“إمبريوم”.. جمال الاتحاد السوفيتي، وقبحه
أمير العمري – لندن
حرصت على مشاهدة الفيلم التسجيلي الطويل «إمبريوم» Imperium (نحو ثلاث ساعات)، للمخرج الأوكراني سيرغي لوزنيتسا، الذي أخرج من قبل عددًا من الأفلام الروائية والتسجيلية المتميزة، منها تحفة العام الماضي «النائبان العامّان» Two Prosecutors. وقد عُرض الفيلم في الدورة السبعين من مهرجان لندن السينمائي، بعد عرضه في مهرجان فينيسيا الشهر الماضي. ولا شك أن صنع هذا الفيلم يُعدّ «تجربة» خاصة، كما أن مشاهدته كذلك. بل إن مشاهدة كل فيلم هي تجربة خاصة.
يعني عنوان الفيلم «الإمبراطورية»، في إشارة إلى الاتحاد السوفيتي. والفيلم عبارة عن مشاهد تسجيلية صوّرها طاقم إيطالي في أنحاء الاتحاد السوفيتي في أوائل السبعينيات، بعدما أتاحت له السلطات فرصة التجول والاطلاع على أنماط حياة الناس في الجمهوريات المختلفة العديدة التي كانت تتألف منها تلك «الإمبراطورية» الشاسعة. وجميع المشاهد صامتة، غير أن لوزنيتسا وفريقه الفني أضافوا إلى بعضها أصوات الأناشيد والمؤثرات الصوتية وأصوات حركة الشارع، فضلًا عن القليل مما يمكن أن يقوله الناس.
اقتنص لوزنيتسا من ستين ساعة من المواد المصورة بكاميرا مقاس 16 مم فيلمه الطويل، الذي يعرض بانوراما عامة، لكنها تفصيلية أيضًا، لمناطق الاتحاد السوفيتي. وترصد الكاميرا كل ما يمكن أن يكشف عن جمال تلك البلدان، وعن تمسّك الأقليات العرقية بعاداتها وتقاليدها وثقافاتها الخاصة، وهو ما يضفي جمالًا صادقًا على الصور التي نشاهدها. ولكننا، في الوقت نفسه، نشعر بأن ثمة أشياء تغيب عن الصورة: سيطرة الحزب الشيوعي الصارمة، وقبضة أجهزة الأمن القوية، وقادة الحزب والدولة والسلطة، فضلًا عن الهيمنة الأيديولوجية. فالأيديولوجيا تبدو هنا غائبة تمامًا، أو بعيدة كل البعد عن حياة الناس. ومع ذلك، لا يخلو أي مشهد من المشاهد العديدة التي تدور في الجمهوريات والمناطق والمدن المختلفة من صورة واحدة تتكرر باستمرار، هي صورة زعيم الثورة البلشفية فلاديمير إيليتش لينين.
يبدأ الفيلم من موسكو، حيث نشاهد مسيرات الجماهير التي تحتفل في الميدان الأحمر الشهير أمام الكرملين، رافعة طوفانًا من الأعلام الحمراء، ثم اصطفاف الجمهور أمام قبر لينين. تلي ذلك لقطات من خارج المتجر الشهير GUM وداخله، وهو المتجر الذي كانت تديره الدولة، ويضم سلعًا تكاد لا تختلف عن مثيلاتها في أوروبا الغربية: أحذية وحقائب يد للسيدات وجوارب، وغير ذلك. ويقف الناس متطلعين إلى واجهات المتجر، بينما تغطي الثلوج الشوارع. ثم ننتقل إلى معرض للصور الفوتوغرافية، حيث يتطلع جمهور من سكان العاصمة إلى صور توضح التنوع السكاني للاتحاد السوفيتي، في تمهيد لما سنراه لاحقًا.
من موسكو ينتقل الفيلم إلى زاغورسك وسوزدال وفلاديمير، وهي مناطق تتميز بأديرتها وكنائسها الأرثوذكسية التاريخية القديمة. هل كان تردد الناس على أماكن العبادة المسيحية أمرًا تتجاهله السلطات، أم أنه كان تقليدًا عتيقًا راسخًا لم تتمكن من إزالته أو القضاء عليه؟ تترك لنا الصورة الصامتة مساحة للتفكير.
ومع تكرار ظهور التقاليد العتيقة التي تعود إلى القرون الوسطى، مثل تقديم القرابين وذبح الحيوانات، تبرز فكرة مفادها أن السوفييت، رغم هيمنة العقيدة الماركسية، لم يتمكنوا قط من القضاء على تلك الممارسات، أو أنهم تركوها عمدًا لتصبح نوعًا من الفولكلور، ومن الجماليات التي يمكن أن تجذب السياح، والتي يمكنها أيضًا أن تؤكد مبدأ الوحدة من خلال التنوع، أو التنوع من داخل الوحدة، وهو مبدأ راسخ أيضًا في الماركسية.
