السياسة تهيمن على مهرجان فينيسيا الـ83

من فيلم "مستر نيلسون: هل قتلت أناسا؟" من فيلم "مستر نيلسون: هل قتلت أناسا؟"

 

أمير العمري

 

من قال إن السياسة غير حاضرة بدرجة كافية في مهرجان فينيسيا السينمائي؟ ومن الذي يقول إن المهرجان تجاهل ما يحدث في العالم وفضل الانكفاء على الذات الفنية؟ هذا قول غير صحيح على الإطلاق. هناك في إيطاليا وفي فينيسيا من يطالبون المهرجان بالمزيد، أو بأن يتحول إلى ساحة موجهة لتأييد أو عرض قضايا سياسية مشتعلة في العالم اليوم. هذه ليست مهمة المهرجان، فالمهم أن توجد مثل هذه الأفلام، وأنا أقطع بأنها موجودة بل وحاضرة في هه الدور بقوة أكبر عما كانت عليه في أي دورة سابقة.

شاهدنا حتى الآن عددا، ونحن في اليوم الثالث بعد، عددا من الأفلام المهمة التي تتناول قضايا سياسية تشير بشكل أو بآخر، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، إلى ما يحدث في العالم، أو على الأقل تذكرنا بما جرى وبان التاريخ يمكن أن يعيد نفسه، ربما ليس على شكل ملهاة بالضرورة، بل أحيانا على شكل أكثر مأساة أكثر دموية، وفي الطريق المزيد.

هنا مثلا أفلام عن الدور الأمريكي القذر في فيتنام، وعن الدور الأمريكي القذر في تشيلي (العودة الى بيونس أيريس)، والممارسات الإسرائيلية أو الإبادة الجماعية التي وقعت ومازالت تقع في غزة، مع تسليط الضوء على القضية الفلسطينية عموما، من خلال ثلاثة أفلام : “NAZA” المشارك في المسابقة من اخراج مخرجين إسرائيليين مناهضين للصهيونية من الذين كانوا وراء إخراج فيلم “لا أرض أخرى” No Other Land ثم “حوار مع البحر” لمؤيد عليان وهو عمل روائي متميز كثيرا، و”المواطن أسامة” لأحمد حسونة عن دور المصور الفوتوغرافي الغزاوي وكيف أمكنه مواصلة العمل بل والعيش في ظل تلك الطروف المحيطة المستحيلة.

هناك الفيلم التسجيلي الطويل “داو” (3 ساعات و15 دقيقة) عن الديكتاتورية السوفيتية، والفيلم اللبناني “غضب” لرامي قديح الذي يصور تداعيات الفساد في أعلى السلطة في لبنان في سياق أزمة البنوك اللبنانية وما وقع من إفلاس وسرقة.

من الأفلام التي أعجبتني كثيرا بشكل شخصي فيلم “مستر نيلسون: هل قتلت أناسا” Mt Nelson: Did you Kill people? وهو للمخرج الياباني “تشينيا توسكاموتو” )66 عاما) ومن الإنتاج الأمريكي- الياباني المشترك.

هذا الفيلم ربما يجد البعض أنه عودة إلى موضوع قديم سبق تناوله كثيرا في السينما هو موضوع الحرب الأمريكية في فيتنام، لكنه في الحقيقية جديد تماما في تفاصيله وشخصياته وبنائه وأحداثه، بل وعندما كنت أشاهده كنت أتخيل أنه تعبير سينمائي مجازي شديد القوة ليس فقط عما حدث في الماضي للشعب الفيتنامي، بل وما يحدث تحديدا في غزة من إبادة جماعية وممارسات ممنهجة من جانب الجيش الإسرائيلي الذي لا يقل همجية وعنفا عن فصائل الجيش الأمريكي التي قتلت وأبادت وحرقت ودمرت قرى بأسرها في ربوع فيتنام، بل ربما يكون الإسرائيليون هم التلاميذ المخلصين للمارينز الأمريكيين.

سيناريو هذا الفيلم يقوم على الكتاب الذي صدر عام 2003 وفيه يروي الفيلم ألن نيلسون، وهو جندي أمريكي أسود، شارك ضمن فرقة من المارينز في حرب فيتنام، تفاصيل مذهلة لتجاربه في زمن الحرب، والمحنة النفسية الشديدة التي مر بها بعد عودته إلى وطنه.

