فيلم “كولونيا” لمحمد صيام: مرثية للذات وللعالم

أخيرا شاهدت فيلما مصريا جادا، يحترم المشاهد، لا يعبث بموضوعه ولا يستخف به وبنا، يتعامل بحرفية عالية مع لغة السينما، مع الصورة السينمائية، يلتزم بالواقعية في تفاصيل الصورة، والمكان، ولكنه يضفي أيضا لمسات تأثيرية مدهشة على الصورة، بحيث يصبح الفيلم بأسره كما لو حلما أو كابوسا يدور داخل ذهن مشتعل، مضطرب، يحاول أن يلملم اطراف الماضي، ويستعيد الفقدان من خلال استعادة ما كان في العلاقة المعقدة بين الأب والابن، اي الأب الذي يخفي حبه لابنه في ثياب المستبد، القاسي، المهيمن، الساخر، المتهكم، والابن الذي يخفي احتياجه الشديد إلى الأب، بالجفاء والرفض والتمرد والاستهجان.

هذا هو أول الأفلام الروائية الطويلة للمخرج محمد صيام بعد أن أخرج اثنين من الأفلام التسجيلية الطويلة، وهو الذي كتب له السيناريو مع أحمد عامر. ولابد أن يكون موضوع الفيلم ذا صلة بالعالم الشخصي لمخرجه ومؤلفه، وهو ما تشي به تفاصيل كثيرة في بنية الفيلم، بالإضافة بالطبع إلى الحوار المدهش الذي ينطلق على ألسنة الشخصيات الرئيسية في سلاسة واتساق وواقعية شديدة، من دون أي مبالغة أو افتعال أو انحراف عن طبيعة الشخصية وطبيعة العلاقة بين الأب، المستبد- العادل- المحب، من جهة، والإبن الذي يحاول أن يسيطر على مشاعره ومداراة اضطرابه الداخلي وشعوره بالعجز عن طريق التظاهر بالقوة وقدرة على التحكم.

كان أول ما يمكن الشعور به عند مشاهدة الفيلم انه مصنوع بانسجام كبير بين جميع العاملين فيه، بحي لموضوعه وشخصياته، باهتمام بكل تفاصيل الصورة، بشريط صوت بديع، في الخلفية أغاني تشي بطبيعة الشخصية الرئيسية أي شخصية الأب المريض، ومزاجها الخاص، وباهتمام بالضوء والألوان واختيار الأماكن، والتعامل مع هذه الأماكن بشكل مدقق لا بعشوائية وارتجال.

يدور الفيلم حول تلك العلاقة المعقدة بين ابن شاب يشعر بالفشل لكنه لا يريد الاعتراف بفشله، وأب كهل مريض في المرحلة الأخيرة من مرض السرطان، مشرف على الموت، بل إن الفيلم يبدأ بموته وتشييع جثمانه في المشاهد الأولى، ثم يعود في بنيته السردية إلى اليوم السابق مباشرة بعد خروج الأب “عمر” (كامل الباشا) من المستشفى حيث كان يرقد لعدة أشهر شبه غائب عن الوعي، وغائبا عن ابنه الأصغر “فاروق” (أحمد مالك)، وابنه الأكبر “علي” (عابد عناني). وبالتالي فكل ما نراه في الفيلم يحدث في ذلك اليوم الذي يسبق وفاة الأب، خصوصا في ساعات المساء والليل.

هذا فيلم عن الموت، الذي يجاور الحياة، وعن الحياة التي تبدو وكأنها الموت نفسه، عن الرغبة في التواصل ونحن على عتبة الفراق، بين أب يسعى لكي ينقل لابنه ما يعاني منه من آثار ِمرهقٍ يثقل عليه كثيرا، ومع ذلك لا يبدو أنه يرغب في التوقف عن تقمص دور “الأب- السيد”، وابن يشعر بالغضب بسبب ما عاناه في طفولته من غياب الأم، ومن إهمال الأب، فانحرف عن الطريق، تخلى عن دراسة الصيدلة، وسقط في إدمان المخدرات بل وأصبح يتاجر في الحبوب المخدرة أيضا.

هذه العلاقة المعقدة، يحاول الاثنان فض التباساتها، عندما يجتمعان معا في الليلة التي تسبق وفاة الأب، مع غياب الإبن الأكبر الذي من الواضح أنه لا يكترث سوى لنفسه ولحياته الخاصة مع أسرته، يتوق إلى أن يرث ما يمكن أن يتركه الأب، بينما يميل الابن الأصغر “فاروق” إلى التخلي عن كل شيء، فلم يعد هناك ما يعني له شيئا في الحياة، وسنراه في المشهد الأخير من الفيلم وهو يواجه مصيره وحيدا في الشارع.

