“حكايات متوازية” فيلم أصغر فرهادي الجديد في مهرجان كان

اعتدنا أن نرى في سينما المخرج الإيراني الكبير أصغر فرهادي، شخصيات متعددة، لا أحد منها بريء تمامًا، ولا أحد مذنب بالكامل، تتحرك هذه الشخصيات داخل شبكة معقدة، قد تجعلها تتخذ قرارات صغيرة تنتهي إلى مآزق أخلاقية كبرى. فرهادي لا يدين هذه الشخصيات نتيجة أخطائها، بقدر ما يهتم عادة بتعرية البنية الاجتماعية التي تنتج مآزقها. وهكذا كان يقوم ببناء سياق للسرد المحكم، يعتمد على التوتر والتصاعد الدرامي، بحيث تنبثق الأسئلة الأخلاقية من قلب الحدث نفسه.

كان هذا ما يميز سينما فرهادي التي كانت تنتج “تحت الرقابة” داخل إيران، بل وحتى عندما أخرج “الماضي” في فرنسا، ظل يحافظ على نفس البنية السردية، مخلصا لتقاليد السينما الواقعية الإيرانية، تلك الواقعية التي انتقلت من التأمل الفلسفي المفتوح (عند عباس كيارستمي مثلا) إلى الدراما الأخلاقية المركّبة التي تعكس تعقيدات العلاقات الاجتماعية في إيران المعاصرة.

بعد غياب خمس سنوات، عاد فرهادي بفيلم جديد، من الإنتاج الفرنسي، صور في باريس، إلى مسابقة مهرجان كان التي توج فيها من قبل عن فيلم “الماضي” بالسعفة الذهبية. وهذا هو فيلم “حكايات متوازية” Parallel Tales الذي أسند بطولته إلى الممثلة الفرنسية المخضرمة إيزابيل أوبير، والبلجيكية فيرجيني إيفرا، وإلى جانبهما الممثل الفرنسي فنسنت كاسيل وزميله بيير نيني، ولكنه أسند دورا رئيسيا محوريا في الفيلم إلى الممثل الفرنسي من أصل تونسي آدم بيسه، مع دور هامشي لكاترين دينيف.

 كتب فرهادي سيناريو فيلمه مع شقيقه سعيد فرهادي، واقتبسه عن الفصل السادس من مسلسل “ديكالوج” أو “الوصايا العشر” للمخرج البولندي الراحل كريشتوف كيشلوفسكي الذي تحول إلى “فيلم قصير عن الحب” مستندا إلى الوصية السادسة من الوصايا العشر “لا تزني”.

فرهادي يوجه إيزابيل أوبير

والحقيقة أنني لم أجد علاقة وثيقة بين الفيلمين بعد أن عدت لمشاهدة فيلم كيشلوفسكي الرائع.. فالموضوع ليس الحب ولا الخشية من الوقوع في الزنا، بل إن فرهادي لا ينطلق من الفيلم القديم ليصنع فيلمه الخاص، أو “ثيمته” الخاصة التي تدور عن الأخلاق، عن الاختيارات، عن الهاجس الذي قد يدفع المرء الى الكذب والى التورط فيما لم يكن مخططا له في البداية، ومن ثم تتسع الفكرة وتتعقد الخيوط وتتداخل الشخصيات، وتنتقل بين الواقع والخيال. لكنه بدلا من ذلك يبتعد في بنية فيلمه السردية عن مجاله المعروف، ويتورط في استطرادات وعلاقات غير واضحة أو مصطنعة، أي بعيدة عن الواقع، بل وكثيرا ما تبدو كما لو كانت مستمدة من الخيال السائد في بعض أفلام الإثارة والتلصص القديمة.

الفكرة الأساسية في فيلم “حكايات متوازية” هي “التلصص” على الآخرين، ومنها تنتج كل التعقيدات والتداعيات المثيرة التي نراها، لكن بنية السرد تبدو، خصوصا في الجزء الأول من الفيلم، محاطة بالغموض والتشتت وعدم وضوح الرؤية وكثرة وتعدد الشخصيات بصورة مربكة بل وأحيانا زائدة عن الحاجة، كما أن الفيلم لا يتركز في حدث ما يقوم فرهادي بتفكيكه وخلال ذلك يفكك المجتمع الذي أنتج كل تلك الأكاذيب والانحرافات الأخلاقية الصغيرة جريا على عادته في أفلامه السابقة، بل يغويه أكثر مساءلة العلاقة بين الواقع والخيال، وهل يضفي الخيال على الواقع ما يجعله أكثر جمالا وجاذبية؟ أي هل أن ما نعيشه في الواقع أقل جمالا من الخيال أو مما يمكن أن نتخيله أو يتخيله الكاتب الروائي المبدع عنه؟ وهل من المشروع أن يقتبس الكاتب من التلصص على حياة الآخرين؟ لكن حتى هذه الفكرة وهي جيدة، لا يتم إشباعها في الفيلم.

