“أوكرانيا ليست بيتا للدعارة”.. ولكن ماذا بعد!

Print Friendly, PDF & Email

أمير العمري

في عام 2008 ظهرت في كييف عاصمة أوكرانيا حركة تمرد نسائية تنتمي إلى الحركات الأوروبية المعروفة باسم فيمنزم feminism واتخذت لنفسها فيما بعد إسم femen(فيمن)، وكان الهدف الأساسي منها رفض الفكرة الشائعة عن أوكرانيا وفتيات أوكرانيا، التي أصبحت بعد التحولات التي وقعت فيما كان يعرف بـ”الكتلة الشرقية” أي منذ أواخر ثمانينيات القرن العشرين، نقطة جذب لما يعرف بـ”السياحة الجنسية” حيث يقصدها سنويا عشرات الآلاف من الباحثين عن المتعة الجنسية مع فتياتها اللاتي يعانين من الفقر والفاقة وانعدام فرص العمل في دولة تكافح من أجل البقاء بعد أن إنفصلت عن روسيا أو “الاتحاد السوفيتي” السابق.

كان الكثير من فتيات أوكرانيا اللاتي يتميزن بأجسادهن الممشوقة الفارعة، وشقرتهن الجذابة، قد ذهبن للعمل في سوق الرقيق الأبيض خارج البلاد، أو أصبحن يعملن كبائعات هوى في الداخل. وقد ظهرت هذه الحركة كحركة رفض لهذه الظاهرة الاجتماعية التي ترى ناشطات الحركة أن من صنعها ورسخها ودعمها ودافع عنها هو مجتمع الرجال، الذين ظلوا يرفضون إصدار أي تشريعات ترمي إلى الحد من الظاهرة او تحجيمها بدعوى أنه ليس من الممكن مكافحتها، بل اصبحوا يناقشون أيضا تقنينها وجعلها نشاط مشروع. وتتهم حركة “فيمن” الرجال بالمسؤولية عن شيوع تجارة الجسد، فهم الذين يتعاطون معها ويشجعونها/ وهي جزء لصيق باهتمامات الرجال خاصة الذين يأتون من بلدان غنية إلى بلد مثل أوكرانيا، التي تعاني من تدهور الأوضاع الاقتصادية.

وقد إنتقلت حركة “فيمن” من حركة رفض لأن تصبح أوكرانيا “بيتا كبيرا للدعارة”- وهو أولى شعارات هذه الحركة، إلى تنظيم التظاهرات ضد النظم الشمولية عموما التي لاتزال قائمة في الكثير من بلدان أوروبا الشرقية. وقد نظمت ناشطات حركة فيمن أيضا تظاهرات ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أثناء زيارته لألمانيا، وضد الزعيم الإيطالي سيلفيو بيرلسكوني أثناء إدلائه بصوته في الانتخابات البرلمانية، إحتجاجا على ما يتردد عن إستغلاله وتشجيعه للمرأة التي تبيع جسدها.

وتتخذ تظاهرات فتيات “الفيمن” الحسناوات شكلا جديدا وغريبا يتمثل في تعرية صدورهن على الملأ في وجه الجميع، مما أحدث صدمة هائلة لدى مؤسسات الدولة المحافظة بطبيعتها، مع الاعتراف بأن مثل هذه الاحتجاجات أصبحت عامل جذب كبير لأجهزة الإعلام المصور الباحثة عن الإثارة!

الفيلم الجديد

جاءت المخرجة الاسترالية الشابة كيتي جرين Kitty Green لعرض فيلمها “أوكرانيا ليست بيتا للدعارة” Ukraine is not a Brothel للمرة الأولى في الدورة الـ70 من مهرجان فينيسيا السينمائي (2013) وسط حملة إعلامية كبيرة قامت بها المخرجة نفسها بمساعدة مجموعة من فتيات الفيمن اللاتي إصطحبتهن معها إلى المهرجان الكبير حيث ظهرن إلى جانبها أمام الصحافة عاريات الصدور حسب طريقتهن التي أصبحت مشهورة على الصعيد العالمي. وسرعان ما انتشر الفيلم وذاع صيته في الكثير من المهرجانات السينمائية، منها مهرجان لندن السينمائي، وأثارمناقشات ساخنة، كما فتح شهية المشترين الباحثين عن أفلام مثيرة تصلح للعرض في محطات التليفزيون.

