“الخطاة”: العنصرية وباء والموسيقى ساحة جدل

ليس من السهل أن تقترب السينما من أزمة العنصرية من دون أن تسقط في فخّين متجاورين: الوعظ المباشر، أو التخفّف من العبء الأخلاقي بحجّة «الترفيه». فيلم “الخطاة” (Sinners) يختار طريقاً ثالثاً، أكثر خطورة وذكاءً: أن يضع العنصرية داخل استعارة مرعبة، استعارة «مصّاصي الدماء»، ثم يتركنا أمام أسئلة لا تُحلّ بالخطابة بل بالتجربة.

الفيلم لا يعامل مصّاص الدماء كوحشٍ خارجيّ جاء من عالم أسطوري. هو يُقدّمه كـ«عدوى» — عضة صغيرة تكفي لبدء وباء طويل العمر، وبصمة تلتصق بالضحية حتى النهاية. وفي هذه النقطة تحديداً تكمن المغامرة: مصّاصو الدماء لا ينتمون إلى عِرق واحد. اللعنة تُصيب الأبيض والأسود والآسيوي والهندي… الجميع قابل للتحوّل، ما دام الشرط متاحاً: أن يُسمح للوباء بالدخول.

هذه ليست لعبة رعب فحسب. إنها صيغة فنية تشرح آلية العنصرية باعتبارها مرضاً قابلًا للانتقال أكثر مما هي «صفة طبيعية» في شعب أو لون. حتى الفيلم نفسه قُدّم كثيراً بوصفه مزجاً بين الرعب الخارق والتاريخ والثقافة السوداء والموسيقى، عبر حكاية تقع في جنوب الولايات المتحدة في ثلاثينيات القرن العشرين، حيث يتقاطع الرعب مع نظام الفصل العنصري ومع أسطورة البلوز بوصفها ذاكرة حيّة لا تموت.

واحدة من أكثر أفكار مصّاص الدماء رسوخاً في الميثولوجيا الغربية أن هذا الكائن لا يستطيع دخول بيتك إلا إذا منحته الإذن. الفيلم يلتقط هذه القاعدة ويعيد شحنها سياسياً: العنصرية أيضاً لا تستولي على حياتك كقوة غامضة من الخارج، بل تدخل عبر لحظة سماح، لحظة تساهل، لحظة تبرير صغير.

لا يقتحم مصّاص الدماء المكان مثل دبابة. إنّه يتسلّل مثل فكرة. يبدأ بوعدٍ لطيف: الخلاص من الفقر، من القهر، من العجز، أو حتى سهرة لطيفة… ثم يطالبك بالاعتراف، بكلمة واحدة: تفضّل بالدخول. وعندها لا يعود البيت بيتك، ولا العلاقات علاقاتك، ولا اللغة لغتك. إحدى القراءات الأميركية للفيلم تتوقف عند هذا الإغراء تحديداً: أن “العرض” الذي يقدمه مصّاص الدماء يتزيّا أحياناً بوعود الخلاص من البؤس والعنصرية ذاتها… وهو الوجه الأكثر مراوغة للشرّ.

هنا يصبح الرعب مفهوماً جداً: ليس لأن الأنياب حادة، بل لأن الاستلاب يبدأ حين نفاوض على كرامتنا بصيغة “حلّ عملي”.

الفيلم لا يقول إن العنصرية حادثة عرضية أو خلافاً اجتماعياً قابلاً للتسوية عبر النوايا الحسنة. يقدّمها كـ«وباء تاريخي»، وكأن ذروة العنصرية ليست لحظة منفصلة، بل نبعاً تشرب منه عنصريات متعددة في العالم: عنصرية اللون، وعنصرية الطبقة، وعنصرية الدين، وعنصرية الهوية. وهنا يضعنا الفيلم أمام مفارقة سامة: قد يبدو أن “كو كلوكس كلان” هي القمة المرئية لهذا المرض، لكنها ليست النهاية؛ إنها المنبع الذي يفيض إلى سواها من الأشكال.

