“البارح.. العين ما نامت” فيلم استشراقي

عرض فيلم “البارح.. العين ما نامت” أول الأفلام الروائية الطويلة للمخرج الفلسطيني- البلجيكي ركان مياسي، في قسم “نظرة ما” بمهرجان كان السينمائي.

يعتبر هذا الفيلم نموذجيا في تطبيقه لأشهر القواعد التي أصبحت راسخة فيما يتعلق بالأفلام التي يخرجها مخرجون من أصول عربية، وتنطق بالعربية، ويتم تمويلها من أوروبا مع دعم مالي من صناديق الدعم العربية التابعة لبعض المهرجانات الغنية في الشرق الأوسط، التي تخضع بدورها لما يراه القائمون عليها ومعظمهم من الأوروبيين- من أصحاب المصالح.

على ماذا تنص هذه القواعد؟
أولا: يجب أن يكون الفيلم عن المرأة ومشكلة المرأة في مجتمع متخلف، وكيف تخضع للاضطهاد والقهر والقمع من جانب الرجل، الذي يُفضل أن يكون بدويا خشنا، بدائيا، يسيطر بقانونه الخاص القبلي، ولا بأس إذا أظهرنا نموذجا يتمتع بالكياسة والكرم والعفو عند المقدرة، من دون أن يعني هذا أي تغير في القانون القائم المستقر الذي يحكم العلاقة بين الرجال والنساء.

ثانيا: تصوير مشاهد تدور في الصحراء، الممتدة المترامية الأطراف، التي تبدو كالمتاهة السرمدية، حيث يتقزم الإنسان، ويضيع وسط رمال الصحراء. فأفلام الصحراء لها جاذبية خاصة لدى العين الغربية المشبعة بقصص ألف ليلية وليلة وحكايات الجن والعفاريت الوافدة من الشرق العربي ومن الشرق عموما.

ثالثا: ليس مهما أن تكون لديك حبكة روائية أو تطور درامي في فيلمك، بل الأهم أن تعتمد على لقطات طويلة جدا، وكاميرا ثابتة، وبنية سردية بطيئة الإيقاع، بدعوى أن الفيلم يتعامل مع تعاقب الزمن، لا مع الحركة، فهل نحن أقل من كيارستمي الذي يبدو شبحه يحلق فوق الفيلم بأسره؟

رابعا: التركيز بشكل خاص على التقاليد العتيقة والفولكلور والملابس الغريبة، فهذا مهم لأنه يكثف الصورة الإكزوتية exotic أو غرابة الإثارة البصرية التي يعشقها المشاهد الغربي وتكرس عنده النظرة إلى “الآخر” باعتباره مختلفا، أو أدنى، أم معاديا للحداثة بطبعه.

هذا فيلم أخرجه مخرج فلسطيني لكن لا صلة له بفلسطين ولا قضايا فلسطين الساخنة الملتهبة، فهو يدور في منطقة وادي البقاع الواقعة بين سورية ولبنان، وهي منطقة يقطنها قبائل من البدو ولكن هناك أيضا بعض الزراعة كما نرى في أحد المشاهد الأولى من الفيلم حيث تعمل النساء في الحقول.

تبدأ الأحداث باشتعال النيران في شاحنة. ماذا حدث؟ لقد هربت فتاة من إحدى القبائل قيل إنها كانت تحب رجلا متزوجا حبا مستحيلا، فهل أشعلت النار في نفسها؟ هل كانت تطاردها قبيلتها بسبب “انحرافها” أو اتجاهها نحو العاطفة وربما أيضا الإشباع الجنسي؟ ربما!