ذهبت كيتي جرين (تذكر بعض المعلومات المنشورة أنها من أصول أوكرانية وتجيد اللغة الأوكرانية كما نرى في الفيلم) إلى كييف عام 2011 حيث قضت مع فتيات حركة “فيمن” نحو أربعة عشر شهرا، صاحبت خلال تلك الفترة، ناشطات الحركة في جميع تظاهراتهن، وصورت ووثقت الكثير من المقابلات التي تتضمن اعترافاتهن وشهاداتهن على ذلك التحول الذي وقع في حياتهن، وعلى نشأة الحركة وتطورها وما اثارته من ضجيج وجدل حولها.

من هذه المقابلات التي صورت داخل الأماكن التي تقيم بها الفتيات، وكلهن كما أشرنا، يتمتعن بقوام شديد الجاذبية، صنعت جرين فيلمها التسجيلي الأول الذي يقع في 81 دقيقة، حيث تمزج بين المقابلات وبين ما حصلت عليه من لقطات من الأرشيف لبدايات الحركة، من قصاصات الصحف والصور الفوتوغرافية والبرامج التلفيزيونية، ومن المشاهد العديدة المباشرة التي قامت بتصويرها بنفسها، وأعدت وإستعدت لها بمعاونة فتيات الحركة اللاتي سمحن لها بالتواجد وسطهن والتجول معهن في جولاتهن الخارجية ومنها تلك المظاهرة التي نظمت في منسك عاصمة روسيا البيضاء (بيلاروسيا) عام 2011 إحتجاجا على تزوير الانتخابات التي كانت قد أعادت الرئيس لوكاشينكو الى السلطة في العام السابق. وتصور جرين كيف تعرضت ثلاث فتيات من ناشطات الفيمن للاعتداء من جانب مجموعة من الرجال (واضح أنهم من الشرطة السرية) قاموا باختطافهن عنوة ووضعهن داخل سيارة وذهبوا بهن إلى غابة حيث نزعوا ملابسهن وأوسعوهن ضربا ثم قاموا بطلاء أجسادهن بمادة زيتية وأرغموهن على العودة ليلا.. عرايا تماما، عير الحدود إلى أوكرانيا. أما المخرجة فقد تم اعتقالها وصودرت كاميرتها وتم ترحيلها من البلاد!  

في الفيلم تتحدث مجموعة الفتيات الخمس اللاتي نشاهدهن في حياتهن اليومية وهن يجلسن أمام أجهزة الكومبيوتر المحمول عبر برنامج الاتصالات “سكايب” مع شاب غامض يرتدي قلنسوة تخفي ملامح وجهه.. يقدمنه باعتباره الرأس المدبر للحركة بل ومؤسسها الحقيقي. هذا الشاب هو محور شعور بالحب والكراهية من جانب معظم الفتيات. إنه فيكتور سفيلاتسكي الذي نرى كيف أنه يصدر للفتيات تعليمات محددة ويطلب منهن كتابة شعارات محددة على صدوهن وعلى اللافتات اللاتي سترفع في تظاهرة معينة تستعد لها الحركة، والفتيات مطيعات مستسلمات تماما لتعليماته وأوامره. من هو هذا الشخص، وكيف يمكن أن يكون رجل هو المتحكم في حركة تدعي الدفاع عن حقوق المرأة ضد قهر الرجل وتعامله المهين معها ومع جسدها؟

هذا السؤال هو ما تحاول المخرجة بعد ذلك أن تصل إلى إجابة عنه. بعض الفتيات يوجهن الكثير من الإنتقادات لأسلوب الرجل (البطريركي) في التعامل معهن، لكنهن في الوقت ذاته، يؤكدن أهمية بل حتمية وجوده باعتباره “العقل المفكر” الذي بدونه، ليس من الممكن عمل أي شيء. هذا التناقض يبرز أكثر عندما تلتقي المخرجة بالرجل نفسه وتجري معه مقابلة مباشرة يواجه خلالها الكاميرا دون أقنعة، فيتحدث عن دوره في الحركة لكنه يدافع عن استخدام الفتيات اللاتي يتمتعن بالجاذبية الشكلية من أجل جذب الجمهور والإعلام، تماما كما تدافع الفتيات أنفسهن عن فكرة تعرية الصدور على الملأ كشكل من أشكال الاحتجاج، وتؤكد أكثر من واحدة منهن على ضرورة التمتع بالجاذبية الشكلية.

