً على الذاكرة التي يتركها الفيلم نفسه: هل نتذكر العقوبة التي فرضتها النهاية، أم نتذكر المرأة التي جعلت العقوبة ضرورية؟

ربما تكمن إحدى الإجابات في حقيقة أن الصورة التي بقيت في الذاكرة الثقافية لهند رستم ليست في المقام الأول صورة المرأة المعاقبة أو التائبة أو المنكسرة. ما بقي هو الضحكة، والنظرة، والجسد، والملابس، والثقة، والتكلف، والقدرة على تحويل الرجل المقابل إلى جزء من مشهدها. وهذا وحده يشير إلى حدود قدرة النهاية المحافظة على تحديد المعنى التاريخي للعمل السينمائي.

فالعقاب ينتمي إلى الحبكة؛ أما الفائض فقد ينتمي إلى التاريخ.

خامسا: “ألبس للصورة”: النجومية والصراع على امتلاك الصورة

إذا كان «الفائض الأدائي» يسمح لشيء من حضور هند رستم بأن يتجاوز المصير الذي تفرضه الحبكة على شخصياتها، فإن هذا الفائض لا يبقى محصوراً داخل الفيلم المفرد. فمن فيلم إلى آخر، تتراكم عناصر الأداء وتتكرر وتتحول تدريجياً إلى علامات يمكن التعرف إليها بمعزل عن الشخصية التي تؤديها: الضحكة، والنظرة، وطريقة تحريك الجسد، والملابس، والتكلف، والثقة، والإدراك الواضح لقوة الجاذبية. عند هذه النقطة لا نعود نتعامل فقط مع مجموعة من الشخصيات السينمائية، بل مع صورة نجومية تتشكل عبرها “هند رستم” نفسها بوصفها حضوراً ثقافياً يتجاوز كل دور منفرد.

وتكتسب هذه النقلة أهمية خاصة لأن النجومية ليست انعكاساً مباشراً لشخصية الممثل أو الممثلة “الحقيقية”. فصورة النجمة تُنتج عبر شبكة واسعة من الممارسات والمؤسسات: الأفلام، والإخراج، والتصوير، والملابس، والإضاءة، والدعاية، والصور الفوتوغرافية، والصحافة، والمقابلات، والمهرجانات، والشائعات، واستقبال الجمهور. وهي، بهذا المعنى، منتج اجتماعي وصناعي بقدر ما هي إنجاز فردي. لكن هذه الحقيقة لا تعني أن النجمة مجرد مادة سلبية تصنع الصناعة صورتها نيابة عنها. فإحدى أهم المسائل التي تثيرها تجربة هند رستم هي درجة وعي النجمة بعملية صناعة صورتها وقدرتها على التدخل فيها.

ومن هنا تكتسب العبارة التي كانت رستم تكررها حول أنها كانت ترتدي ملابسها “للصورة” أهمية تتجاوز بكثير مسألة الأناقة. فـ”الصورة” هنا ليست مجرد صورة فوتوغرافية، بل طريقة في تصور الذات وهي تدخل المجال العام بوصفها نجمة. إنها تتضمن الملابس، وتسريحة الشعر، وطريقة الوقوف، والجسد، وما تريد النجمة إظهاره وما تريد حجبه، والعلاقة بين صورتها على الشاشة والصورة التي تقدمها للصحافة والجمهور خارجها. إن ارتداء الملابس «للصورة» يعني، بهذا المعنى، إدراكاً بأن النجومية نفسها عملية إنتاج بصري مستمرة.

وهذا الإدراك يربط مباشرة بين ما تناولناه سابقاً بوصفه “ترسانة الأداء” وبين صناعة النجومية. فالأزياء التي تستخدم داخل الفيلم لتشكيل حركة الجسد لا تتوقف وظيفتها عند حدود المشهد؛ والنظرة والضحكة وطريقة الوقوف أمام الكاميرا يمكن أن تنتقل إلى الصورة الفوتوغرافية؛ والجاذبية التي تبني الشخصية داخل الفيلم يمكن أن تصبح جزءاً من العلامة العامة للنجمة. وهكذا تبدأ الحدود بين هند رستم المؤدية وهند رستم الصورة الثقافية في التداخل، من دون أن تتطابقا تماماً.