يقوم الممثل الأمريكي رودني هيكس بدور نيلسون، في أداء ربما سيكفل له الترشح لجائزة التمثيل في مسابقة الأوسكار القادمة، فهو يكشف بأدائه عن موهبة وقدرة خاصة على الانتقال من الرقة إلى العنف، ومن الهدوء إلى الغضب الشديد، والفيلم يبدأ بجلسة مع طبيبه النفسي الدكتور دانييلز الذي يقوم بدوره ببراعة الممثل الأسترالي الكبير جيفري رش، وهو يحاول أن يستمع لما يرويه ألن ويسأله مرارا وتكرارا “لماذا قتلت الناس؟
أما عنوان الفيلم فهو سؤال توجهه له طفلة في احدى المدارس الابتدائية التي يقوم بزيارتها لكي يتحدث عن تجربته المريرة في الحرب على سبيل الإرشاد والتوجيه وإيقاظ الوعي عن طريق نقل تجربته القاسية بكل تداعياتها، للأجيال الجديدة. ومعروف أن نيسلون ألقى أكثر من 1200 محاضرة داخل وخارج أمريكا، فقد اصر أيضا على الذهاب الى اليابان وفيتنام. اليابان حيث كانت فترة تدريبه العنيف على القتال بل والقتل، في القاعدة العسكرية الأمريكية في أوكيناوا، وفيتنام التي عاش فيها تجربة حقوق القتل وشارك فيها بحماس شديد قبل أن تأتي اللحظة التي ستغير حياته عندما يجد نفسه أمام امرأة شابة من الواضح أنها فقدت زوجها، تتمدد داخل ملجأ بدائي يغطيه القش، تحاول أن تضع مولودها وحدها بصعوبة بالغة ونيلسون هو الذي سيساعدها بدلا من أن يقتلها، سيساهم بذلك في إخراج روح إنسانية جديدة إلى الحياة، بدلا من الموت. ومن هنا يبدأ التساؤل المرهق المضني: لماذا نفعل ما نفعله هناك؟ ولماذا نحن تحديدا، أي أبناء الأقلية السوداء الأمريكية، في الجبهة الأمامية؟ ولصالح من؟ صحيح أن هذه هي الحرب ووظيفة الجندي أن يقتل وإن لم يفعل فربما سيقتل، لكن هذه أيضا أرض غريبة، ليست أرضع، فهو لا يدافع عن أرض وبلد بل يقوم بالاعتداء على أرض أخرى تنتمي لهؤلاء المزارعين البسطاء ومن حقهم الدفاع عنها.

لكن هذه الأسئلة الكبيرة لن تأتي بسهولة بل ينقلنا الفيلم تدريجيا مع ما يقع من تطور في شخصية نيلسون، ومواجهة طبيبه النفسي له، ثم علاقته مع زوجته وابنها الذي أصبح ابنا له ولا يريده أبدا أن يشق طريقا مماثلا لطريقه الذي جعله يفقد توازنه ويعاني من نوبات شديدة لن يبرا منها سوى بعد أن يهب نفسه لتحذير الآخرين، والحديث عن تجربته بكل بشاعاتها كنوع من العلاج النفسي له، ولكن أساسا للتعبير عن رغبته في لفت الأنظار إلى ما وقع، لكي لا يقع مجددا في أي مكان في العالم.

هذا فيلم شديد التأثير والصدق، بكل مناظره الصادمة، التي تحاكي الواقع بكل قسوته، ومن خلال مونتاج دقيق، وموسيقى غاضبة عنيفة، مع الانتقال من الحاضر إلى الماضي، ومن الماضي البعيد إلى الماضي الأبعد، لكي نعرف سر كل ذلك الغضب الذي دفع بطلنا هذا للسير في طريق العنف من البداية، عندما كان شابا.

لا يضاهي هذا الفيلم في تساؤلاته المرهقة عن الحياة والموت والحرب والمصير الإنساني، سوى “سفر الرؤية الآن” لكوبولا، كما يتفوق جون أدنى شك على فيلم “الفصيلة” لأوليفر ستون.