 ما يحدث هو أن ابن عمها “ياسر” يبحث عنها هنا وهناك، يجوب النواحي بشاحنة صغيرة، يذهب الى مخيم اللاجئين الفارين من القصف (ربما!)، فلا شيء من هذا يذكر في الفيلم، لكن ياسر يصدم بسيارته وهو يقودها في الليل شابا من قبيلة أخرى ليست على علاقة جيدة بقبيلته، ويصبح دمه بالتالي مهدرا، وليس أمامه سوى مغادرة المنطقة بأسرها قبل أن يُقتل.. فيتم تهريبه خارجها، ولكن كيف ستتمكن قبيلته من معالجة الموقف؟

سيغلقون منزلهم ويرحلون وتجبر شقيقتا ياسر: ريم وجواهرـ على التوجه إلى القبيلة الأخرى يقدمان نفسيهما كقربان أو كفدية، أي لفداء شقيقهما ياسر حيث أن الرجل يساوي امرأتين حسب الشريعة. أي أنه في هذه الحالة يجب قتل الاثنتين. ولكن شيخ القبيلة رجل شهم: فهو يرفض قتلهما، بل يكتفي بأن يطالب بأن تتزوج إحداهما من أحد رجال قبيلته، على أن يترك الثانية ترحل.

تختار “جواهر” الزواج من شاب من أبناء الشيخ، ولكنه يرفض قبول الزواج منها لأنه متزوج بالفعل ولا يريد المزيد (!)، فينتهي الأمر بأن يختارها شيخ طاعن في السن فتوافق مرغمة. أليست المرأة مجرد سلعة للتبادل أو قربان للفداء، يتعين عليها أن تضحي بنفسها من أجل بقاء شقيقها الذكر؟  

يقام حفل العرس الذي يتسم بالكآبة أكثر منه بالفرح، رغم مراعاة جميع المظاهر المتبعة في هذا النوع من الاحتفالات خصوصا وان مياسي استعان في تصوير الفيلم بأفراد من قبيلة محددة واحدة، وأدار التصوير الداخلي كما يقول في مقابلة معه، داخل منزل هذه القبيلة، ودرس جميع الشخصيات التي استعان بها في فيلمه قبل أن يكتب لها ما يناسبها من حوار، فالفيلم يعتمد أساسا، على الارتجال، وعلى سيناريو مبدئي غير تفصيلي. ولعل من أفضل عناصر الفيلم قدرة المخرج على التحكم في أداء ممثليه غير المحترفين واستخراج التعبيرات الملائمة المحكومة تماما، منهم في جميع المشاهد التي ظهروا فيها.  

المشكلة هي أن الفيلم ينضح بالقصدية، أي اللجوء عمدا وبشكل مصطنع كثيرا، لإضفاء الشعرية على بعض المشاهد خصوصا مشهد النهاية ذي الطبيعة الرمزية حيث تتجه الفتاة ريم نحو شجرة تبدو وكأنها خيالية، في موقعها وتاريخها، وتظل تسير نحوها الى أن تبتلعها الشجرة تماما. وهي لقطة طويلة تذكرنا كثيرا بنهاية فيلم كيارستمي “تحت أشجار الزيتون”.

مياسي يقول إن موضوع فيلمه مستمد من حكاية زواج جدته اللبنانية التي تزوجت رجلا من إحدى قبائل البقاع وكانت في الرابعة عشرة من عمرها، رغم أنها لم تكن من تلك المنطقة، وأنها ظلت طوال حياتها تشعر بالحزن من مصيرها المبكر.

طبعا الادعاء بأن الفيلم يربط بين المحنة الخاصة بالمرأة في البقاع، والأجواء السياسية المحيطة من استمرار قصف الطيران الإسرائيلي لمناطق قريبة هو ادعاء لا وجود له في الفيلم، مجرد أصوات طائرات بعيدة لا معنى لها ولا توضع في أي سياق ولا يدور مجرد الحديث همسا عنها، وكأن الفيلم في الحقيقة، يتجاهل تماما البيئة العدوانية المحيطة بالمنطقة كلها وبالتالي موقف البشر مما يحدث من حولهم. لأننا أمام موضوع مجرد يمكن أن يدور في أي زمان، وطبيعي أن الفن اختيار، وهذا هو اختيار صانع الفيلم، أي تجريد فيلمه بل والانتقال من الواقعية الى السوريالية في الجزء الأخير منه لإضفاء دلالة رمزية أظن أنها تظل بعيدة عن المتفرج العربي، لكنها تغوي بالتأكيد المشاهد الأوروبي، وخصوصا، الناقد الغربي (وأتباعه في منطقتنا) صاحب النظرة الاستشراقية والميل إلى المبالغة في تقدير قيمة أعمال محدودة التأثير والأثر!