وجوه عمر الشريف: مرايا النجم والصورة

نادرةٌ هي الأسماء في تاريخ السينما العربية التي تثير تجربتها هذا القدر من القراءات المتباينة والأسئلة الممتدة مثلما تفعل مسيرة عمر الشريف.

نحن أمام فنان عبَر بحضوره الحدود الجغرافية، وسكن فضاءات ثقافية ولغوية متباعدة، حافراً اسمه في وجدان أكثر من ذاكرة سينمائية عالمية. تراكمت فوق الشاشة صور تجعل من هذا الحضور عصياً على التأطير في دور واحد، أو الانضواء تحت مرحلة زمنية وحيدة أو الامتثال لتعريف نمطي للنجومية.

ينطلق محمود قاسم في كتابه «وجوه عمر الشريف» من هذه النقطة مختاراً الدخول إلى عالم النجم عبر الشاشة نفسها؛ عبر الشخصيات التي حملها، والملامح التي ظهرت واختفت ثم عادت بأشكال جديدة خلال أكثر من نصف قرن.

إن فكرة “تشريح القناع السينمائي” تتيح النظر إلى مسيرة عمر الشريف من زوايا متعددة؛ فالقارئ يجد أمامه مجموعة من الصور المتعاقبة، لكل صورة مناخها الخاص وسياقها الفني والإنساني. يبدو الكتاب معرضاً واسعاً للوجوه؛ وجه العاشق، والثائر، والشاب الحائر، والأرستقراطي، والفدائي، والحكيم العجوز؛ كلها تحضر داخل نسيج واحد.

ومع ذلك يبقى مفهوم الوجه محتفظاً بقدر من الانفتاح، فمحمود قاسم لا يقدّم تعريفاً نظرياً صارماً لهذا المصطلح، ولا ينشغل بإحاطته بحدود نقدية دقيقة، وقد يعود جانب من حيوية الكتاب إلى هذه المساحة الحرة التي تسمح للمفهوم بأن يتحرك بين أكثر من معنى؛ فهو يلامس الشخصية الدرامية أحياناً، ويقترب من صورة النجم أحياناً أخرى، ويمس الأثر الذي تتركه بعض الأدوار في الذاكرة الجمعية، ولهذا يظل الوجه في الكتاب أقرب إلى وسيلة للقراءة والاستكشاف منه إلى مفهوم مغلق.

حمل الشريف ملامح النجم المصري في مرحلة تاريخية شديدة الثراء، ثم وجد طريقه إلى السينما العالمية في لحظة كانت فيها هوليوود وأوروبا تعيدان النظر في صورة الشرق والآخر، لذا تبدو وجوهه سجلاً فنياً لتحولات ثقافية وسياسية وجمالية امتدت عبر عقود.

لا تنبع أهمية كتاب «وجوه عمر الشريف» من المادة الواسعة التي يجمعها محمود قاسم عن واحد من أشهر الممثلين العرب، فالمكتبة العربية تعرف كتباً كثيرة اشتغلت على النجوم وسيرهم وأفلامهم. ما يلفت الانتباه هنا زاوية النظر التي اختارها المؤلف منذ البداية، فبدلاً من تتبع عمر الشريف عبر تسلسل زمني يبدأ بالبدايات وينتهي بالنجومية العالمية، يذهب إلى البحث عن الصور التي تركها على الشاشة.

تطرح صفحات الكتاب أسئلة أوسع تتعلق بطبيعة النجومية، والعلاقة بين الجسد والصورة، والتحولات التي أصابت صورة الشريف في السينما المصرية.

يمكن النظر إلى الكتاب من زاويتين متكاملتين؛ الأولى تتصل بتجربة الشريف، والثانية تتصل بمحمود قاسم والطريقة التي يقرأ بها النجم والسينما والتاريخ الثقافي.

أحاول مقاربة قراءتي هذه مع الأطروحات النظرية المعاصرة في حقل “دراسات النجوم”، وتحديداً إسهامات الناقد البريطاني ريتشارد داير الذي يرى النجم علامة مركبة وصياغة فكرية تعبر عن هواجس الثقافة السائدة وتناقضاتها.

