“اللي باقي منك”.. الأبوة في أقسى اختباراتها

يبدو مشهد ذهاب الابن لشراء الدواء لوالده المصاب بالزهايمر عادياً ومكرراً في الحياة وفي السينما أيضاً، لكن في فيلم “اللي باقي منك” الدرامي التاريخي، إنتاج عام 2025 كتابة وإخراج شيرين دعيبس، بطولة محمد وصالح وآدم بكري ومحمد عابد وماريا زريق، استطاعت حيثيات الحدث ذاته أن تصنع نقطة الصراع التي بنيت عليها سردية قصة النكبة من وجهة نظر المخرجة، وقد وصل الفيلم الى القائمة المختصرة في حفل جوائز الأوسكار98 عن فئة الفيلم الروائي الدولي.

يخرج سليم (يؤديه صالح بكري) لإحضار الدواء لوالده شريف (يؤديه محمد بكري) المريض بنسيان الواقع وتذكر مدينته المحتلة يافا، ويحدث ذلك في مخيم للاجئين الفلسطينيين في مدينة نابلس بالضفة الغربية في العام 1978، حيث تخضع الضفة الغربية لحكم الإدارة المدنية التي نصبها الاحتلال لخنق الناس بقانون منع التجول المزاجي والمربك، يصاحب سليم في مشواره ابنه الطفل نور وفي طريق العودة تخذلهما مزاجية الاحتلال، فيسري منع التجول قبل وصولهما الى المنزل، ليتعثرا بدورية للجيش الإسرائيلي، مارس جنودها كافة أشكال الإذلال على الأب أمام ابنه، لتنكسر تلك العلاقة المميزة بين الطرفين الى الأبد؛ فيتحول سليم الأب والأستاذ والصديق، الى مجرد شخص جبان لا يستطيع الدفاع عن نفسه في عيون نور الطفل الذكي والفضولي والمرح، الذي تحول أيضاً الى مراهق مستهتر وعنيف.

وبالرجوع الى السرد غير الخطي لقصة عائلة فلسطينية عانت من “تروما” النكبة على مدار ثلاثة أزمنة، يظهر سليم “الأب” طفلاً مرحاً وذكياً في العام 1948، في بيئة عائلية محبة وهادئة مع أخيه البكر أحمد وأختيه ليلى وأميرة، ومنزل راقي محاط ببيارة البرتقال التي يمتلكها والده المثقف والخلوق، الذي خصه بعلاقة الصغير المدلل وشاركه بحفظ الشعر والألعاب والمرافقة في عمل البيارة، حتى تعرضت تلك العلاقة لأقسى تحدي عاطفي يمكن أن يشعر به طفل وهو الخذلان، فبقدر ما تمسك سليم بحضن والده، آثر الثاني أن يدفعه الى السيارة المتجهة الى نابلس، وسط تصاعد هجوم العصابات الصهيونية على مدينة يافا، وقرار العائلة النزوح الى منزل خالهم، مع بقاء الأب في بيته حتى يزول الخطر، بكى سليم طويلاً عند فراق والده وشريط المهجرين الفلسطينيين من بيوتهم وأراضيهم يمر بمحاذاة السيارة التي أقلته، بكى بحرقة طفل متعلق بوالده دون أن يدري أن الفراق سيطول، وأن هذه اللحظة ستشكل مرحلة جديدة في تاريخ شعب بأكمله، إثر الإعلان عن قيام دولة يهودية في فلسطين، وسيطرة المستوطنين على بيوت السكان الأصليين بما فيها بيته، فيما اعتقل والده وانقطع الاتصال به، وأصبح سليم مع عائلته لاجئاً يستلم المؤن من الخيام.

عاد الجد/ الأب شريف الى عائلته بعد فترة من الاعتقال، أُجبر خلالها على بناء المستوطنات، ونقل أثاث المحتلين الى البيوت الفلسطينية التي استولوا عليها بالقوة، لكنه رجع بندوب في الجسد والذاكرة بقيت معه حتى توفاه الله في المخيم، زارعاً هويته الوطنية وارث الذكريات الذي استقاه من يافا في رأس حفيده نور، مع انغماس سليم الإبن في الواقع والبراغماتية التي تتطلبها طبيعة الحياة وتكوين الأسرة، حيث عمل أستاذا في المدرسة وحرص على احتواء أبنائه الثلاثة وزوجته حنان (تؤديها شيرين دعيبس) متخطياً عُقد النكبة وحديث والده الدائم عن الذكريات.

في العام 1988 وهي المرحلة السردية التاريخية التي بدأ منها الفيلم، يبدو نور( يؤديه محمد عابد) شاباً منطلقاً ومشاغباً، لكن ينخرط في انتفاضة الحجارة حتى يتلقى رصاصة في الرأس تسبب له الموت السريري، وبعد نقله الى مستشفى في مدينة حيفا المحتلة، يقرر الأطباء إنهاء حياته ليجد والداه نفسيهما أمام اختبار أشد وأقسى من انتظار الموت؛ وهو طلب من مؤسسات إنسانية بالتبرع بأعضاء ابنهما لمرضى آخرين، تميل الأم حنان الى الموافقة فيم يعيش الأب سليم صراعا مضاعفاً مع ذاته ومع الاحتلال وتسيطر عليه فكرة أن يتبرع بجسد ابنه الى المحتل المستمر في قتل الأطفال، ثم يلجأ الى الدين ليقتنع، شرط أن يعرف المستفيد هوية ابنه، وتشاء الاقدار أن ينمو قلب نور في جسد طفل يهودي، فيكسر الوالدان حواجز السياسة ويلتقيان بالطفل وعائلته في تل أبيب (تل الربيع) المحتلة.

لاحقاً وفي قفزة زمنية سريعة يحل العام 2022 على سليم وزوجته وقد عادوا مسنين الى تل أبيب بجوازات كندية، ويبدو سليم شبيهاً بوالده شريف، وفي الوقت الذي تجرف فيه العاطفة زوجته حنان التي لعبت دور الراوي الشاهد لأحداث الفيلم الى مقابلة الشاب الإسرائيلي الذي يحمل قلب ابنها، يفضل سليم أن يتجول في شوارع يافا المحتلة مردداً عبارات والده، ومندفعاً نحو بيته القديم وشاطئ البحر.

وفي الوقت الذي وظف فيه الفيلم عناصره الفنية من لقطات وإضاءة وديكور لتتبع القفزات التاريخية الزمانية والمكانية التي مرت بها العائلة بأجيالها الثلاثة، بدا متخماً بالقضايا الاجتماعية والسياسية المتشابكة، مما أطال وقت العرض كثيراً لكنه سمح بالتركيز على تفاصيل العلاقة بين الأب وابنه فطغت على باقي الأحداث واستطاعت أن تجذب تعاطف المشاهد في البداية، وعلى الرغم من البرود الذي قد يصيب المشاهد في نهاية الفيلم، فقد اشتعلت مؤسسات ولجان مقاومة التطبيع غضباً ضده، واتهمته بالتركيز على إنسانية الفلسطيني، مقابل التغافل عن وحشية الاحتلال وفي هذا تفريغ واضح لمضمون القضية الفلسطينية ودعوة للتطبيع مع الاحتلال.