يتوقف الفيلم طويلًا أمام عمال المصانع، وخصوصًا مصانع السيارات، ويُظهر العاملات الروسيات الجميلات على نحو خاص، مع التركيز على الإنتاج بالجملة. وتستعرض الكاميرا مئات السيارات في حركة طويلة تستغرق عدة دقائق، في مشهد مدهش. ومن المصانع إلى المناجم في باشكيريا وبورياتيا، وهما منطقتان كانتا تتمتعان بالحكم الذاتي، حيث يعمل الرجال لاستخراج الثروات من أجل مجد «الإمبراطورية» السوفيتية.
وفي ياقوتيا، نرى كيف يمارس السكان ألعابهم وسباقاتهم القديمة المرتبطة بحيوان الرنة، ثم كيف يواصلون ممارسة طقس قطع قرون الحيوان واستعراض جمالها أمام تجار قدموا من موسكو لشراء مثل هذه القرون. كما نشاهد مجموعة من الفنانين الروس الشباب الذين جاؤوا من المدينة، وهم يعزفون على الجيتار أغانٍ حديثة تشبه الأغاني الغربية، الأمر الذي يثير بعض الارتياب لدى السكان الريفيين، الذين يتابعون المشهد من دون التفاعل معه.
في أوفا، نشاهد تقليد أصوات الطيور والغناء التقليدي؛ وفي جورجيا، نشاهد حفل زفاف تقليديًا في الهواء الطلق، تتخلله أغانٍ جماعية وخطوات رقص مبهرة؛ وفي كالميكيا، تدق الأجراس البوذية؛ أما في إستونيا، فيرقص فنانو الأداء الطليعيون على خشبة المسرح.
ينتقل الفيلم بين المشاهد المختلفة عبر كادر مصبوغ باللون الأحمر القاني، يظهر عليه اسم المدينة أو المقاطعة، مصحوبًا بموسيقى شبه عسكرية. ومع التقدم في السرد البطيء، الذي يتيح مساحة جيدة للتأمل، ينتقل الفيلم إلى آسيا الوسطى، إلى جمهوريات كازاخستان وتركمانستان وقرغيزستان وأوزبكستان، ثم إلى منطقة القوقاز، حيث تتجول الكاميرا في شوارع باكو وربوع جبال جورجيا، لتنتقل من أوشغولي إلى كييف في أوكرانيا، مرورًا بدول البلطيق، وتتوقف في ريغا وتالين.
وفي كل منطقة من تلك المناطق، تحتفي الصور بالعمل والزراعة والحصاد والإنتاج، وقبل كل شيء، بالحياة من خلال إحياء الأعياد والطقوس الدينية، في المساجد، مثلما نرى في بخارى، وفي الكنائس، كما في إتشميادزين. وينتهي الفيلم البديع في سان بطرسبورغ، أو لينينغراد، كما كانت تُعرف، بساحاتها ومعالمها التاريخية المدهشة. وهنا تتسع الدهشة أمام ذلك الامتداد الهائل للإمبراطورية السوفيتية، ويبرز التساؤل الذي لا مفر منه: كيف كان من الممكن أن تصمد تلك الإمبراطورية رغم كل ما ينطوي عليه كيانها من تناقضات؟ والفيلم، الذي لا يشرح ولا يعلّق، ويكتفي بعرض الصور في سياق كاشف، يخبرنا في نهايته، من خلال عنوان يظهر على الشاشة، أن الاتحاد السوفيتي توقف عن الوجود عام 1991.
لوزنيتسا معروف بموقفه المعارض لنظام الرئيس بوتين، ورفضه الأنظمة الشمولية. وقد سبق أن قدّم فيلم «جنازة رسمية» State Funeral (2019)، مستخدمًا أيضًا لقطات أرشيفية عن الأحداث التي أعقبت وفاة جوزيف ستالين وجنازته الهائلة عام 1953. وكان الفيلم يكشف بوضوح عن آليات عبادة الشخصية، كما تجسدت في الحقبة الستالينية.
ومع ذلك، يمكن استقبال ما يقدمه لوزنيتسا في فيلمه هذا، على نحو ما، باعتباره نوعًا من «النوستالجيا»، أو الحنين إلى الماضي، إلى الفترة التي بلغت فيها القوة السوفيتية أوجها، قبل أفولها السريع. كما يمكن استقبال الفيلم بوصفه نوعًا من النبوءة بالتفكك الذي كان محتومًا أن يقع بعد سقوط السلطة المركزية عام 1991، وما أعقبه من انفصال الجمهوريات الأساسية عن «الإمبراطورية»، ثم ما تلا ذلك من الحرب الشرسة في الشيشان، وصولًا إلى الحرب الدائرة حاليًا في أوكرانيا.
وهكذا، نكون أمام جمال الاتحاد السوفيتي وقبح واقعه، من دون أي خطاب مباشر، وهو ما يتيح لكل مشاهد أن ينظر إلى ما يراه من موقفه الخاص، ومن موقعه وعينه الخاصة. أليس كذلك؟!