ويبلغ هذا التداخل بين المؤدية والصورة النجومية درجة استثنائية من الوضوح في إشاعة حب (فطين عبد الوهاب، 1960)، حيث تدخل رستم الفيلم لا بوصفها شخصية متخيلة تحمل اسماً آخر، بل بوصفها «هند رستم» نفسها: النجمة التي يكفي حضورها لكي تصبح موضوعاً للرغبة والافتتان، ولكي تُستخدم صورتها داخل الحبكة أداة لإثارة الغيرة. غير أن أهمية ظهورها لا تكمن فقط في استثمار الفيلم لشهرتها القائمة، بل في الطريقة التي تحول بها رستم هذه الشهرة نفسها إلى مادة للأداء. فهي لا تقدم «ذاتها» بوصفها حقيقة تقع خلف الأدوار، وإنما تؤدي صورة هند رستم كما أصبحت معروفة لدى الجمهور، وتبالغ في بعض علاماتها وتعيد توظيفها داخل الإيقاع الكوميدي للفيلم.

وفي مشاهدها مع حسين، الذي يؤديه عمر الشريف، تصبح الفجوة بين الرجل المرتبك أمام النجمة وبين وعي رستم الكامل بالأثر الذي يصنعه حضورها جزءاً أساسياً من الكوميديا. فالنظرة، وطريقة الكلام، والتوقيت، والمبالغة المرحة في حضور «النجمة» لا تعمل هنا أساساً على إنتاج الإغراء، بل على تحويل صورة الإغراء نفسها إلى موضوع للعب والسخرية. وإذا كانت الصناعة قد ساهمت في بناء «هند رستم» بوصفها علامة للجاذبية الأنثوية، فإن رستم تستعيد هذه العلامة داخل الفيلم لكي تقتبسها وتضخمها وتضحك معها وعليها في الوقت نفسه. تصبح صورة النجمة، بهذا المعنى، واحدة من أدوات «ترسانة الأداء» التي تستطيع المؤدية استخدامها مثلما تستخدم الصوت أو الجسد أو الملابس.

ولا يعني ذلك أن إشاعة حب يثبت امتلاك رستم الكامل لصورتها؛ فالصورة التي تسخر منها وتعيد استخدامها هي نفسها نتاج شبكة الصناعة والدعاية والجمهور التي صنعت نجوميتها. لكن الفيلم يكشف مستوى أكثر تعقيداً من العلاقة بين النجمة وصورتها: تستطيع الثقافة أن تحول المؤدية إلى علامة، ثم تستطيع المؤدية بدورها أن تجعل هذه العلامة مادة لأداء جديد. ومن هنا لا يعود التداخل بين «هند رستم» المرأة و«هند رستم» النجمة مجرد نتيجة لصناعة الشهرة، بل يصبح أيضاً مجالاً تستطيع النجمة أن تتدخل فيه وأن تعيد أداء صورتها أمام الجمهور الذي يعرفها مسبقاً.  وبذلك يمتد منطق «الأداء داخل الأداء» الذي ظهر في شخصيات أخرى إلى مستوى النجومية نفسها: فإذا كانت كوثر في لا أنام تؤدي نموذج الزوجة البرجوازية، وكانت ناهد شكري في بين السما والأرض تتيح لرستم اللعب بصورة «نجمة السينما»، فإن إشاعة حب يزيل المسافة الأخيرة تقريباً بين المؤدية والعلامة النجومية، حين تصبح «هند رستم» نفسها شخصية تستطيع هند رستم أن تؤديها.

لكن الحديث عن مشاركة رستم في صناعة صورتها لا ينبغي أن يتحول إلى افتراض أنها كانت “تملك” هذه الصورة بشكل مطلق. فصورتها بقيت خاضعة للصناعة والسوق ولخيارات المخرجين والمنتجين والمصورين والصحافة ولرغبات الجمهور نفسه. بل إن وصفها المتكرر بـ”ملكة الإغراء” أو مقارنتها بمارلين مونرو يكشف أيضاً كيف تستطيع الثقافة أن تختزل تعقيد المؤدية داخل علامة قابلة للتسويق والاستهلاك. ومن هنا فإن ملكية الصورة لا تعني السيطرة عليها، بل الصراع المستمر على من يمتلك حق تعريفها.