رغم أن كتاب محمود قاسم يعتمد المنهج التاريخي والحكائي في رصد مسيرة عمر الشريف، إلا أن مادته التوثيقية تتقاطع بوضوح مع قراءات الباحثة سمر عبد الرحمن حول تشكل الهوية الجندرية والوطنية لنجوم السينما في العهد الناصري، كما تفتح الفصول العالمية في الكتاب باباً لإعادة التنقيب في جذور الشريف ونشأته المنفتحة في الإسكندرية، بغية اختبار الحدود التقليدية للنجومية العابرة للأوطان.

يؤسس محمود قاسم الجزء الأول من كتابه على تقسيم يربط وجوه عمر الشريف المصرية بأسماء المخرجين الذين صاغوا هويته البصرية، تعكس هذه المنهجية وعياً عميقاً بكون النجم في السينما الكلاسيكية امتداداً للرؤية الأسلوبية للمخرج، ذلك الصانع الذي يستدعي قناعاً محدداً لخدمة السياق الدرامي والأيديولوجي للفيلم.

يمنح المؤلف تجربة عمر الشريف مع المخرج عاطف سالم موقعاً خاصاً في صلب القسم المخصص للسينما المصرية، إذ تمثل هذه المرحلة التعاون الأكثر كثافة في بداياته بواقع خمسة أفلام، والإسهام الأكبر في تشكيل صورته الأولى على الشاشة. يرى محمود قاسم أنّ “سالم” نجح في أخذ الشريف صوب فضاءات مفتوحة مفعمة بالحركة والصراع الاجتماعي، فاشتملت الأحداث على الميناء، والنهر، والمصنع، والبيئات الشعبية والتاريخية.

يقدم محمود قاسم عمر الشريف كشخصية مركزية داخل الحكاية السينمائية، تتخذ صورة “البطل الفرد” الذي تجمع تفاصيل تكوينه عناصر متباينة؛ فهو عاشق، ومحبط مهزوم أحياناً، ومدفوع إلى الصراع والمواجهة بفعل ظروف خارجة عن إرادته. ويتجلى هذا التعدد في الأدوار التي قدمها مع المخرج عاطف سالم؛ ففي فيلم “شاطئ الأسرار” (1958)، يرتدي الشريف قناع “البطل الزئبقي” ثنائي الهوية، متمثلاً في شخصية “ممدوح”، ضابط أمن السواحل المتخفي في صورة مهرب، وهي حيلة درامية نجحت في خلخلة يقين العصابة والمتفرج معاً طوال الأحداث حتى تنكشف هويته الحقيقية في النهاية.

أما في فيلم “موعد مع المجهول” (1959)، فإن قناع التخفي الأمني يسقط تماماً لصالح وجه مدني خالص؛ إذ يجسد شخصية الشاب العائد من الخارج (مجدي) الذي يروي الأحداث بنفسه، ويخوض مواجهة شرسة في ملاحات بورسعيد لكشف غوامض عصابة التهريب التي هددت وقتلت شقيقه “أمين”.

وفي فيلم “إحنا التلامذة” (1959) يرتدي وجه الطالب الفاشل المأزوم (عادل)  تكمن أزمتة في تعسّف والده وقسوته الملحوظة معه.

بينما يقدم فيلم “صراع في النيل” (1959) قناع الشاب الصعيدي الأرعن “محسب” في رحلة نضوج قاسية فوق سطح النهر ممتدة من الأقصر إلى القاهرة، يتخلص فيها من رخاوته وطفولته المدللة تحت تأثير غواية “نرجس” وعنف اللصوص، ليكتسب رجولته وصلابته مع نهاية الرحلة. وتتوج هذه المرحلة بفيلم “المماليك” (1965) الذي يرتدي فيه الشريف قناع “الحداد الثائر” ضد السلطة الغاشمة، وهو وجه يتماشى مع أيديولوجيا الستينيات الثورية وإسقاطاتها السياسية.