من أجمل ما يفعله الفيلم أنه يرفض تقسيم البشر إلى ملائكة وشياطين. لا أحد يخرج من التاريخ نظيفاً تماماً، ولا أحد يدخل الجحيم بلا أسباب. كل شيء يُعرَض بوصفه إنسانياً، قابلاً للنقاش، محفوفاً بالالتباس… باستثناء نقطة واحدة لا يترك الفيلم حولها مسافة رمادية: إدانة العنصرية. فمهما كانت الضحية مجرمة ستجد الإنسانية في داخلها، وهذا ما قدمه الفيلم فبطلي الفيلم توأمين شكلا عصابة للسرقة والقتل والخطف، ولكنهما الآن في مواجهة مصاص الدماء، العنصري، ولذلك تشعر تلقائياً بالانحياز إليهما.

هذا لا يمنح الفيلم «حياداً» بارداً. بل يمنحه قدرة على تصوير البشر كما هم تحت الضغط: متوترين، متناقضين، خائفين، طامحين، راغبين في النجاة حتى لو كلفهم ذلك شيئاً من شرفهم. وحين تتحول العنصرية إلى مصّاص دماء، يصبح السؤال أكثر قسوة: من الذي سيسمح للوحش بالدخول؟ ومن الذي سيقاوم إغراءه؟ ومن الذي سيبرر له؟

أكثر ما يميّز Sinners أنه لا يتعامل مع الموسيقى كخلفية جمالية، بل كأداة صراع ومعنى. الفيلم يمجّد الموسيقى كقوة قادرة على كشف القبح، كطريقة للنجاة من عالمٍ يصرّ على تصنيف البشر. وهنا يفتح الفيلم طريقاً بالغ الخصوبة: موسيقى في مواجهة موسيقى.

على جانب، تقف موسيقى الريف الأميركي وامتداداتها البيضاء التقليدية التي ارتبطت تاريخياً بصورة المجتمع الريفي وبأمزجة ثقافية قريبة من الهوية البيضاء المحافظة. وعلى الجانب الآخر، يقف البلوز: موسيقى السود، موسيقى الألم والعرق والليل الطويل، الموسيقى التي كانت تكتب سيرة غير مكتوبة للعبودية وما بعدها. قطف القطن وحداء العبيد المختطفين من بيوتهم في حقول أميركا الواسعة قبل تجريم العبودية في الولايات المتحدة،  ومن البلوز لاحقاً تفرعت سرديات موسيقية كبرى، وصولاً إلى الراب كأحد أكثر أشكال التعبير حدّة في المدينة الأميركية الحديثة.

الصراع هنا لا يحدث فقط بين شخصيات الفيلم، بل بين أرشيفين: أرشيف يريد أن يثبت تفوقه بوصفه الأصل، وأرشيف يطالب بحقه في الحياة وفي تعريف نفسه بنفسه. فالفيلم قائم أساساً على تاريخ البلوز بوصفه ثقافة وذاكرة، لا مجرد نوع موسيقي.

وهذه فكرة حاسمة: لأن العنصرية لا تعمل فقط كقوانين، بل تعمل أيضاً كـاحتكار للمعنى: من له الحق في تعريف الجمال؟ من له الحق في أن يقول هذه موسيقى راقية وهذه ضوضاء؟ من يملك الميكروفون ومن يُترك في العتمة؟

في أفلام مصّاصي الدماء، الخلود هو الإغراء الأكبر. لكن الفيلم يقلب المسألة: الخلود ليس مكافأة دائماً، قد يكون عقوبة. إنّه استمرار المرض عبر الزمن. استمرار الاستلاب عبر أجيال.