أما النقطة الأكثر غرابة في حديث سفيلاتسكي فهي إقراره بما يكمن من تناقض في موقفه الشخصي، فهو يعترف مثلا بأنه يقيم أحيانا علاقات جنسية مع بعض الناشطات، ولا ينفي عن نفسه صفة “الاستغلال” التي تتظاهر الحركة ضدها، مبررا ذلك بأنه “تناقض” قد يكون طبيعيا أو غير طبيعي.. ثم يأخذ في توجيه الانتقادات إلى الفتيات اللاتي يجدهن “ضعيفات” في حاجة إليه، لا يمكنهن التخطيط للحركة كما يفعل هو. وعندما تتوجه المخرجة بسؤال إلى إحدى الفتيات حول هذه النقطة تقول لها إنها تدرك أن سفيلاتسكي يملك القوة والقدرة لكنها تتعلم منه وتخطط لكي تأخذ منه موقع القيادة وتستقل بالحركة تماما بعيدا عنه. وفي النهاية نعرف أن مجموعة فتيات “فيمن” تعتزم الذهاب إلى باريس لاستئناف نشاطهن هناك، فهن يعتقدن ان حركتهن يجب أن تكون “عالمية”.

عن العرب

تتطرق إحدى الفتيات في الفيلم إلى العالم العربي عندما تروي كيف أنهن أردن التوجه إلى الكويت للاحتجاج على معاملة المرأة هناك، لكن السلطات أعلنت أنها ستحظر دخولهن إلى البلاد، وتقول إن نظرة الرجل للمرأة في المجتمع الإسلامي تتسق مع مفهومه للدين، وبالتالي يصبح من العبث الاحتجاج ضدها في حين أن المشكلة الحقيقية تكمن في كون المجتمعات الأوروبية- كما ترى- تعترف بحق المرأة في المساواة والحرية وغير ذلك لكن المرأة تمتهن يوميا وتتم المتاجرة بجسدها. لكننا نعرف أيضا أن فتيات الحركة قمن بتنظيم تظاهرة أمام السفارة السعودية في كييف حيث إرتدين النقاب مع تعرية صدورهن ورفع لافتات وكتابة شعارات ضد منع المرأة السعودية من قيادة السيارات!

فيلم “أوكرانيا ليست بيتا للدعارة” فيلم مثير ليس فقط بفضل موضوعه الجديد الذي يكشف عن زاوية أخرى لحركات الاحتجاج النسائية الأوروبية، بل لأنه أساسا، مصنوع بدقة شديدة وباختيار واع للصور واللقطات النادرة العديدة، وتمكن مخرجته (وهي أيضا المصورة والمونتيرة) من التواجد وسط الأحداث وإلتقاط الكثير من اللقطات المباشرة التي تعد وثائق مصورة على ما تعرضت له فتيات “فيمن”.. منها مثلا لقطة لإحدى الفتيات تضرب وتصدم بباب زجاجي ضخم لمول تجاري من قبل رجل من المارة لا يعجبه مثل هذا الشكل من أشكال التمرد.. لكن ليس معنى هذا أن فتيات الحركة ضعيفات بل إن قوتهن تدهشنا ونحن نرى كيف يقاومن الشرطة وكيف يصمدن أمام الرفض والاهانة والسحل ويتشبثن بالبقاء في المواقع التي يختارونها بعناية لتوصيل رسالة حركتهن.

في لقطات أخرى نرى كيف يتجمع حشد من الرجال أمام مظاهرة “الفيمن” للهتاف والتحريض ضدهن. ونتابع التخطيط لكل ما ستقوم به فتيات الفيلم- والحركة، ونذهب مع المخرجة إلى مواقع الأحداث، ونشهد معها على المواجهات التي تقع.. كل هذا من خلال أسلوب سينمائي شديد الجاذبية، ومونتاج جدلي يجعل المعلومة تمتزج مع الصورة، مع ما تأتي به المقابلات المصورة، في تجسيد لا يمكن أن تخطؤه العين، لهذه التناقضات، بين شكل الاحتجاجات ومضمونها، بين الإحتجاج ضد استغلال الجسد، وفي الوقت نفسه، إستخدام الجسد، بين رفض البطريركية الذكورية والخضوع لها، بين استهجان فكرة العمل في صناعة الجنس، والاستسلام في نفس الوقت، للعمل في صناعة تستخدم فيها الجاذبية الجنسية، فإحدى فتيات الفيلم اللاتي تصاحبهن المخرجة، تعمل راقصة تتعري في أحد النوادي الليلية!

كصورة ومونتاج وموسيقى وإيقاع وبناء درامي وبصري وحس نابض بالحياة يمنحك الإحساس بأنك في قلب الحدث مباشرة، يعتبر فيلم “أوكرانيا ليست بيتا للدعارة” أفضل إستعادة لتقاليد الفيلم التسجيلي مع تطويرها ونقلها نقلة معاصرة إلى سينما حداثية جديدة لها تتمتع بالطزاجة والثراء البصري.

إنه “تسجيلي” العام من دون شك.

Visited 61 times, 1 visit(s) today