تمنح جغرافيا الحركة عند عاطف سالم عمر الشريف بعداً حركياً يسبق بعده النفسي؛ فالممثل في حالة صراع دائم مع البيئة. وإذ يكتفي الناقد محمود قاسم في كتابه “وجوه عمر الشريف” بالرصد السردي للمواقع الطبيعية التي دارت فيها الأفلام كملاحات بورسعيد أو مياه النيل، نستشفّ في عمق العلاقة مع المكان أبعاداً جيولوجية تكتسبها وجوه الشريف، حاملة صدى الطبيعة المصرية وقسوتها. أمام شريط السينما، يعاين المتفرج جغرافيا متحركة ترفض الاستقرار، مما يعكس قلق الفرد المصري في مرحلة بناء الدولة الوطنية، ويعطي لحضور الشريف قيمة تاريخية تتخطى حدود الأداء الدرامي التقليدي.

يحمل اختيار مفهوم “الوجوه” أبعاداً تفكك الفعل التمثيلي في جوهره؛ فالأداء الحركي والنفسي للممثل هو الوسيلة البصرية التي تكشف عن الأفكار والقيم والصراعات السائدة في مجتمعه.

وإذ يرصد الناقد محمود قاسم في كتابه “وجوه عمر الشريف” هذا التنوع الدرامي الحركي في خروج الشريف من قالب الفتى الرومانسي مع المخرج عاطف سالم، سأذهب بمفهوم “الوجوه” إلى سؤال آخر: كيف يحافظ الفنان على ذاته الحقيقية حين يرتدي قناع الشخصية الأخرى؟ هذا التساؤل ينقلنا خطوة نحو الفلسفة السينمائية، حيث تظهر قدرة عمر الشريف العالية على المحو الذاتي، تاركاً الميدان لولادة الشخصية بكامل أبعادها، وهي حالة تطهير جسدي فريدة ميزت حضوره في تاريخ الأداء العربي.

هذا المحو الذاتي ميزة مفقودة لدى كثير من الممثلين؛ فالسينما تاريخياً تنقسم بين مدرسة النجم الكاريزمي الذي يفرض ذاته الطاغية على الدور فتذوب الشخصية في هويته المعهودة، وبين الممثل الحرباء الذي يلغي ملامحه الخاصة لتولد الشخصية بجسد تعبيري جديد. وهنا تكمن خصوصية عمر الشريف في الكسر المبكر لسجن النمط؛ ففي زمنٍ كان سادراً في فرض القوالب الرومانسية على الممثل الوسيم، تخلى الشريف عن كاريزمته الخاصة ليخوض مغامرة نقدية وتجارية غير مأمونة، متنقلاً بين أشكال اجتماعية متناقضة. تعكس هذه المرونة قدرة خاصة على تجسيد ملامح المجتمع وتناقضاته، وتقديمها فوق الشاشة بصيغة بصرية حية تنبض بالواقع.

يقدم محمود قاسم تجربة عمر الشريف مع كمال الشيخ في إطار يختلف عن تجربته مع عاطف سالم من حيث الأجواء وبناء التوتر؛ فالأفلام التي جمعتهما تتحرك في الظلام والليل، ويسودها التصوير الليلي والعتمة النفسية، غير أن الغموض فيها ينجلي مبكراً أمام المشاهد؛ فالأفعال الأساسية تُعرض بوضوح، والجريمة أو الخطة تكون معروفة للمتلقي في وقت مبكر. ويطرح قاسم كمال الشيخ مخرجاً للتوتر المكشوف؛ إذ يدور السؤال في هذه الأفلام حول كيفية انتهاء الخطة وانكشاف الفاعل، مبرزاً نوعاً من البناء البوليسي يقوم على كشف الفعل للمشاهد وترك الشخصيات داخل دائرة الجهل.

