“الرعاية المحبة الرقيقة”.. هل يكون الفيلم الأخير في مسيرة مايك لي؟
أمير العمري – لندن
يُعدّ المخرج مايك لي، إلى جانب زميله كن لوتش، أحد أهم اسمين ما زالا على قيد الحياة من مخرجي الواقعية الاجتماعية في السينما البريطانية، أو ما يُعرف بـ«جيل الالتزام بالقضايا الكبرى»، الذي ظهر في ستينيات القرن الماضي وبداية سبعينياته.
وبينما أعلن كن لوتش (90 عامًا) اعتزاله الإخراج السينمائي، واصل مايك لي العمل، وعرض أخيرًا فيلمه الجديد «الرعاية المحبة الرقيقة» (Tender Loving Care) في مهرجان لندن السينمائي السبعين، المقام حاليًا. لكن كثيرين في الأوساط السينمائية بلندن يتفقون على أن هذا الفيلم سيكون، على الأرجح، الأخير في مسيرة مخرجه.
مايك لي أحد أساتذة الواقعية الاجتماعية، وهو ما يتضح من خلال عدد من أهم أفلامه، مثل «الحياة حلوة» (1990)، و«عاري» (Naked، 1993)، و«أسرار وأكاذيب» (1996). أما من ناحية الأسلوب، فيلجأ لي كثيرًا إلى الارتجال في مشاهد طويلة، ويطوّر أسلوبه هذا على مدى أسابيع من أجل بناء شخصيات أفلامه وأحداثها. وهو يقضي وقتًا طويلًا في العمل مع الممثلين. ورغم التزامه بالواقعية والابتعاد عن المبالغات، لا تخلو أفلامه عادةً من بعض اللمحات الكوميدية، وأحيانًا من شيء من الميلودراما. لكن الكوميديا تتفجر من التناقضات القائمة بين المواقف والشخصيات، بينما تبدو الميلودراما دائمًا محكومة، ويمكن تقبّلها والاستمتاع بها في إطار اكتشاف الحالة «الذهنية» التي تنبع من حالة «العصاب» الاجتماعي التي يصورها عادةً في معظم أفلامه عن الواقع البريطاني المعاصر.

ويبدو كل ذلك واضحًا في فيلمه الجديد، الذي تدور معظم أحداثه «في الداخل»، أي داخل الشقق والبيوت، ويعتمد على الأداء التمثيلي والحوارات التي تدور حول مائدة في المطبخ، أو على أريكة في غرفة الجلوس، أو فوق الفراش بين زوج وزوجته. ويبدو كل شيء في الفيلم مصممًا لكي يمنح إحساسًا بالبساطة والواقعية، مع قدر كبير من التلقائية، ويترك مساحة للارتجال أمام الممثلين، ولكن من دون الخروج عن الأفكار الأساسية لموضوع الفيلم.
وتدور هذه الأفكار، وإن من مسافة ما، حول التدهور الاجتماعي الذي شهدته إنجلترا المعاصرة نتيجة غياب الدولة، أو بالأحرى، عدم اضطلاعها بمسؤولياتها كما ينبغي، خصوصًا مع تدهور نظام الرعاية الصحية بعد تقليص الميزانيات المخصصة له.
ويعكس المشهد الأول في الفيلم هذا الواقع القاتم والمؤسف، عندما نرى إحدى بطلتيه الرئيسيتين، «روزي» (أليس بيري جونسون)، التي تؤدي دور مشرفة رعاية اجتماعية، تزور مريضًا مسنًا في أحد المستشفيات، وتحاول التعرّف إلى مشكلته ومساعدته على التأقلم مع حالته، وتسأله عمّا يحتاج إليه، لكن من دون جدوى. وعندما تعود إليه بعد نهاية عطلة نهاية الأسبوع، تكتشف أنه اختفى تمامًا من المستشفى؛ فقد فضّل الهرب من واقعه إلى وجهة لا يعرفها أحد.
وستواجه «روزي» مواقف أخرى تعكس حالة العجز التي تعتري العاملين في مثل مجالها، ممن لا يستطيعون التعامل مع حالات ترفض الاستجابة، ويشعرون، ببساطة، باليأس من قدرة النظام الاجتماعي على انتشال أصحابها من مآزقهم. أما الشخصية التي تجسّد هذا العجز بدرجة أكبر، فهي «إيمي» (كيت أوفلين)، صديقة روزي الحميمة، التي تعود بعد خمس سنوات لتعيش معها في شقتها، إثر انفصالها عن حبيبها الذي قرر العودة إلى زوجته وأبنائه في مدينة غلاسكو.