ولعل ما يميز رستم هو أنها لم تبدو، في شهاداتها اللاحقة، راغبة في حل هذا التناقض من خلال التنصل من صورة الإغراء التي ارتبطت بها. فلم تسع، كما حدث مع بعض الفنانات في مراحل لاحقة، إلى إعادة كتابة تاريخها السينمائي وفق معايير أخلاقية جديدة، أو إلى الفصل بين “الممثلة الحقيقية” وبين الجسد والملابس والإغراء اللذين شكلا جزءاً من نجوميتها. بل ظلت تتعامل مع هذه العناصر باعتبارها جزءاً أساسياً ، بل عضويا من عملها ومن تاريخها الفني. وهذا الموقف مهم لأن النجمة هنا لا تدافع فقط عن أفلام صنعتها في الماضي، وإنما عن حقها في تحديد معنى ذلك الماضي من الحاضر.

بهذا المعنى، يمتد الصراع على الصورة زمنياً. فالصورة التي كانت في الخمسينات والستينات جزءاً من ثقافة سينمائية جماهيرية أصبحت، في سياق اجتماعي أكثر محافظة لاحقاً، عرضة لإعادة القراءة وفق معايير مختلفة. وما كان يُستقبل بوصفه جزءاً من الأنوثة السينمائية والجاذبية والحداثة يمكن أن يعاد تعريفه لاحقاً باعتباره شيئاً ينبغي الاعتذار عنه أو التنصل منه. وهنا لا تعود المسألة متعلقة بما فعلته رستم أمام الكاميرا فقط، بل بما إذا كانت ستقبل إعادة تأديب صورتها بأثر رجعي.

ومن هذه الزاوية تكتسب مواجهتها لما عُرف لاحقاً بـ”السينما النظيفة” معنى يتجاوز السجال المهني حول القبلات أو المشاهد الجسدية. فاعتراضها على الفكرة كان دفاعاً عن تصور للعمل التمثيلي يرفض أن تصبح الأخلاق المحافظة شرطاً سابقاً لما يجوز للممثلة أن تجسده. وحين تؤكد أن النماذج التي يرفض البعض أداءها موجودة فعلاً في المجتمع وأن مهمة الفن تتضمن إظهارها، فإنها تدافع ضمنياً عن الفصل بين تمثيل الفعل والحكم الأخلاقي عليه. الممثلة التي تجسد امرأة ترغب أو تقبّل أو تستخدم جسدها لا تصبح هي نفسها موضوعاً للحكم الأخلاقي الموجه إلى الشخصية.

وهذه المسألة شديدة الأهمية بالنسبة إلى النساء تحديداً، لأن الحدود بين الشخصية والممثلة كانت تاريخياً أكثر قابلية للانهيار في حالة المرأة. فالرجل يستطيع أن يؤدي دور المجرم أو الفاسد أو زير النساء من دون أن تصبح أخلاق الممثل الشخصية موضع مساءلة بالضرورة، بينما ظل جسد الممثلة وما تفعله به أمام الكاميرا أكثر عرضة لأن يُعامل بوصفه دليلاً على أخلاقها خارج الشاشة. ومن هنا فإن دفاع رستم عن حق الممثلة في أداء ما تتطلبه الشخصية يمكن قراءته أيضاً بوصفه دفاعاً عن العمل التمثيلي نفسه بوصفه عملاً، لا بوصفه اعترافاً أخلاقياً من المؤدية.

وهنا يعود التحليل المادي-التاريخي إلى قلب المسألة. فجسد النجمة ليس مجرد جسد؛ إنه أيضاً وسيلة عمل. الصوت، والحركة، والوجه، والملابس، والقدرة على أداء الرغبة والخوف والإغراء والانكسار كلها أدوات مهنية تستخدمها الممثلة لإنتاج قيمة فنية واقتصادية داخل الصناعة. وحين يُطلب من المرأة أن تستبعد مسبقاً أجزاء من هذه الأدوات حفاظاً على “احترامها”، فإن ما يحدث ليس فقط فرضاً لمعيار أخلاقي على الصورة، بل إعادة تنظيم جندرية لشروط العمل التمثيلي نفسه.