ويرى قاسم أن ملامح الشريف في تلك الأفلام تقوم على نموذج واحد: الشاب الوسيم المأزوم، القابع دائماً في قلب اختبارٍ أخلاقي أو عاطفي أو وطني؛ ففي “أرض السلام” (1957) يبرز “وجه الفدائي” القومي الأوضح سياسياً، وفي “سيدة القصر” (1958) يتقمص الشريف دور عادل الأرستقراطي المستهتر الذي تحاصره شلة انتهازية تستنزف ماله، إن محمود قاسم يرى في سوسن بطلاً حقيقياً مستحوذاً على مساحات درامية تفوق عادل نفسه، لتصبح سيدة القصر الفدائية بقيم طبقتها الوسطى.

يلحظُ المؤلف في هذا الوجه صراعاً طبقياً ناعماً يعاد فيه تهذيب الأرستقراطية عبر قيم الطبقة الوسطى المحافظة.

اختصر محمود قاسم سينما كمال الشيخ عند حدود الحبكة المكتوبة على حساب الأداء التمثيلي لعمر الشريف؛ فقاسم يربط التوتر بآلية السيناريو القائمة على كشف الخطة للمتلقي وتجهيل الشخصيات دون أن يتعمق بدور الجسد في تجسيد هذه العتمة النفسية والتي طوّع فيها الممثل أدواته ليعكس قلقه الداخلي.

يرى قاسم أن تعاون عمر الشريف مع رائد الواقعية صلاح أبو سيف يشكل انعطافاً نوعياً في مسيرته، وينتقل بالتحليل من عوالم الجريمة والتوتر البوليسي صوب فضاء الواقعية الاجتماعية، وتفكيك النمط التقليدي للفتى الوسيم والدون جوان.

ففي فيلم «لا أنام» (1957) يؤدي الشريف دوراً غير مألوف، متمثلاً في شخصية العم “عزيز” الذي يقع ضحية لمؤامرات ابنة أخيه المراهقة نادية (فاتن حمامة)، التي تبث الشكوك في قلب والدها حول علاقة عزيز بزوجته الشابة، فيغدو عزيز قناعاً للبراءة العائلية العاجزة أمام حيل المراهقة المأزومة.

ويرتدي الشريف في «بداية ونهاية» (1960) أحد أقسى وجوهه، وجه “حسنين كامل”، الشاب الوصولي الأناني المتمرد على واقع عائلته الفقيرة التي اضطرت للسكن في “بدروم” ضيق إثر وفاة الأب. يمثل حسنين تعرية حادة لنمط الذكورة النرجسية؛ إذ يضحي بتعليم شقيقه ويستغل تضحيات أخته نفيسة (سناء جميل)، مدفوعاً بطموحه العسكري الأرستقراطي وصعوده الطبقي، لينتهي واقعه بالانتحار إثر انكشاف مهنة أخته.

وفي فيلم «لوعة الحب» (1960)، المقتبس عن رواية إميل زولا (الوحش الآدمي)، يؤدي دور مساعد سائق القطار “حسن” الذي يقع في حب “آمال” (شادية) زوجة رئيسه السائق الفظ “محمود” (أحمد مظهر)، في دراسة واقعية عميقة لبيئة عمال السكة الحديد وصراع الواجب والشهوة.

ويعود الشريف في مرحلة الشيخوخة مع أبو سيف في «المواطن مصري» (1991) ليتقمص وجه “العمدة عبد الرازق”؛ الوجه الذي يمثل الإقطاع الريفي الجديد في عهد الانفتاح الاقتصادي، ممارساً سلطة غاشمة بشراء شاب فقير للتجنيد بدلاً من ابنه المستهتر.

يؤسس محمود قاسم قراءته لسينما صلاح أبو سيف على رؤية نقدية تنزع عن عمر الشريف قالب الوسامة المعتاد؛ فالناقد يرصد بدقة كيف طُوّعت ملامح النجم لتعبر عن الفروق الطبقية بين الأغنياء والفقراء؛ إذ تخرج الجاذبية هنا من إطارها الرومانسي المألوف لتفضح هوس الارتقاء الطبقي، كما يظهر في تحليله لشخصيتي حسنين في “بداية ونهاية” والعمدة عبد الرازق في “المواطن مصري”.

