الدورة السابعة لمهرجان «بعيونهن» لسينما المرأة في الحمامات

خمسة أيام من السينما النسائية العربية

 

منية كواش

 

اختُتمت مساء الأربعاء 7 أكتوبر 2026 بمدينة الحمامات فعاليات الدورة السابعة من المهرجان الدولي لفيلم المرأة “بعيونهن”، الذي انتظم من 3 إلى 7 أكتوبر بين نابل والحمامات وبوعرقوب، تحت شعار “إيه.. في أمل”.

وجمعت هذه الدورة بين الورشات التكوينية وعروض المسابقة الرسمية واللقاءات الفكرية والتكريمات فجعلت من السينما النسائية فضاءً للتعبير والحوار وتطوير المشاريع، ومن الصورة وسيلة لاستكشاف تجارب النساء وأسئلتهن وعلاقتهن بالمجتمع والذاكرة والهوية.

وشارك في المسابقة الرسمية 19 فيلماً من تسع دول عربية هي تونس والمغرب وليبيا والجزائر وفلسطين ومصر والأردن وسوريا ولبنان..

فيلم “المينا” الفائز بالجائزة الكبرى

يروي فيلم “المينا” للمخرجة المغربية رندا معروفي الفائز بالجائزة الكبرى قصة مدينة جرادة المنجمية بالمغرب، بعد صدور قانون سنة 2001 الذي يمنع السكان من استغلال مناجم الفحم لكن السكان واصلوا استخراجه بطريقة عشوائية ومحفوفة بالخطر.

وقد أعادت المخرجة بناء الواقع والأحداث وأشركت العمال معها في الفيلم وصورتهم أثناء قيامهم بأدوارهم وهم يمارسون نشاطهم، واستمدت من عملهم في المناجم مشاهد أعادت صياغتها وترتيبها حتى تبرز من خلالها معاناتهم وهشاشتهم وتهميشهم وإمكانية تعرضهم لمخاطر الموت، كما الى مخاطر المساس بالبيئة.

اعتمدت المخرجة راندا المعروفي أسلوبا تجريديا حتى لا تستعمل فقر وتهميش هؤلاء العمال وتستجدي بهما عطف المتفرج، فلم تسع لتمجيد معاناتهم، ولم تحاول تجميلها بل لامستها من الداخل فجعلت المتفرج يتساءل عن أسبابها ومسبباتها وعن مآلها، طارحة أسئلة عديدة عن وضع عمال المناجم وهشاشة العمال وعطالتهم ووضعهم الاجتماعي.

استخدمت المخرجة أيضا المسح الثلاثي الأبعاد كأداة تصوير بصري وعبرت في الفيلم عن العلاقة المتوترة القائمة بين المواطن والسلطة بلغة الجسد وبإيماءاته وحركاته المتعبة، وركزت على بطء حركة العمال وعبرت بها على بطء وتيرة حياتهم وما يعيشونه من جمود يومي، فرضه وضعهم الاجتماعي والسياسي وعطالتهم وتهميشهم ففتحت للمتفرج بهذا البطء المقصود المجال ليتأمل في وضعهم وتمردهم أو انصياعهم، معتمدة آليات بسيطة لكنها مشحونة بالمعاني والدلالات السياسية والاجتماعية.

“كل سنة وانت طيبة يا مامتي”: عنف يتوارث باسم التربية

جائزة أفضل تمثيل نسائي، ذهبت إلى المصرية جومانا ناصر عن فيلم “كل سنة وانت طيبة يا مامتي”، الذي يتناول تيمة العنف الجسدي الذي تتعرض له الفتيات على أيدي أمهاتهن بدافع التأديب والتربية.

كما يصور الفيلم تجربة ابنتين عمدت والدتهما لكيهما وحرقهما في أجزاء من جسديهما لتأدبهما، فخلفت لهما ندوبا جسدية ونفسية عميقة. صورت المخرجة استعادتهما القهرية للذكريات وتوترهما الدائم وشعورهما بالغربة عن الذات والمحيط. الى درجة أن تشكلت لديهما رغبة في الانتقام من والدتهما كمحاولة لاستعادة القوة التي سلبتها منهما.