يبدأ الفيلم بحلم نرى خلاله فاروقا وهو يصرخ صرخات متعاقبة. إنه تمهيد لما سيحدث بعد ذلك حينما يكتشف مع أخيه وفاة الأب في سيارته خارج البيت. وينتهي الفيلم بفاروق وهو يصرخ معبرا عن غضبه على نفسه وعلى العالم بأسره، وهو قد أصبح وحيدا تماما بعد أن أمضى ليوما وليلة في صحبة أبيه، ولأول مرة في حياتهما معا، شعرا أنهما قد أصبحا يفهمان بعضهما البعض ويشعران بمأساة كل منهما.

هل تحرر فاروق أخيرا من هيمنة الأب المستبد، أم أصبح أسير نفسه التي تجعله حتى عاجزا عن التعبير عن حبه للفتاة الوحيدة التي أحبته “سارة” (مايان السيد) وتصر على التمسك به رغم كل عناده ورفضه الذي يعكس بوضوح خشيته من الارتباط، من فكرة بناء “عائلة” وهو الذي يشعر بأنه لم تكن له في أي وقت عائلة بالمعنى الذي يفهمه.

نحن أمام عمل يحاول أن يسبر أغوار النفس وأن يفكك كل تلك التعقيدات التي تدور في مساحة تقع بين الحب والكراهية، الرفض والقبول، الكشف عن أسرار كانت كامنة في الماضي، والرغبة في التواصل واستعادة الود الفطري المفقود في الحاضر. لذلك تهيمن على الصورة في الفيلم مساحات مظلمة، تشي بموضوعة الموت التي تفرض نفسها على السياق، مع تأثيرات الضوء الطبيعي التي تصنع صورا تفيض بكل مشاعر الشجن والحزن والألم والاضطراب والرغبة في الفضفضة.

يتمتع الفيلم ببناء سينمائي فني محكم، يقوم على شخصيات واضحة، مع غياب مقصود لحبكة درامية تقليدية، والاعتماد بدلا من ذلك، على تفجير الدراما من خلال تفكيك تلك العلاقة المأزومة بين الشخصيات الثلاث الرئيسية: عمر وابنه فاروق أساسا، وحبيبته سارة من ناحية أخرى، مع استخدام جيد لتفاصيل وتأثير المكان الخانق داخل الشقة التي يدور فيها قسم كبير من مشاهد الفيلم، مع صورة ضبابية شاحبة توحي بالوحشة والعزلة في المشاهد الخارجية التي تدور في شوارع الإسكندرية. فالشوارع تكاد تخلو من البشر، ومعظمها مشاهد ليلية يضفى عليها مدير التصوير البارع الموهوب عمر أبو دومة، أسلوبا أقرب إلى التأثيرية، تاركا للمشاهد متعة الاكتشاف والإحساس بما تنتجه الصورة. هنا تصبح الصور، أو اللقطات المصورة، الوسيلة الأساسية التي يصل من خلالها التأثير المطلوب من كل لقطة، ففي فيلم كهذا لا يعد سياق السرد وطريقة دفعه إلى الأمام، هي الوسيلة الأساسية في تحقيق التأثير، بل الصورة، بمكوناتها: ديكورات، إكسسوارات، تفاصيل صغيرة وضعت بعناية هنا وهناك، زوايا ضيقة تلتقط الكاميرا منها اللقطات، وضع الممثل داخل اللقطة، التكوينات، طول اللقطة الذي يعبر عن الحالة الذهنية لبطل الفيلم أي فاروق نفسه، الممزق بين ماضيه مع عائلته التي يعتقد أنها “لم توجد أصلا”، وبين والده الذي يريد أن يحقق التواصل مع ابنه العاق قبيل رحيله المرتقب عن الحياة في أي لحظة.

المخرج محمد صيام

لا شك أن فيلم “كولونيا” يعد مغامرة فنية تتجاوز السينما السائدة، وتتحرر من قوالبها المألوفة، وتتخلص من النمطية والميل المفتعل تجاه التهريج، وتبحث في علاقة خاصة، ولكنها أيضا نتاج مجتمع قهري، يعاني من الشيخوخة والمرض، فعلي صعيد آخر، من الممكن رؤية شخصية الأب باعتبارها تجسيدا للاستبداد والقهر. بينما يصبح الابن، نموذجا لنتاج مجتمع القهر. وما غياب الأم المبكر سوى غياب للرحمة، للتوازن النفسي، للحب الذي كان يجب أن يكون موجودا من البداية وينتج النجاح بدلا من إنتاج الفشل والوحدة والفراق الطويل، بل والميل إلى الانتحار أيضا.