غير أن هذا الطرح يرتكز على هيمنة المنظور الأدبي الراصد للدوافع النفسية والحبكات المكتوبة؛ إذ يستند التقييم النقدي في الفصل إلى مدى تطابق الأداء على الشاشة مع الأصول الروائية لنجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وإميل زولا. فقراءة الوجه تقف عند حدود المضمون الحكائي للشخصية، مغفلة المعطيات البصرية التشكيلية؛ فلا نجد تفكيكاً لآليات الحركة البدنية أو لسينوغرافيا الفضاء الضيق التي شكلت فيزياء الأداء الفعلي للممثل.

يرتبط اسم يوسف شاهين بالولادة السينمائية لعمر الشريف؛ إذ يمنح محمود قاسم هذه التجربة موقعاً أساسياً لكونها البداية الفعلية لمسيرته في فيلم “صراع في الوادي” (1954). يتناول قاسم شخصية المهندس الزراعي أحمد، البطل المتمرّد ضدّ الباشا الإقطاعي، في اتساق مع قيم ثورة يوليو والصراع الطبقي.

ويقدّم مؤلّف الكتاب في فيلم “شيطان الصحراء” (1954)، قراءة تلمس البعد الجسدي للأداء، لافتاً إلى خفة حركة الممثل وقدرته البدنية على ركوب الخيل، مما يبرز صورة فارس الصحراء والمغامرة ذات الطابع الاستعراضي القريب من سينما الغرب الأمريكي. أمّا في “صراع في الميناء” (1956)، فيرصد التحليل شخصية البحار رجب العائد من الغربة ليدخل في صراع عمالي ونقابي ممتزج بميلودراما عائلية وتراجيدية الغيرة الشكسبيرية الهدامة.

غير أن قراءة قاسم في هذا الفصل تظل مأخوذة بالسياق العاطفي والسياسي للشخصيات، مضحية بالنهج الإخراجي المميز لسينما شاهين؛ فالتحليل ينصرف نحو سرد الحكاية وعلاقات الحب، مغفلاً تفكيك الإيقاع الحركي العنيف للممثل، وكيف طوّع شاهين انفعالات الشريف الجسدية وصراخه الحاد ليعلن عن ولادة نجم يعتمد على حيوية الأداء التعبيري وحضور الجسد، بدلاً من الركون إلى ملامحه الوسيمة.

يستبصر محمود قاسم في عودة عمر الشريف مع هاني لاشين نضجاً إنسانياً يفارق بريق النجومية المعتاد، ويتجه صوب مراجعة الذات والتكفير عن خطايا الماضي. ففي فيلم “أيوب” (1983)، يتلاشى العنفوان المالي والملامح المألوفة ليتصدر الشاشة وجهٌ واهن لرجل أعمال قيدّه الشلل، لكنه يسترد نقاءه الأخلاقي وهو يخط مذكراته الكاشفة لزيف الحقبة الاقتصادي. وفي “الأراجوز” (1989)، تخلع الملامح الأرستقراطية رداءها العالمي تماماً لتلتحم بروح فنان شعبي بسيط، يقود عربته الخشبية ليجسد الحكمة الشعبية الفطرية والمقاومة الاجتماعية في أنقى صورها.

تكمن ميزة قراءة محمود قاسم هنا في التقاط التحول القيمي لأداء عمر الشريف، حيث ربط انكسار الملامح برغبة الشخصية في التطهر الأخلاقي والعودة للجذور، غير أن هذا المنظور يظل أسيراً للأبعاد السياسية والأدبية؛ إذ ينصرف نحو فحص المضمون الحكائي والرمزي، مغفلاً الخصوصية البصرية لسينما لاشين، وبخاصة بلاغة السكون ونظرات العين الصامتة في اللقطات القريبة.

ينتقل محمود قاسم إلى الوجوه العالمية لعمر الشريف، ليرصد كيف أسهم تكوينه الثقافي المنفتح في تشكيل حضوره الدولي.

