“الست” فيلم كئيب دمره مخرجه بنزقه وطيشه
أمير العمري
لم أكن قد شاهدت فيام “الست” لمروان حامد لأني لا أحضر العروض العامة في سينمات مصر، أو بالأحرى لأني أقيم خارج مصر معظم الوقت حيث لا تعرض الأفلام المصرية في دور السينما. وقد كتب الكثير عن هذا الفيلم، وانقسم حوله الذين كتبوا، فمنهم من اتهمه بالخيانة أو بالخضوع لمؤامرة خارجية ترمي إلى تشويه الثقافة المصرية، ومنهم من اعتبر أنه أساء الى شخصية السيدة أم كلثوم، ومنهم بالطبع من أشاد به ورفعه إلى مصاف الأعمال الكبرى في الفن، غالبا من دون أن يقدم أحد أي من هؤلاء المادحين والقادحين دليلا واضحا ومقنعا على هذا الزعم أو ذاك، فكلها انطباعات شخصية عاطفية!
لن أتوقف كثيرا أمام مضمون الفيلم، ولن أكترث بالبحث في نظرية المؤامرة الخارجية، ولن أشغل نفسي بالبحث عن الأخطاء التاريخية وغيرها في تناول الشخصية وغيرها من الشخصيات المعروفة التي يتم تجسيدها في الفيلم، فغيري قام بذلك على خير وجه.
إن ما يهمني هنا هو فقط التناول الفني السينمائي للعمل، أو للشخصية في فيلم من نوع أفلام السيرة (Biopic).. وهو نوع منتشر ومألوف وشاهدنا منه عشرات الأعمال الجيدة عن شخصيات كثيرة من المشاهير والنجوم في مختلف المجالات، صورت من زوايا مختلفة ومتباينة، ومن صنع مخرجين وسينمائيين حاول كل منهم تقديم رؤية ما للشخصية التي يتناولها، واختار لها أسلوبا يعتقد انه الأكثر ملائمة لتناولها.
كيف تعامل مروان حامد مع الشخصية، وكيف صور ما صوره، وكيف استخدم شريط الصوت، وما هي عيوب أو مزايا البنية السردية التي استخدمها عن قصد، وكيف تعامل مع الصورة، ومع المونتاج، ومع الغناء والموسيقى؟
هذا ما أعتقد أنه لم يلق اهتماما حقيقيا كما كان ينبغي، فالأهم عند الكثيرين هو ظهور الشخصية، أي كيف ظهرت وصورت وتحركت هي ومن معها.
سأحاول هنا التوقف أمام هذه العناصر بعيدا عن فكرة المؤامرة الخارجية “الإنتاجية” لتشويه مصر والثقافة المصرية، فالكاتب والمخرج والمصور ومؤلف الموسيقى والممثلون وغيرهم، جميعهم من المصريين الذين لا نتصور أن يأتي أحد ويأمرهم: من فضلكم أريدكم أن تصنعوا لي فيلما يشوه أم كلثوم ويهدمها وسوف أغدق المال عليكم!! هذا تفكير ساذج تماما، ولكنه منتشر في مناخ الكبت الفكري والاجتماعي والسياسي السائد في مصر بكل أسف!
لا بأس إذن أن يكون أحمد مراد كاتب السيناريو، ومروان حامد مخرج الفيلم، قد حاولا تقديم رؤية جديدة من زاوية جديدة لتناول شخصية أم كلثوم، بعيدا عما تم تناوله في المسلسل القديم الذي ظهر عنها في التسعينيات. فهذا اختيار مشروع تماما في الفن. ولكن المهم هل نجحا في تحقيق ذلك، وطبعا نحن لا يجب أن نقيس النجاح هنا طبقا للمفهوم الترويجي السلعي الجماهيري الذي لا يعنيني شخصيا ولم يكن يعنيني في تقييم وتقويم الأفلام في أي وقت، فكثير من الأفلام الرديئة فنيا حققت نجاحا جماهيريا كبيرا لأسباب لا علاقة لها بالفن ولا بجوهر فكرة السينما، بل لأسباب أخرى يطول شرحها!