يبدأ الفيلم في مترو أنفاق باريس، حيث تتعرض فتاة هي “سيلين” لسرقة حقيبتها، فيقوم شاب بمطاردة السارق واستعادة الحقيبة الصغيرة، فتعجب سيلين بشجاعة صاحبنا هذا ويدعى “آدم” (آدم بيسة)، وتعرض عليه العمل لدى خالتها الكاتبة الروائية “سيلفي” (إيزابيل أوبير). فسيلفي كما نرى، تقيم في شقة قديمة تمتليء بالكتب والفئران، تريد التخلص من الكتب وتتأهب لمغادرة الشقة لكي تباع لأن “سيلين” شريكة فيها وتريد نصيبها من المال. وكل هذه حشو لا طائل من وراءه، مقصود منه فقط أن يلتحق آدم بالعمل لدى سيلين التي انتهت لتوها من تأليف رواية استمدت أحداثها وشخصياتها مما أنتجه خيالها الخاص من التلصص على ما يحدث في شقة في بناية مقابلة. وينحصر دور آدم الآن في مساعدة سيلفي على ترتيب أغراضها في الشقة والتخلص مما يجب التخلص منه.

في البداية سنرى أن الشقة المقابلة هي عبارة عن ستديو لتسجيل المؤثرات الصوتية، استأجره مهندس الصوت “بيير” (فنسنت كاسيل) الذي يعمل مع شقيقه الأصغر سنا “كريستوف” (بيير نيني)، ويتعاون بيير مع الشقراء الفاتنة “نيتا” (فيرجيني إفيرا) في توليد المؤثرات الصوتية بطرق بدائية للغاية، فهما مثلا يقلدان أصوات الأمواج بتحريك أرجلهما فوق بساط معين، أو تطرق فيرجيني الأرض بكعب حذائها لمحاكاة الصوت ومع الصورة، والحقيقة أن المرء يتساءل هل هذه وسائل توليد المؤثرات الصوتية اليوم؟ أم أننا أمام عمل ينتمي إلى منتصف القرن العشرين مثلا؟ فتوليد مثل هذه المؤثرات حسب ما نعرفه يتم حاليا بواسطة برامج خاصة (سوف وير) وليس عن طريق تلك الوسائل البدائية مثل الطرق على الأرض بالأحذية أو الصفير وما إلى ذلك. لكن الفيلم يدور في العصر الحاضر، عصر الموبايل الذي يستخدم كثيرا في هذا الفيلم.

الأهم من الموبايل هو المنظار المكبر (الذي يشبه  ما كان يستخدمه جيمس ستيوارت في فيلم هيتشكوك الشهير “النافذة الخلفية”  (1954) الذي تتلصص من خلاله “سيلفي” على جيرانها، وهي تتوهم وجود علاقة خيانة جنسية، أو أن المرأة الحسناء التي تسميها “آنا” تخون زوجها “كريستوف” مع “بيير”. والمشكلة أننا نشاهد جانبا من تلك القصة (الخيالية) في بداية الفيلم فنظن أنها القصة الحقيقية وإن كانت سيلفي ترويها بصوتها، إلى أن نكتشف فيما بعد أن الحقيقة غير ذلك. لكن الرواية التي اكتملت، لا تثير حماسة الناشرة (السيدة كاترين دينيف شخصيا)، فتغضب سيلفي وتلقي بها بعيدا، لكن آدم يلتقطها ويقرأها ويعجب بها أيما إعجاب، ثم ينتقل هو نفسه للتلصص بالمنظار على ما يجري في الشقة المقابلة، الاستديو، ويتجه خياله بقوة ناحية الشقراء الجميلة التي يعرف أن اسمها الحقيقي هو “نيتا”، فيطاردها ويتعمد اللقاء بها في المقهى الذي تتناول فيه فطورها يوميا، ويقدم لها الرواية باعتبارها من تأليفه، وطبعا ستكتشف أن شخصيتها استخدمت في الرواية مع شخصيتي الرجلين على نحو مشوه، ثم تعرض الرواية على كريستوف وبيير، لترتبك الأحداث وتتعقد أكثر فأكثر، وفي لحظة ما يطغى الخيال على الواقع، فيتسلل الشك في نفس كريستوف تجاه شقيقه بيير حينما يشك في أنه يقيم بالفعل علاقة مع نيتا، كما أن طغيان الخيال على بيير يجعله يتخيل إمكانية إقامة علاقة جنسية مع نيتا فيتحرش بها لتصده بقوة، وتقع خلافات وتوترات.. ويمكنك أن تتخيل كما تشاء، فلسنا في معرض الكشف عما ستنتهي إليه كل هذه الخلطة الغريبة التي لا طائل من وراءها في الواقع. فليس هناك الكثير.