وإيمي أخصائية نفسية متخصصة في حماية الأطفال، تستمع إلى مشكلات المراهقين، ومن بينهم طفل أسود يشعر بأن أمه التي تبنّته تكرهه وترفضه. ولا تتمكن إيمي من إقناعه بمنح نفسه فسحة من الأمل وفرصة للعودة إلى المنزل الذي هجره إلا بعد أن تجعله يستعيد ذكرى موقف أدخل السعادة إلى قلبه المرهف.

وتطرق إيمي وروزي أبواب أنواع مختلفة من الأسر التي تنتمي إلى الطبقات الفقيرة، في محاولة للتوصل إلى حلول لمشكلات الأسرة والأبناء، لكنهما تواجهان الرفض والعصيان والإعراض. فالآخرون لا يثقون بهما، ويشعرون بأنهما تتخذان موقفًا منهم لحساب السلطات، خصوصًا عندما تواجهان أمًّا وحيدة حُرمت من حضانة أبنائها الثلاثة بدعوى أنها غير صالحة لتربيتهم، بعد أن أدمنت الخمر. وقد أبعدت السلطات الاجتماعية أبناءها عنها، وأصبح الأمر الآن منظورًا أمام القضاء.
ولا شك في أن إيمي وروزي كلتيهما تشعران بالعجز أمام مثل هذه الحالات الاجتماعية المعقدة، بسبب القيود المفروضة عليهما بموجب نظام العمل الذي تخضعان له. ومع ذلك، فإن كلتيهما، وهما في أواخر الثلاثينيات من العمر، لا تقلان شعورًا بالتعاسة عن غيرهما. فإيمي محبطة بسبب تخلي حبيبها عنها، وشعورها بأنها لن تنجب أطفالًا أبدًا. أما روزي، فتقيم علاقة حديثة مع أحد رجال الإطفاء، لكنها تشك في مشاعره تجاهها، ثم تصاب بإحباط شديد عندما يخذلها ويتركها تنتظره في موعد عشاء اتفقا عليه مسبقًا، من دون أن يظهر أبدًا.
ومن هذه المواقف البسيطة والطبيعية ينسج مايك لي سيناريو فيلمه، لكنه لا يجعلنا نستغرق طويلًا في الجانب المعتم، بل ينتقل من الجيل الحالي إلى الجيل الأقدم، جيل البيتلز والتنانير القصيرة وثقافة الستينيات الصاخبة، جيل الآباء، من خلال بيردي (ماريون بيلي) وجيوف (بول جيسون)، والدي إيمي، اللذين شارفا الثمانين من العمر، أو هكذا يبدو الأمر. ومع ذلك، ما زالا يعيشان قصة حب طويلة وممتدة، تدفعهما إلى التساند والتعاضد ورعاية أحدهما الآخر، حتى وهما على أعتاب النهاية.
وهذا الحب الكبير والرعاية المتبادلة يعيشان أيضًا في العلاقة بين إيمي وروزي، بعيدًا عن الرجال. ففي شقة روزي، تطلقان العنان لنفسيهما للرقص والغناء واحتساء كؤوس النبيذ الأبيض، مع إلقاء النكات الكثيرة عن الرجال الغائبين عن حياتهما، ومواصلة السعي إلى مساعدة الآخرين في المجتمع الخارجي، رغم الظروف الشاقة والمعوقات.
في الفيلم مناطق معتمة تثير الخوف والقلق، وقد تدعو أيضًا إلى الشعور بالاكتئاب. لكن سيناريو مايك لي وأداء أبطاله لا يتركان المجال لاستغراقنا في هذا الشعور؛ إذ سرعان ما يعيدنا الفيلم إلى الجانب المشرق: جانب الحب والتساند والصمود والضحك والأمل.

ولا يرقى هذا الفيلم، بالتأكيد، إلى مستوى أفلام سابقة مثل «الحياة حلوة» و«أسرار وأكاذيب». فربما كان السيناريو يقتضي التعمق أكثر في بناء شخصيتي إيمي وروزي من الناحية النفسية، وربما كان من الممكن إفساح المجال لظهور شخصيات رجالية أخرى، غير جيوف، والد إيمي، لتكون نماذج مضيئة أيضًا. فالفيلم يترك لدينا انطباعًا بأن جميع الرجال أوغاد، وأن المرأة لن تجد، في نهاية المطاف، سوى اللجوء إلى امرأة مثلها طلبًا للمساندة والدعم.