كنت شخصيا اعتبر مروان حامد مخرجا جيدا جدا، وكان قد لفت نظري من أول أفلامه “لي.. لي” وهو فيلم متوسط الطول مصنوع بدقة شديدة وبراعة في اللغة والأسلوب، في استخدام الصوت والكاميرا والحركة والتعليق الصوتي من خارج الكادر، ثم أعجبني الكثير من أفلامه التالية الطويلة مثل “إبراهيم الأبيض”، “الأصليين”، “تراب الماس” وغير ذلك، وقد كتبت عنها ثم خصصت فصلا كاملا لتناول أعماله في كتابي “السينما العربية خارج الصندوق”.
وكنت أتوقع أن يكون مروان قد طور أسلوبا خاصا استقر عليه في التعامل مع مادته السينمائية، من دون مزيد من التجريب والشطحات، لكن الواضح أن النزوع الواضح نحو تفادي البنية السردية الكلاسيكية، أدى إلى أن يدمر مروان حامد فيلمه بيده، بكل نزق وحماقة.
كان الناقد الكبير صبحي شفيق يقول لنا ساخرا إن كثيرا من المخرجين في مصر يستخدمون التصوير بعدسة الزووم كما يفعل الفلاح وهو يستخدم “ترومبة” رفع المياه من تحت الأرض، أي يظل يضرب.. رايح راجع. ويمكنني هنا القول إن مروان حامد- وطبعا المصور الذي استعان به، يستخدمان كيبورد المونتاج كما يستخدم الفلاح الفأس في ضرب الأرض، فعندما تظهر لقطة ما أمامهما سرعان ما يضربانها بالفأس ضربة تطيح بها لتحل محلها لقطة أخرى لا تستغرق ثانية أو ثانيتين على الشاشة قبل أن يتم ضربها بالفأس مرة أخرى.. هذا ما رأيته على الأقل، في النصف الأول من الفيلم الذي يستغرق نحو 90 دقيقة.
إننا نرى في معظم المشاهد شذرات لقطات، ولمحات سريعة خاطفة غاضبة متشنجة تعبر سريعا في مراهقة بصرية لم أرها في أي عمل من قبل على كل هذا النحو من الخشونة والجهل بفكرة ضرورة إتاحة الزمن للمشاهد لأن يشاهد، وأن يستوعب أهمية اللقطة في سياق المشهد، وأن تترك اللقطة تأثيرها عليه. هذا أسلوب قريب جدا بل ومتطابق مع أسلوب الإعلانات (البروموهات) وكأننا نشاهد إعلانا لمدة ساعة ونصف عن فيلم “الست”!

لقد شعرت أن هذا الأسلوب في الانتقال السريع الفظ المتشنج، والقفز بين اللقطات، من دون أي مساحة زمنية لاستيعاب اللقطة، هو نوع من المراهقة التكنيكية البصرية، وكأنما مروان حامد ومصوره، اكتشفا لعبة الكاميرا الآن، وأخذا يجربان اللهو بها!
المشكلة الثانية الأكثر وضوحا هي أن 99 في المائة من مشاهد الفيلم (ولقطاته بالتالي) تبدو كما لو كانت قد صورت داخل أحد جحور الفئران: إضاءة خافتة، صور سوداء، قاتمة، كئيبة، شخصيات تتحرك دون أن تكون واضحة، لقطات قريبة لوجوه نصفها مخفي في الظلام، كأنما نحن أمام أحد أفلام الجنازات، مع كل ذلك الإخفاء المتعمد لأي مظهر من مظاهر البهجة والاحتفال حتى في تصوير حفلات السيدة أم كلثوم: المسرح ددائما مظلم، واللقطات متشابهة في كل المسارح، والجو العام مقبض يفيض، بالحزن والكآبة.
