“امرأة مجهولة” فيلم المخرجة المصرية- الدنماركية مي الطوخي في مسابقة مهرجان فينيسيا

 

أمير العمري- فينيسيا

 

من المثير للدهشة أن يكون فيلم المخرجة المصرية- الدنماركية مي الطوخي “امرأة مجهولة” Unknown Woman هو الفيلم الوحيد من إخراج امرأة في مسابقة الدورة الـ83 لمهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، الأمر الذي أثار جدلا كبيرا عند إعلان التشكيلة، فالصوابية السياسية فرضت منذ ظهور حركة “أنا أيضا Me too” “نسبة” 50 في المائة من الأفلام يجب تخصيصها للمخرجات في مهرجانات السينما، بل وفرضت على المهرجانات السينمائية التوقيع على بروتوكول ينص على الالتزام بهذه النسبة لأفلام النساء، وهو في رأيي الشخصي من أسوأ ما عرفه تاريخ السينما من ضغوط تهدد – ليس فقط بتدمير صناعة المهرجانات والنيل من مصداقية اختياراتها- بل وتهدد أيضا صناعة السينما نفسها إن ألزمت نفسها بالقبول بإنتاج أعمال نصف جيدة أو رديئة، فقط من أجل عيون المخرجات، وهو ما يمكن أن يدفع فئات أخرى أيضا مثل المثليين أو الغجر أو الأقليات العرقية والثقافية، للمطالبة بتخصيص نسبة محددة من الأفلام التي تتناول مشاكلهم، وربما هذا ما يجري تطبيقه حاليا وإن بصورة غير معلنة، خصوصا في مهرجان برلين الذي تفرض عليه السلطات أجندة خاصة.

أما البرتو باربيرا- المدير الفني لمهرجان فينيسيا- فقد أعلن بوضوح من البداية، أنه لن يخضع اختياراته للأفلام سوى للمستوى الفني، رافضا جميع الضغوط والاتهامات والتظاهرات السخيفة التي أصبحت “موضة” في السنوات الأخيرة.

أثار اختيار فيلم مي الطوخي الدهشة والاستغراب، ليس فقط لكونه الفيلم الوحيد لمخرجة في المسابقة الرسمية لمهرجان كبير، بل ومن ناحية ما، لأنه لمخرجة لا تنتمي إلى “اللوبي” النسائي الدولي، ولا من ذوي العيون الزرقاء والشعر الأشقر. تخرجت من معهد السينما الدنماركي في عام 2009، وأخرجت فيلما قصير بعنوان “فيلم طويل قصير” (2015)، ثم قدمت فيلمها الروائي الطويل الأول “ملكة القلوب” Queen of Hearts أو بالأحرى ورقة اللعب “الملكة” (2019)  الذي حصل على جائزة أفضل فيلم دنماركي ورشحته الدنمارك لتمثيلها في مسابقة الأوسكار.

وقد شاهدت هذا الفيلم ووجدته عملا ناضجا كثيرا، يعكس قدرة مخرجته الكبيرة على السيطرة على الأداء، وخلق الجو العام، ودفع الأحداث في تسلسل محكوم، يكشف تدريجيا عن إشكالية الشخصية الرئيسية “آن” وهي محامية تتولى قضايا الدفاع عن حقوق النساء اللاتي يتعرضن للعنف والاغتصاب، متزوجة من طبيب ناجح، ولديهما ابنتان (توأم).

للزوج ابن من زواج سابق هو “جوستاف” يقيم مع أمه في السويد، ولكن الأب يريده أن يأتي للإقامة مع الأسرة الآن، وهو ما يحدث فعلا، وبعد فترة من وجود هذا الشاب المراهق (17 عاما) تقيم آن معه علاقة جنسية كنوع من النزوة أو تحقيقا لما يكمن اعتباره “الخيالات الجنسية البورجوازية”. وبعد أن لذة النزوة، يكون جوستاف قد أصبح مهووسا بها، يلح عليها ويطاردها ويحاول بشتى السبل استعادة علاقتهما، ثم يهدد بإفشاء السر الى أبيه، وهو ما يحدث في النهاية، لكن المرأة تنجح في إقناع زوجها بأن جوستاف كاذب وأنه اخترع القصة من خياله المريض، وسيكون لهذا الموقف تداعيات خطيرة بالطبع.

في هذا الفيلم كانت هناك امرأة من الطبقة الوسطى، تراودها الهواجس الجنسية، بعد أن سئمت حياتها الرتيبة مع زوج لا يوليها اهتماما كافيا، ومن دون أن تأبه لحداثة سن جوستاف وما يمكن أن يحدث له جراء تلك العلاقة، خصوصا وأنها تنهيها بكل قسوة وخشونة. إنها تكذب وتبتكر تفسيرات عديدة لإخفاء الحقيقة. ويميل زوجها لتصديقيها ربما لأنه لا يستطيع أن يغامر بانهيار بناء حياته الزوجية والأسرية.

و في فيلم “امرأة مجهولة” المرأة في قلب الفيلم، هي “ماري”.. خادمة ومربية تعمل في منزل الرجل البورجوازي “كريستيان” وهو صاحب مصنع للقفازات، لكنه يجدها طيعة تستجيب لرغباته في هدوء، فيقيم معها علاقة جنسية ثم يعلن عن رغبته في أن يتزوجها خصوصا وأنها ترعى خير رعاية، ابنته الصغيرة “ليونورا” من زوجته الراحلة.