ومن هنا يصبح دفاع هند رستم عن تاريخها أكثر من دفاع شخصي عن سمعتها. فهي ترفض ضمنياً الفصل الذي يحاول أن يحتفظ بها “ممثلة كبيرة” شريطة أن يعيد تفسير جسدها وإغرائها باعتبارهما جوانب ثانوية أو محرجة من ذلك التاريخ. وبالنسبة إليها، لم يكن الجسد نقيضاً للموهبة، ولم يكن الإغراء نقيضاً للتمثيل؛ كان كلاهما جزءاً من الأدوات التي بنت من خلالها شخصياتها وصورتها.

ويمكن قراءة قرارها بالتقاعد المبكر في السياق نفسه، ولكن بحذر. فمن الممكن، بالتأكيد، أن يحمل الحرص على الحفاظ على صورة النجمة الشابة والجميلة أثراً من معايير الصناعة نفسها التي تربط قيمة المرأة بالشباب والجمال. ولذلك لا ينبغي تحويل التقاعد إلى فعل تحرري خالص. لكن القرار يكشف، في الوقت نفسه، درجة استثنائية من الوعي بعلاقة الزمن بالصورة. لقد أدركت رستم أن الصناعة لا تنتج صورة النجمة فقط، بل تستطيع أيضاً أن تعيد إنتاجها في مراحل لاحقة بطرق لا تتحكم هي فيها. ومن خلال اختيار لحظة خروجها من السينما، حاولت أن تحتفظ بقدر من السلطة على كيفية انتهاء علاقتها بالصورة التي بنتها.

بهذا المعنى، يمكن النظر إلى الاعتزال بوصفه الحد الأخير للسيادة الأدائية: ليس السيطرة على الكاميرا، وإنما القدرة على القول، في لحظة معينة، إن الجسد الذي كان متاحاً للصناعة لن يبقى متاحاً لها إلى ما لا نهاية. لقد شاركت رستم في تحديد لحظة دخولها الكامل إلى الصورة، ثم حاولت أن تشارك أيضاً في تحديد لحظة خروجها منها.

ويكتسب رفضها جائزة الدولة عام 2004 دلالة مشابهة حين يوضع داخل هذا المسار. فقولها إن الجائزة “جاءت متأخرة جداً” وإنها ليست “موضوعة على الرف لاختياري عندما يحلو لهم” لا يعبر فقط عن استياء شخصي من تأخر التكريم. إنه يكشف رفضاً لأن تتحول الفنانة، بعد انتهاء حياتها المهنية، إلى موضوع ساكن تستعيد المؤسسة الرسمية حق تقييمه والاعتراف به في الوقت الذي تختاره هي. حتى فعل التكريم يصبح، من هذه الزاوية، جزءاً من السؤال نفسه: من يمتلك حق تحديد قيمة الصورة ومتى تصبح جديرة بالاعتراف؟

وهنا تتضح بصورة أكبر العلاقة بين النجومية والذاكرة الثقافية. فالصراع على هند رستم لم ينتهِ بتقاعدها، لأن الصورة استمرت في التداول: عبر إعادة عرض الأفلام، والصور الفوتوغرافية، والمقابلات، والكتابات الصحفية، والبرامج التلفزيونية، والمقارنات المتكررة بمارلين مونرو، ثم عبر الخطابات المحافظة التي أعادت تقييم مرحلة كاملة من تاريخ السينما المصرية. وكل إعادة تداول للصورة هي، في الوقت نفسه، إعادة تفسير لها.

ولهذا يصبح موقف رستم من تاريخها مهماً بصورة خاصة. فهي لم تترك الصورة تتداول من دون تدخل؛ استمرت، عبر المقابلات والتصريحات، في المطالبة بحقها في تعريف معنى ما فعلته. وإذا كانت “السيادة الأدائية” داخل الفيلم مؤقتة ومحدودة، فإن هذا الإصرار اللاحق يشير إلى شكل آخر من الفعل: سيادة تأويلية جزئية على الذاكرة الشخصية والنجومية، أي مقاومة محاولات الآخرين إعادة كتابة تاريخ الفنانة ضد تصورها هي له.