وتبلغ الحكاية ذروتها عندما تفصل البنتان أنبوب التنفس عن والدتهما المريضة يوم عيد الأم، ثم تحتضنانها بعد موتها، فأبرز هذا المشهد تناقض أحاسيسهما ودرجة تأزمهما النفسي فقد قتلتاها للتخلص من سيطرتها ثم نامتا في حضنها بحثا عن حنانها.

حضانة دون وصاية

منحت لجنة التحكيم تنويهاً خاصاً لفيلم “ما بقي إلا الحكي” للمخرجة السورية “جويس أوسكا”، وهو فيلم مستوحى من حدث عاشته المخرجة في طفولتها حين حاولت والدتها المطلقة سنة 2011 نقلها من سوريا إلى لبنان لإبعادها عن أجواء الحرب في سورية، بعد انفجار طال مدرسة.

اصطدمت الأم بقيود الوصاية القانونية فلم تتمكن من استخراج جواز سفر لابنتها لان الوصاية القانونية تعود إلى الأب دون الأم.، فاضطرت للمجازفة وعبرت الحدود السورية اللبنانية وهي تخفي ابنتها في الصندوق الخلفي للسيارة. وتكمن أهمية الفيلم في طرحه أسئلة عن الحضانة والوصاية والسلطة القانونية، وابرازه لمعضلة حرمان الأمهات من الوصاية واقتصار دورهن على الحضانة.

وشمل التنويه الخاص الثاني الفيلم التونسي “الطماطم الملعونة ” لمروى طيبة، الذي يتناول كلفة زراعة الطماطم من حيث المياه والجهود والمواد الكيميائية ومصاريف الإنتاج، مقابل محدودية المردودية بالنسبة إلى الفلاح، منتقلا من موضوع زراعي ملموس الى موضوع شائك مخفي عن شروط الربح والعلاقة بين الفلاح والمصنّع واستهلاك الموارد المائية والضغوط الاقتصادية.

“بابا والقذافي” مدخل لفهم تاريخ مخفي

اختار المهرجان أيضا الفيلم الوثائقي “بابا والقذافي” للمخرجة الليبية جيهان الكيخيا، الذي سبق أن نال جائزة لجنة التحكيم فقي مهرجان مراكش  وفيه طرحت المخرجة قضية اختفاء والدها منصور رشيد الكيخيا، الذي شغل منصب وزير خارجية الرئيس معمر القذافي ثم تحول الى معارض لنظامه. واعتمدت في إنجاز الفيلم على رحلة والدتها الفنانة بهاء العمري الكيخيا، في البحث عن زوجها طيلة 19 عاماً كما استندت على الشهادات والصور الأرشيفية والفيديوهات العائلية وعن البحث الاستقصائي وفنون التحريك. فجعلت من مأساة عائلتها مدخلا لفهم تاريخ سياسي لم تُروَ كل فصوله. فأظهرت بصفة غير مباشرة دور والدتها البطولي واصرارها على الوصول الى الحقيقة وتوخت الواقعية والموضوعية ولم تسقط الأحكام ولم تتحدث عن قصاص أو تشفي

أفلام عربية متعددة وأسئلة مشتركة

اختارت هيئة المهرجان للمسابقة الرسمية تجارب نسائية عربية متنوعة في الصنف وفي التيمة. وشاركت تونس بثلاثة أفلام هي: “الطماطم الملعونة” لمروى طيبة، و”سالوبات” لفريال بن بوبكر، و”éphémère” لسارة بن عمار.

وشاركت فلسطين بفيلم “نسيج” للمخرجة بيان أبو طعمة كما حضرت الجزائر بثلاثة أفلام هي “ما وراء البحر” لإيناس ديف، و”عساسات” لنينا خدة، و”أصوات” لشيرين عشير، إلى جانب مشاركات أخرى من بقية البلدان العربية.

وتوزعت السيناريوهات بين الحرب والذاكرة والفقدان والأرض والتراث والهوية والحياة اليومية، دون حصر صورة المرأة في تجربة واحدة فقد حضرت المرأة بوصفها صانعة للصورة وكاتبة للحكاية ومخرجة تعيد النظر في العالم انطلاقاً من موقعها الخاص.