أفهم ان رؤية مراد- مروان تدور حول فكرة أن أم كلثوم كانت سيدة وحيدة،، تشعر بالوحدة والعزلة، معذبة، ورغم تحققها في الغناء لم تكن تشعر بالتحقق على المستوى النفسي والاجتماعي، وأن الكثير من “عقدها” أو ماساتها الشخصية ترجع إلى مرحلة الطفولة الشاقة التي عاشتها، وقد يكون هذا كله صحيحا ومقبولا، لكننا في نهاية الأمر جمهور سينما نريد أن نرى صورة، وأن نشعر أيضا بأجواء الاحتفاء والاحتفال بظهور أم كلثوم على المسرح. ولابد من معالجة الفكرة بأسلوب يتسق أصلا مع عالم أم كلثوم “الكلاسيكي” في كل شيء: في الملابس والديكورات والكلمات والأغاني والقصائد والمظهر العام طبعا. فما عيب البناء الكلاسيكي هنا الذي يمكن من خلاله رواية الأحداث المهمة المفصلية حسب رؤية السيناريو؟ لماذا نهدره ونلجأ إلى أسلوب الشقلبظات والأكروبات واللهو بالكاميرا والمونتاج على هذا النحو الفج؟
من الواضح لي أن هذا الاختيار جاء نتيجة غياب حبكة حقيقية في الرواية، أي غياب “قصة” حقيقية تتصاعد وتسير نحو ذروة ما يمكن أن تشد المتفرج، فكلها شذرات ومشاهد عابرة منتقاة من الكتب والصحف أي مما طاله كاتب السيناريو والتقطه من بينها، مع فشل نلام في صياغة “قصة” لها أبعاد درامية واضحة.
أعود إلى الضوء: لماذا تبدو مشاهد البروفات داخل الاستديو مثل مشاهد الحضور داخل منزل أم كلثوم، مثل مشاهد الحفلات، مثل مشاهد النقابة، مثل كل المشاهد: قتامة، وظلام وسواد، بحيث لا يمكنك أن تتبين بوضوح تفاصيل الصورة. علما بأن ما شاهدته هو نسخة جيدة متاحة رسميا على منصة شاهد.
لماذا هذا التقطيع والانتقالات العشوائية بين الأزمنة: من الماضي إلى الحاضر، ومن الألوان إلى الأبيض والأسود، ومن الشاشة العريضة على الشاشة الضيقة، وكلها انتقالات غير مقنعة وغير مبررة. صحيح أن مروان يريد أن يوحي لنا بوجود لقطات “تسجيلية وثائقية” من الماضي، وكلها لقطات مصنوعة صنعا، لكنه لا يترك لنا أصلا المساحة الزمنية للتعرف على شيء بسبب رعونة القطع والقفز الفظ بواسطة “الفأس” من لقطة إلى أخرى!
لقد بدا المشهد الذي يدور داخل قسم الشرطة طويلا جدا خلافا لكل مشاهد الفيلم، بحيث هوى بالإيقاع العام، فلماذا كل هذه الاستطرادات داخل هذا المشهد؟ هل هي النزعة المراهقة لإضفاء بعض الكوميديا الخفيفة على فيلم كئيب بطبيعته؟ لقد أصبح المشهد عبارة عن إعادة مرات عديدة لعبارة واحدة من جانب أم كلثوم للضابط المغرم بها: معلش.. ما كانش قصده. أخونا وحبيبنا.. والمسألة بسيطة.. معلش.. إلخ!

في الوقت نفسه نرى أن جميع اللقطات الكثيرة العابرة التي تقطع مشاهد الحفلات (لقطات كلوز أب قريبة جدا) ترصد انفعال المستمعين، تظهرهم جميعا دون استثناء، كما لو كانوا من مدمني المخدرات، المساطيل، الهلافيت، الخارجين عن القانون، في سحن وأشكال قبيحة منفرة تتخذ أوضاعا مزرية. وكأنما لم تكن أم كلثوم مطربة الطبقة الوسطى في مصر التي كانت تحرص كثيرا على المظهر والملبس وكيف يجلس أفرادها في الحفلات!