ليس من الممكن أن نغفل هنا عنصر التمثيل، فالفيلم يعتمد اعتمادا رئيسيا على أداء الممثلين، ولم يكن للفيلم أن يوجد من دون وجود ممثلين متمرسين، يفهمون أدوارهم جيدا، ويتمتعون بالقدرة على استخدام عبارات الحوار في طلاقة وتلقائية شديدة مع حركة الجسد واليدين وتعبيرات الوجه والعينين، مع التدقيق حتى في استخدام لهجة سكان الإسكندرية.

الممثل الفلسطيني الكبير كمال الباشا يؤدي دور الأب المريض المسن “عمر”، فلا تفلت منه اللهجة ولا في عبارة واحدة، ولا يفلت منه الانسجام في الأداء في نفس واحد وإيقاع ممتد يتحكم فيه بدقة شديدة، يعلو ويهبط مع صعود وهبوط الحالة الذهنية والعقلية والجسدية، وتفاقم الشعور بالألم مع اشتداد المرض، بحيث يجعلنا كمشاهدين نشعر بكل نبضة ألم في جسده، وننتقل من الشعور بالإعراض عنه ورفضه بسبب قسوته وميله المستمر للتهكم، إلى الشعور بأزمته الشخصية، وتشبثه بالرغبة في المكاشفة والمصارحة والتكفير، وتعبيره الخاص عن الحب.

يلمع في الفيلم الممثل أحمد مالك، في دور الإبن، وهو الذي يدهشنا من فيلم إلى آخر، بقدرته على العيش داخل جلد الشخصية التي يؤديها، وقدرته على التلون والتحول والانتقال بين المواقف المختلفة، تارة يشعرك بالغضب من فظاظته وسوء سلوكه، وتارة أخرى يشعرك بالتعاطف والتفهم والقرب منه، مع شعور مستمر بتقلبه وغضبه وتمرده وسخطه وحبه لساره الذي يجعله أكثر شعورا بالاضطراب والخوف.

وأدت مايان السيد دور ساره فجعلت منها شخصية ساحرة، شديدة الواقعية والصدق، مع لمسة خاصة من العبث وخفة الظل من دون أي ابتذال أو مبالغة.

“كولونيا” أو “رائحة الأب” (حسب العنوان باللغات الأجنبية للفيلم) عمل آثر، يثير الشجون، ويدفع إلى التفكير والتأمل من دون أن يفقد جاذبيته البصرية وتدفقه في الانتقال من مشهد إلى آخر. أما الكولونيا فهو عطر قديم من الماضي، كان يستخدمه الأب، ويلجأ إليه الابن في الفيلم لإزالة رائحة غير مستحبة في الغرفة. وقنينة الكولونيا هي كل ما يحصل عليه في النهاية مما تركه الأب!  

هناك بعض النماذج البشرية الغريبة التي نراها في الفيلم، وهي تعكس عالم المدينة الغريب، الليلي، الخفي، كشخصية رجل ملتح يظهر يجلس على سلم حجري بجوار فاروق، يمنحه فاروق بعض المال، من دون أن نعرف السبب، وغالبا هو يرتبط بالعالم السفلي للمتاجرين في المخدرات، وهناك شخصية الرجل القزم “رجب”، التي يؤديها الممثل شهاب إبراهيم، أو المرأة من الجنس المتحول التي تؤديها ببراعة الممثلة “هالة مرزوق” وهي التاجرة التي تزود فاروق بالمخدرات. وربما يكون هناك بعض التكرار في العودة إلى استخدام نفس الحوار في مشهد آخر بين الأب والابن، وبعض الكاريكاتورية في تصوير الطبيب الذي جاء لفحص الأب الميت (في بداية الفيلم) الذي جعله المخرج يبدو أكثر شبها بما كان يعرف في الماضي بـ”حلاق الصحة”، إلا أنها ساهمت أيضا في صنع ذلك الجو الخاص للفيلم، ذلك المزاج الغريب المدهش الذي يحتل مساحة لا يمكن التخلص منها، من وعيك السينمائي.

“كولونيا” عمل يستحق المشاهدة، ربما أكثر من مرة، لكي يمكنك حقا الاستمتاع به، وخصوصا بأداء ممثليه، وصوره المدهشة. إنه مرثية للذات المعذبة، وللعالم الذي يظلمنا جميعا.