آدم بيسة مع فيرجيني إيفيرا

صحيح أن هناك اهتماما كبيرا بالصورة، بتفاصيل المكان، بالتكوينات، وبتجسيد التباين بين الإضاءة القاتمة المعتمة داخل شقة سيلفي مع الديكورات القديمة العتيقة التي توحي بالتقليدية والانغلاق، وبين الإضاءة الناعمة الحالمة داخل ستديو المؤثرات الصوتية التي تصنع غلافا من الخيال. وصحيح أن الفيلم يولي اهتماما كبيرا للصوت، ويكشف عن طبقاته المتعددة في حرص وتمهل وتأثير نفسي جيد، مع استخدام بديع للموسيقى، إلا أن المشكلة تظل كامنة في تلك الشخصيات السطحية التي لا نعرف عنها الكثير، فمن هو آدم مثلا؟ هل هو ماهي جذوره وأصوله ولماذا أصبح فجأة على هذا النحو من الشغف بالكتابة والإبداع الأدبي؟ ستكتشف سيلفي أنه سجن بسبب السرقة لكنه يقول لها إنه لا يسرق من الأشخاص بل من المحلات، ومع ذلك سيسرق روايتها وينسبها لنفسه.

ونحن لا نعرف الكثير عن “نيتا”: هل هي متزوجة، هل لديها عائلة، كيف تعيش في حياتها الخاصة، ولماذا تعمل في هذا العمل الهامشي البسيط بينما كان يمكن أن تصبح نجمة سينمائية طالما أنها تتمتع بجمال “فيرجيني إلفيرا”؟!

 أما “”سيلفي” الروائية، فهي ذات بعد واحد: امرأة ملولة، تشعر بالاستياء والغضب وعدم التوافق مع العالم، تعيش في شقة مظلمة، تكتب باستخدام آلة كاتبة عتيقة تنتمي للقرن الماضي، لا حياة لها خارج هذا النطاق الضيق، وعندما تبدي الناشرة تحفظا على روايتها الجديدة تقرر اعتزال الكتابة فالمقصود أنها تنتمي لعصر مضى (قد يكون عصر أغاثا كريستي مثلا!) ولم يعد العصر الجديد ملائما لها!

 كان يمكن أن يصبح موضوع الكذب المادة الأساسية للفيلم، كذب آدم على سيلفي عندما لم يطلعها على أنه سجن من قبل، وكذبه على نيتا بادعاء أنه صاحب الرواية، وكذب بيير على زوجته، ومحاولة التغطية على الأكاذيب باختراع أكاذيب جديدة، وما يؤدي إليه هذا من توترات. إلا أن فرهادي فضل أن يصنع عملا أقرب إلى أفلام الإثارة والتشويق، ولكن من دون أي تشويق بل يعاني فيلمه من الترهل في الإيقاع، واتساع المساحة الزمنية للسرد مع تكرار الفكرة، مع اللجوء كثيرا الى استخدام التعليق الصوتي من خارج الكادر على نحو يشتت الانتباه.Bottom of Form

في أفلام مثل “عن إيللي” و”انفصال نادر وسيمين”، و”البائع”، كنا أمام عالم يبدو، للوهلة الأولى، أكثر تقليدية: حبكة واضحة، صراعات أخلاقية مباشرة، شخصيات ذات دوافع مفهومة، وتوتر درامي متصاعد، لكن هذه العودة إلى السرد لا تعني عودة إلى اليقين، فالتشكك في أخلاقية المواقف موجود، ولابد أن يصبح مسار تساؤل بل وتشكك أيضا من طرف المشاهد.

كان فرهادي يعتمد على بناء سردي يقوم على الكشف التدريجي للمعلومات، بحيث تتغير نظرة المتفرج إلى الشخصيات مع تقدم الأحداث. لكنه في “حكاياته المتوازية”، دخل في متاهة علاقات مصطنعة لغرض دفع “الحبكة” إلى الأمام، لا الكشف عن شبكة من الضغوط الاجتماعية والعاطفية التي تدفع شخصيات الفيلم إلى اتخاذ قرارات ملتبسة.

مع ذلك، يظل عنصر الأداء هو العنصر الأكثر جاذبية، والذي يبقي على يقظة المشاهدة والقدرة على الاستمرار في متابعة الأحداث والتفاصيل. أداء بديع كالعادة من جانب إيزابيل أوبير، وتفوق ونضج كبرين لدى فيرجيني إيفيرا، وتقمص مقنع من جانب فنسنت كاسيل.. أما كاترين دينيف.. فتظل كما كانت دائما.. تمثالا باردا مجوفا لجمال لم يعد يجذب أحدا!