وحتى الجمهور الذي يفترض أنه جمهور نخبوي، من الصفوة، الذي يحضر حفل أم كلثوم في باريس الذي يبدأ وينتهي به الفيلم ويظل يعود إليه عشرات المرات في تداعيات سريعة، هو جمهور غوغائي، همجي، لا يعرف أي تقاليد، فهو يصرخ ويدبدب في الأرض بأقدامه ويظل يصيح “سومة.. سومة” مع خضور السفراء الأجانب وبعض مشاهير النخبة الفرنسيين (!! وهنا أنا لا أعرف مدى مصداقية هذا وصلته بالحقيقة (خل أرسل ديجول فعلا برقية الى أم كلثوم، وهل كانت أم كلثوم تجيد الفرنسية لتتحدث بها مع مدير المسرح الفرنسي؟!).
ومن المضحك طبعا أن أم كلثوم تفتح الستار وتواجه الجمهور وتلوح لهم بيدها بينما تعزف الفرقة المقدمة الموسيقية، في حين أن أم كلثم لم تكن إطلاقا تقف والمقدمة الموسيقية مازالت لم تكتمل. لكنها كلها ابتكارات تعكس حماقة ورعونة في التعامل مع المادة.
من ناحية شريط الصوت، يختار مروان حامد أضعف بل وأسخف المقاطع من أضعف أغاني أم كلثوم ليظل يلعب ويلهو بها ويوزعها ويقطعها على مدار الفيلم، ومنها طبعا المقاطع الراقصة بالأكورديون، وما إلى ذلك بل ويختتم الفيلم في النهاية بمقطع طويل من تلك الأغنية التي ظهرت في عصر انحدار أم كلثوم (حسب اعتقادي الشخصي بعد أن غلب الترقيص وإيقاعات الترقيص التي أدخلها بليغ حمدي تحديدا على أغانيها فدمرها).. مع تجاهل الفيلم تجاهلا تاما أهم قمة غناء أم كلثوم، أي قصيدة “الأطلال” الخالدة التي كان يمكن أن تكون أفضل ختام للفيلم.

لا يكتمل مقطع واحد أو تتسق جملة موسيقية واحدة من أغاني أم كلثوم، فما أن تؤهل نفسك للاستمتاع بسماع مقطع قصير مكتمل من أغنية ما تحفظها أو جملة موسيقية واحدة، إلا وسرعان ما ينزل الفأس ليهشم ما المقطع أو الجملة قبل أن تكتمل. بل وحتى عندما تغني أم كلثوم فهي تتوقف فجأة دون أن تكمل وتظل تحملق في بلاهة. وهذا- على سبيل المثال- ما يحدث في الحفل الذي يحضره الملك فاروق وخاله حسين صبري، وكأن مروان حامد يريد أن يقول لنا: لقد توقفت أم كلثوم عن الغناء بعد أن تلاقت عيناها بعيني حسين صبري باشا فوقعا معا في الغرام على الفور..لأ يا شيخ؟
إن الانتقال بين الأزمنة على نحو عشوائي، والقطع المفاجيء السريع قبل أي أن يتحقق أي إشباع زمني من أي لقطة، والإضاءة القاتمة التي تعيق الرؤية، والاختيارات الموسيقية السخيفة وتقطيعها بشكل شديد الغباء.. كلها عوامل أفسدت الفيلم فنيا وجعلته يصبح قزما أمام أي عمل من أعمال سينما سير الأعلام. لقد أفسد النزق في التلاعب بالأسلوب الموضوع والمادة.
وأود أن أضيف أنه رغم الاجتهاد الكبير من جانب منى زكي في القيام بالدور، إلا أن اختيارها كان خطأ كبيرا من الأساس، بحكم طبيعة تكوينها الشكلي والجسدي، فهي قصيرة جدا، ونحيلة جدا، ووجهها ضعيف وصوتها أيضا يخرج بصعوبة. لكن ما العمل وهذه كانت على ما يبدو رغبة “صاحب الدكان”!