ونشعر بضرورة هذا التساند والدعم بين النساء عندما تتدهور الحالة العقلية لجيوف، والد إيمي، صاحب الروح المرحة الجميلة، الذي كان بارعًا في إطلاق النكات والتعليقات المضحكة، قبل أن تتدهور حالته ويصبح عرضة للإصابة بالخرف، وربما ينتهي به الأمر قريبًا إلى الموت. وهو مصير يدفع بطلتي الفيلم الأصغر سنًا إلى التفكير فيه، إذ إنه النهاية الحتمية التي تنتظر الجميع.
ولا بد أن توحي هذه النهاية القاتمة، المغلّفة بالحب والتساند، والتي تكشف عن الحاجة الحقيقية إلى «الرعاية»، بما يشعر به مايك لي نفسه، وقد يكون قرر أن يجعل من هذا الفيلم خاتمة لمسيرة حافلة.
هذا عمل بسيط في طابعه العام، وفي تصميم مشاهده ولقطاته، وفي حرص مخرجه، كعادته، على الاستغناء عن حركة الكاميرا وعن الموسيقى المفتعلة الدخيلة التي تقتحم المشاهد. كما يحرص على استخدام الإضاءة الطبيعية في المشاهد الكثيرة التي تدور في الأماكن المغلقة، من دون أن يغفل البيئة العامة التي تحتضن الشخصيات: أحد أحياء شمال لندن، حيث عاش مايك لي ولا يزال يعيش.

وعلى الرغم من كل هذه البساطة، يظل الفيلم عملًا مؤثرًا، من دون أن ينحرف نحو الميلودراما؛ فمخرجه يعرف متى وأين يجب أن يتوقف، بحيث لا يترك مجالًا للقطات زائدة عن الحاجة أو لمساحات زمنية تبتعد عن صلب الموضوع وتضعف تأثيره.
وكعادة مايك لي، يظل العنصر الأكثر بروزًا وإثارة للإعجاب في فيلمه هو التمثيل: أداء صادق ومعبر، يوحي بأن الممثلين جميعًا تعايشوا معًا فترة طويلة، وعاشوا داخل الشخصيات التي يؤدونها، وأسقطوا عليها شيئًا من ذواتهم ومشاعرهم الشخصية وطباعهم الطبيعية في الحياة.
هنا نرى أداءً عبقريًا من جانب الممثلة المخضرمة ماريون بيلي في دور الأم بيردي، وهي التي عملت طويلًا مع مايك لي، منذ أن قامت ببطولة مسرحيته «القشعريرة» على أحد مسارح «الويست إند» عام 1981. إنها ممثلة تستولي على المشهد، بل على الفيلم كله، بمجرد ظهورها، من خلال تعبيراتها بوجهها وعينيها، وصوتها الخافت، وهمساتها وضحكاتها. إنها الأم الحقيقية التي، رغم تقدمها في العمر، لا تزال تتمتع بروح الطفلة المرحة الجميلة، المقبلة على الحياة.
وفي المقابل، يبرع الممثل الكبير بول جيسون، أحد عمالقة المسرح القومي الإنجليزي، في دور الأب جيوف، الذي ينتقل من المعابثة والمضاحكة والحيوية الذهنية إلى الشحوب والتثاقل وتراجع الذاكرة، ثم إلى الإصابة بما يشبه النوبات الأخيرة قبيل الرحيل. إنه أداء محكوم بدقة، لا يفلت من السيطرة ولا ينحرف نحو المبالغة الميلودرامية، بل يظل منضبطًا باستمرار: مؤثرًا من دون ابتذال، وجذابًا من دون مبالغة.
ولا شك في أن أداء كيت أوفلين في دور إيمي يجعلها واحدة من أفضل الممثلات في السينما البريطانية في الوقت الحاضر. ولذا، لم يكن غريبًا أن تنال جائزة التمثيل عن هذا الدور في مهرجان سان سباستيان في الشهر الماضي، وأن ينال الفيلم نفسه جائزة «الصدفة الذهبية» لأفضل فيلم.
هذا الفيلم، في النهاية، احتفال بالحب والرعاية والتواصل الإنساني بين الأجيال.