وترأس لجنة التحكيم المخرج المصري يسري نصر الله، وشاركه في التحكيم الممثلة التونسية سهير بن عمارةـ والممثل التونسي غانم الزرلي، والمخرجة والكاتبة المغربية خولة أسباب بن عمر، والمخرجة الليبية جيهان الكيخيا.

هيني سرور: سينما النساء والذاكرة والتحرر

انطلقت الدورة السابعة مساء السبت 3 أكتوبر بالحمامات، بفيلم “أعجوبة الحياة” للمخرجة الفلسطينية صابرين خوري، وهو وثائقي تجريبي قصير تستعيد فيه المخرجة تجربتها الشخصية مع الأمومة خلال الحمل في المنفى، وما يثيره من تحولات جسدية وأسئلة عن الغربة والاغتراب وآلامهما.

هيني سرور

وشهد الافتتاح تكريم السينمائية اللبنانية هيني سرور (81 سنة)، التي اختارها المهرجان “سينمائية شريكة” لهذه الدورة، تقديراً لمسارها الذي جعل من السينما الوثائقية مجالاً لطرح قضايا المرأة والتحرر والعدالة الاجتماعية، وشمل برنامج التكريم عرض عدد من أفلامها، من بينها “ساعة التحرير دقّت” و”ليلى والذئاب” و”الشيخ المغني” (الشيخ امام).

وكان هذا التكريم فرصة للأجيال الجديدة ليكتشفوا تجربة هيني سرور السينمائية العربية المبكّرة. فقد وثقت في أعمالها كيف كانت النساء فاعلات في سرد التاريخ، لا مجرد شخصيات على هامشه، وربطت قضاياهن بالنضال السياسي والاجتماعي والتحولات التي عرفتها المنطقة العربية.

الذكاء الاصطناعي وصناعة صورة المرأة

حظي موضوع الذكاء الاصطناعي بمساحة للمساءلة في المهرجان فقد احتضنت دار جيلان بنابل، يوم الأحد 4 أكتوبر، لقاءً فكرياً بعنوان “السينما في مواجهة الذكاء الاصطناعي: من يصنع مخيّلات الغد؟ من يعلّم الذكاء الاصطناعي ما هي المرأة؟”، بمشاركة أستاذ علم الاجتماع مني السعيداني، والمخرج إبراهيم اللطيف، والمخرجة المغربية خولة أسباب بن عمر.

وتناول النقاش مخاطر إعادة إنتاج الصور النمطية عن النساء بواسطة التقنيات الذكية، وتأثير الخوارزميات في الكتابة والصورة والإنتاج السينمائي والمهن المرتبطة بالفن السابع، فضلاً عن المسائل الأخلاقية وموقع النساء في فضاءات القرار التكنولوجي والإبداعي فتجاوز النقاش سؤال حضور المرأة أمام الكاميرا وخلفها إلى مسألة أوسع تتعلق بمن يمتلك أدوات إنتاج الصورة، ومن يحدد خصائص الصور التي ستؤثر في المخيلة الجماعية مستقبلاً.

شهادات حية صورتها مخرجات غزاويات

لم يكتف المهرجان بأفلام المسابقة بل خصص برنامجا موازيا للسنيما الفلسطينية، فكانت فلسطين حاضرة من خلال مجموعة “غزّاويات” التي تضمنت أربعة أفلام وثائقية قصيرة من إنتاج “فيلم لاب فلسطين”، قدمت تجارب لنساء، يجتهدن ليعشن حياة يومية عادية في خضمّ الحرب وظروفها القاهرة فرغم الصعوبات المحيطة بهن من كل جبهة ، تمسكن بالأمل وصنعن عالما موازيا أثثنه بخيالهن وخلقن أجواء منعشة  ليسعدن بها أطفالهن كما اعتمدن الكاميرا كأداة للشهادة وحفظ الذاكرة ولإيصال معاناتهن اليومية الى كل العالم.

 

1 صحفية من تونس