ولا تعني هذه “السيادة التأويلية”، مرة أخرى، أن رستم تستطيع التحكم في الطريقة التي يتذكرها بها الجمهور أو يكتب عنها النقاد والمؤرخون. فالذاكرة الثقافية، مثل الصورة السينمائية، لا يمتلكها فرد واحد. لكن رفضها الاعتذار، ورفضها التنصل من صورة الإغراء، ورفضها “السينما النظيفة”، ورفضها التكريم المتأخر، تشكل مجتمعة سلسلة من المواقف التي تصر من خلالها النجمة على أن تكون طرفاً في إنتاج معنى صورتها، لا مجرد موضوع لهذا المعنى.

وهنا نستطيع أخيراً العودة إلى العبارة التي يحملها عنوان هذه الدراسة “الصورة التي ملكت نفسها”. لا ينبغي فهمها باعتبارها ادعاءً بأن هند رستم حققت استقلالاً مطلقاً عن الصناعة أو الثقافة أو النظرة الذكورية. الصورة لا تستطيع، بهذا المعنى الحرفي، أن تملك نفسها. لكن العبارة تشير إلى صراع استثنائي خاضته فنانة على امتداد حياتها من أجل ألا تكون صورتها ملكاً كاملاً للآخرين: لا للرجل داخل الفيلم، ولا للكاميرا وحدها، ولا للمنتج، ولا للخطاب الأخلاقي، ولا للمؤسسة الدينية، ولا للأجهزة الثقافية التي تتذكرها بعد اعتزالها.

لقد بدأت المسألة داخل المشهد، حين استخدمت رستم الجسد والنظرة والضحكة والملابس لكي تعيد التفاوض على موقعها بوصفها موضوعاً للمشاهدة. ثم تجاوزت المشهد إلى النجومية، حين شاركت في صناعة الشكل الذي تريد أن تُرى من خلاله. وبعد الاعتزال انتقلت المعركة إلى الذاكرة نفسها، حين رفضت أن يُعاد تعريف تاريخها بوصفه شيئاً ينبغي الاعتذار عنه.

وهكذا فإن “امتلاك الصورة” لا يمثل حالة نهائية من الحرية، بل عملية تاريخية من التفاوض والمقاومة وإعادة التشكيل. وربما تكمن فرادة هند رستم في أنها أدركت، بصورة عملية قبل أن تصبح المسألة موضوعاً نظرياً، أن المرأة التي لا تستطيع أن تمنع الآخرين من النظر إليها تستطيع مع ذلك أن تخوض صراعاً حول كيف ينظرون إليها، وما الذي تعنيه الصورة التي يرونها، ومن يمتلك حق الكلام باسمها بعد أن تنتهي الشاشة إلى السواد.

سادسا: خارج “مارلين مونرو الشرق”: هند رستم في تاريخ عالمي للمشهدية النسائية

لطالما كانت المقارنة بين هند رستم ومارلين مونرو واحدة من أكثر الطرق شيوعاً لتوصيف مكانة الأولى وصورتها السينمائية. وللمقارنة بعض المبررات الظاهرة: الجمال، والجاذبية الجنسية، والوعي بقوة الصورة، والموقع الاستثنائي الذي احتله الجسد الأنثوي في بناء نجومية كل منهما. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول المقارنة من أداة للتحليل إلى علاقة أصل ونسخة، بحيث تصبح مونرو المعيار العالمي الذي تُقاس من خلاله رستم، وتصبح النجمة المصرية مفهومة فقط حين توصف بأنها “مارلين مونرو الشرق”.

ولا تخلو هذه الصيغة نفسها من دلالة على علاقات القوة التي حكمت كتابة تاريخ السينما العالمية. فليس مطلوباً من النجمة الهوليوودية عادة أن تُترجم إلى نظير غير غربي لكي تصبح مفهومة، بينما كثيراً ما تُمنح النجمة القادمة من صناعة سينمائية عربية أو آسيوية أو أفريقية شرعيتها العالمية عبر تشبيهها باسم سبق أن كرسته المركزية الثقافية الغربية. والسؤال البسيط يكشف عدم التكافؤ: لماذا يصبح وصف هند رستم بأنها “مارلين مونرو المصرية” مفهوماً فوراً، بينما يبدو وصف مونرو بأنها “هند رستم الأميركية” غريباً أو بحاجة إلى شرح؟