وهنا تدخل الموسيقى كقوة مضادة: لأنها، ببساطة، تثبت أن الإنسان يستطيع إنتاج معنى حتى وهو محاصر. الأغنية ليست رفاهية، إنها طريقة لبناء ذاتٍ لا يستطيع الآخر محوها. لهذا يبدو الصراع مع مصاص الدماء في الفيلم كأنه صراع مع قوة تريد تجميد البشر داخل تعريف واحد، داخل لون واحد، داخل طبقة واحدة، داخل “قَدَر” اجتماعي مكتوب سلفاً.

الفيلم لا يقول إن الموسيقى تُنهي العنصرية بضربة واحدة. لكنه يلمّح إلى شيء أكثر واقعية: الموسيقى تخلق فضاءً مشتركاً، مساحة تنفّس، لحظة يُعاد فيها ترتيب العالم. لحظة يتذكر فيها الإنسان أنه ليس رقماً في نظام، بل صوتاً يستطيع أن يرتجف ويعلو ويجرح ويتوهّج.

أقسى ما يقوله الفيلم — وربما أكثر ما يجعله ناضجاً — أنه لا يبيعنا «وصفة شفاء». لا يقدّم العنصرية بوصفها خطأً يمكن الاعتذار عنه ثم طي الصفحة. إنه يقول لنا شيئاً مزعجاً: العنصرية مرضٌ طويل العمر، قابل للعودة، قابل لإعادة إنتاج نفسه بأسماء وملابس جديدة.

لهذا يبدو مصّاص الدماء مناسباً تماماً: كائن خالد، عابر للأزمنة والأعراق والمذاهب. يستطيع أن يغيّر شكله، وأن يتكيّف مع أي عصر، وأن يقنعك أنه مجرد خيار شخصي أو مجرد رأي أو حرية تعبير… لكنه في العمق يصنع هرماً من الدم.

الفيلم يربط هذا الخلود بخدعة أخرى: مصّاص الدماء لا يحتاج دائماً إلى القوة كي ينتصر؛ يكفيه أن يجعل ضحيته تتكلم بلغة الاستسلام. ادخل. تفضّل. عندها تصبح العدوى «قراراً»، لا مجرد ضربة حظ سيّئ.

ذكاء الفيلم أنه يحرّر النقاش من سجن الهوية المغلقة. حين يقول إن مصاص الدماء قد يعضّ الأبيض والأسود معاً، فهو لا يساوي بين الضحايا تاريخياً، ولا ينكر جذور الظلم. بل يلمّح إلى فكرة أكثر تعقيداً: العنصرية ليست فقط ظلماً يقع على الضحية، بل أيضاً تشوّهاً يصيب المجتمع كله. هي وباء يلتهم الجميع بدرجات مختلفة.

وهذا يفتح جدلاً واسعاً، وربما كان هذا مقصوداً: هل يصحّ أن نعامل العنصرية كمرض يصيب الكل، أم أن هذا يخفف من مسؤولية الجاني؟ الفيلم لا يعطينا جواباً مدرسياً. لكنه يضع إطاراً يسمح بالسؤال، ويسمح بالاختلاف، ثم يُبقي إدانته للعنصرية ثابتة كأرضية أخلاقية لا تُساوَم.

في النهاية، Sinners ليس “فيلم مصاصي دماء” بالمعنى التقليدي. هو فيلم عن أميركا وهي تتأمل جروحها وتاريخها عبر خيالٍ جميل وقاسٍ في آن. فيلم يدفعك إلى التفكير في العنصرية بوصفها شيئاً يتحرك مثل العدوى، ويتخفّى مثل الإغراء، ويعيش مثل اللعنة. فيلم يضع الموسيقى في قلب المعركة، لا كديكور، بل كنوع من المقاومة: مقاومة الهوية حين تُختَزل، مقاومة الإنسان حين يُجرَّد من صوته.

في هذا الفيلم لا ينتصر الخير بوصفه شعاراً، ولا يُهزم الشرّ بوصفه مشهداً أخيراً. الفيلم يتركك مع حقيقة بسيطة وخطيرة: الوباء قد يعود دائماً… لكنك تستطيع ألّا تفتح الباب.

Visited 1 times, 1 visit(s) today