في فيلم “لورنس العرب” (1962)، يقف التحليل أمام البداية الملحمية التي منحت الشريف فرصة كسر الصورة النمطية والمحدودة للممثل الشرقي في السينما الغربية؛ إذ قدم وجهاً يجمع بين الغموض والجاذبية الإنسانية الكونية، مما أهّله لأداء أدوار عابرة للقوميات، ويتجلى هذا التعدد العرقي في فيلم “دكتور زيفاجو” (1965) عبر ملامح الطبيب الروسي يوري زيفاجو، البطل الهادئ الذي تتقاذفه التحولات السياسية، ويشيد الناقد بذكاء الممثل في فرض حضور ندّ لنجوم الغرب، نائياً بنفسه عن الأدوار الهامشية.

تتبع القراءة النقدية مسيرة الشريف وهي تواجه مطبات فكرية وسياسية معقدة؛ مثل تجسيده شخصية الثائر اللاتيني في فيلم “تشي” (1969)، ومشاركته في فيلم “فتاة مرحة” (1968)، وصولاً إلى دوره في فيلم “السيد إبراهيم وزهور القرآن” (2003).

يتوقف محمود قاسم  أمام مسيرة عمر الشريف بعد حقبة الستينيات الذهبية؛ إذ يرى أن السينما الغربية لم تحسن دائماً استغلال طاقته التمثيلية، وحصرته في أدوار مكررة للأجنبي الغامض أو الأرستقراطي الأنيق في أفلام المغامرات والتاريخ. ويشير الناقد إلى أن خيارات النجم في هذه المرحلة أصبحت محكومة بمتطلبات السوق والالتزامات الإنتاجية والمالية، مما جعل أداءه في بعض الأفلام يفتقد الحيوية والعمق اللذين ميزا أدواره الأولى.

يستعين محمود قاسم بصفحات من مذكرات عمر الشريف «الذكر الخالد»، ليمنح السرد صوتاً ذاتياً يوثق تفاصيل رحلته ونظرته الشخصية نحو النجومية الدولية، ويتتبع الناقد عبر هذه الاعترافات كيف تطورت موهبة الشريف ونضجت أدواته؛ إذ يرى أن النجم نجح في انتزاع مكانة رفيعة بين عمالقة السينما الغربية بفضل حضوره الواثق وهدوء أدائه، مبرهناً على قدرته العالية في الانتقال من أدوار الفتى الوسيم إلى تجسيد شخصيات إنسانية وتاريخية معقدة فرضت احترامها على الشاشة العالمية.

يرصد كتاب محمود قاسم الوجوه السينمائية لعمر الشريف عبر توثيق رحلته التاريخية، وتتبع البناء الحكائي لأفلامه المحلية والعالمية. غير أن قراءة هذه المسيرة تكشف عن صلة وثيقة بين تلك الوجوه والسياقات الاجتماعية والثقافية التي واكبت صعود النجم وصنعت حضوره.

ففي المرحلة المصرية التي يتتبعها الكتاب، يأتي تحول الشريف من أدوار الشاب الأرستقراطي إلى ابن البيئة الشعبية والزراعية متوازياً مع تحولات العهد الناصري؛ إذ أصبحت الشخصيات التي يحللها المؤلف – كالمهندس في “صراع في الوادي” أو المناضل في “في بيتنا رجل”- بمثابة صياغة بصرية لنمط “الرجل الوطني الحديث”، وحملت ملامح النجم قيم الشهامة والفروسية التي توازن بين التحديث والأصالة الشرقية تماشياً مع خطاب تلك الحقبة.

وعلى النحو ذاته، فإن مرونة الوجه العالمي للشريف وقدرته على أداء أدوار عابرة للقوميات- والتي رصدها الكتاب تاريخياً- تجد تفسيرها الأعمق في جذور نشأته الأولى؛ فالإسكندرية المنفتحة وثقافتها المتعددة، إلى جانب التعليم البريطاني في كلية فيكتوريا، هي العوامل التي صاغت وعي الشريف اللغوي، ومنحت ملامحه مرونة تتعدى الأنماط الضيقة التي تفرضها هوليوود عادة على الممثل الشرقي، ليتحول وجهه إلى قناع إنساني قادر على استيعاب هويات عالمية متعددة.