لذلك لم تسعى المقارنة التي تقترحها هذه الدراسة إلى تحديد النظير الغربي لهند رستم، ولا إلى إثبات أنها بلغت مستوى نجمات سبق أن صنفهن تاريخ السينما بوصفهن “عالميات”. فنقطة الانطلاق مختلفة: هند رستم نفسها جزء من التاريخ العالمي للنجومية النسائية. ومن هذا الموقع يمكن وضع تجربتها إلى جانب (وليس على هامش) تجارب مارلين مونرو، ومارلينا ديتريش، وريتا هايورث، وصوفيا لورين، وباربرا ستانويك وغيرهن، لا بوصفهن معياراً تقاس عليه، بل بوصفهن حالات تاريخية مختلفة لمسألة مشتركة”: “كيف تستطيع المؤدية التي تجعلها الصناعة موضوعاً للمشهدية أن تستخدم المشهدية نفسها بوصفها مورداً للأداء والنجومية والتفاوض على السلطة؟”.

والمقارنة، بهذا المعنى، لا تقوم أساساً على التشابه في المظهر أو نوع الأدوار، وإنما على اختلاف الاستراتيجيات الأدائية التي نشأت داخل شروط تاريخية وصناعية متباينة. فما تفعله ديتريش بالتصنع والملابس والالتباس الجندري ليس ما تفعله مونرو بالأداء الواعي لصورة الأنوثة الساذجة، وما تفعله لورين بالجسد والطبقة والأنوثة المتوسطية لا يتطابق مع الطريقة التي بنت بها رستم ترسانة أدائية قابلة للتحول بين شخصيات وأنواع سينمائية شديدة الاختلاف. فما ظهر عند هنومة في باب الحديد بوصفه حركة وصوتاً وضحكة وإدارة للجسد داخل فضاء العمل، تحول عند كوثر في لا أنام إلى سكون ونظرة وصوت منخفض وتصنع محسوب للأنوثة البرجوازية، واستطاع في بين السما والأرض أن يعيد بناء نفسه داخل حيز مكاني شديد الضيق من خلال تعبيرات الوجه والتوقيت الكوميدي والسخرية من صورة النجمة، ثم بلغ في إشاعة حب مستوى تصبح فيه صورة «هند رستم» نفسها مادة تستطيع المؤدية أن تلعب بها. قيمة المقارنة، إذن، ليست في العثور على نموذج عالمي واحد للمقاومة النسائية، بل في الكشف عن تعدد الطرق التي استطاعت بها نجمات مختلفات تحويل الجسد المشهدي والصورة النجومية من مجرد موضوعين للنظر إلى موقعين متناقضين للفعل والتفاوض وإنتاج المعنى.

وتضيف حالة رستم إلى هذه المقارنة بعداً آخر يتعلق بالشروط التاريخية للمشهدية نفسها. فما أتاحته السينما المصرية في الخمسينات والستينات من إمكانات لعرض الجسد والحركة والرقص والقبلة والملابس والتقارب الجسدي لم يكن مجرد نسخة محلية من حرية تمثيلية سبق أن حققتها سينمات أخرى، بل نتاجاً لديناميات ولتناقضات خاصة بحداثة مصرية وبصناعة سينمائية جماهيرية وبعلاقات متغيرة بين المرأة والمدينة والعمل والطبقة والمجال العام. كما أن إعادة تشكيل هذه الشروط في العقود اللاحقة تكشف أن المشهدية النسائية لا تمتلك تاريخاً عالمياً واحداً يسير في اتجاه تحرري متصل، بل تواريخ متعددة يمكن فيها أن تتسع إمكانات الجسد والأداء في مرحلة ثم تضيق في مرحلة لاحقة. وفي كل الحالات، فان أي تغيرات وتحولات تطال المشهدية الخاصة بالمرأة لا يمكن أن تكون منفصلة عن الديناميات والتناقضات السياسية التاريخية التي تحاكي شكلها.  ومن هذه الزاوية لا تصبح تجربة هند رستم مجرد حالة تضاف إلى قائمة النجمات العالميات، بل حالة تستطيع أن توسع الأسئلة التي نطرحها على تاريخ النجومية النسائية نفسه.

ومن هنا لا تدخل هند رستم التاريخ العالمي للسينما لأنها تشبه هؤلاء النساء. إنها تجبرنا، بالأحرى، على توسيع التاريخ نفسه لكي يصبح قادراً على رؤيتها.