الزمان: بعد نهاية الحرب العالمية الثانية مباشرة، وتحرر الدنمارك بعد انسحاب القوات الألمانية منها، ثم حملة التعقب الشرسة التي تشنها جماعات سمحت السلطات بوجودها ونشاطها، تطارد كل من تشك في أنهم قد ن تعاونوا بأي شكل مع النازيين، وبالأخص، النساء اللاتي أقمن علاقات جنسية مع الضباط والجنود الألمان،  خصوصا وأن الدنمارك تحديدا عرفت الكثير من هذه الحالات التي تذكر بعض المصادر أنها بلغت 50 ألف حالة، ومنها نساء شاركن في برنامج الإنجاب الذي ابتدعه النازيون لإنجاب جيل من الأطفال الآريين الأقوياء حسب الفلسفة النازية.

“ماري” التي تحمل ملامحها الكثير من الغموض، وتخفي وراءها الكثير من الأسرار الشخصية، ستواجه ما يجبرها على الكذب بل وأكثر من ذلك، الوشاية بصديقتها الوحيدة، جارتها المتحررة “مس بيرج” التي كانت تترك لها ابنها أحيانا لكي تسهر هي في الخارج.

نراها في أحد المشاهد الأولى من الفيلم تلجأ لطبيب، تشكو من ألم في فرجها أثناء ممارسة الجنس، وهو الم ناتج عن جرح أصابها أثناء ولادة متعسرة لطفها الذي مات كما تعترف للطبيب. وهي تستعين بمحلول مخدر تقطره في فمها قبيل الذهاب إلى الفراش مع كريستيان.

أما كريستيان فهو مهذب، رقيق، يراعي التقاليد الصارمة، يستعين في المنزل بعدد من الخادمات، لكنه سيكشف أيضا عن نظرة فوقية لماري، يحذرها وربما أيضا يهددها بشكل ما عندما تتفاقم الأمور. فما الذي يحدث. إنه يريدها أن ترتدي في حفل زواجهما المرتقب، نفس فستان زفاف زوجته الراحلة، ويرسلها إلى خياط لإجراء التعديلات الملائمة. وفي حفل يقيمه للترويج لمصنعه، يستخدمها كموديل لعرض القفازات الجلدية النسائية أمام الرجال. إنه أساسا “جسد” من نظرة الرجل. مجرد جسد. فالعلاقة الجنسية بينهما كما نراها، هي علاقة روتينية، تبدأ وتنتهي من دون أي حميمية.

ماري تحاول بشتى الطرق، أن تخفي ماضيها الذي يمكن أن يؤدي بها إلى التهلكة. لكنها تواجه صدمة عندما يتعرف عليها وهي تركب الترام في طريقها الى الخياط، شاب هو “كارل” كان زميل دراستها القديم في البلدة البعيدة التي جاءت منها الى كوبنهاجن، لكن الأخطر أنه يعرف أيضا علاقتها السابقة مع ضابط ألماني، وأنها أنجبت طفلا منه نعرف أنه مات.

كارل ينجح في الوصول الى منزل كريستيان حيث تعمل ماري وتقيم. إنه يحاول ابتزازها لكي لا يكشف ماضيها، وهي ترضخ وتذهب إليه تعرض عليه المال كما تقدم له جسدها لكنه يعبث في جسدها بقسوة وإهانة متعمدة دون أن يمارس معها الجنس، ثم ويبصق في فمها.

كانت الزوجة في “ملكة الورق” مصممة على أن تحافظ على وضعها الطبقي المتفوق في إطار “العائلة”، أما “ماري” في “امرأة مجهولة” فهي تتشبث بالحفاظ على صعودها الطبقي المنتظر في مجتمع محاط بالشكوك .

الاتجاه الذكوري للعبث بجسد المرأة والتنكيل بها، يتبدى في الفيلم من خلال مشاهد متقطعة قصيرة، للتنكيل بالنساء المتعاونات، وحلق شعورهن علانية في الطريق العام، والتنكيل بهن والاعتداء عليهن، وتعريتهن على الملأ، ووسم أجسادهن بالصليب المعقوف باللون الأحمر وسط تهليل الجميع.

الفيلم يدين تلك النزعة الذكورية المريضة ليس فقط من خلال التصوير الصادم لما يجري للنساء في الشوارع، بل ومن خلال الإشارات العديدة الخافتة إلى إفلات الكثير من رجال الطبقة الرأسمالية واستمرار مشاريعهم الخاصة خلال الحرب، بفضل تعاونهم في التعاون مع النازيين، وهو ما حدث لكريستيان نفسه، الذي تواجهه ماري في إحدى اللحظات الشجاعة النادرة، بهذه الحقيقة، وتذكره بأنه لم يكن ممكنا أن يحقق كل ما حققه من مكاسب مادية كبيرة لولا تعاونه مع الألمان. وكانت ماري هنا تحاول فقط أن تستبعد الشبهات، خصوصا بعد أن تنامت الشكوك حول وجود شخص متعاون في منزل كريستيان، ورُسمت علامة الصليب المعقوف على بابه، وتم القبض على موظف يعمل في مصنعه بدعوى أنه من المتعاونين. وهو ما أثار الحوار مع ماري التي استنكرت ألا يدافع كريستيان عن هذا الموظف ويتركه فريسة لجماعات الانتقام.

تتعامل مي الطوخي مع النص السينمائي الدقيق، المثير، الذي اشتركت في كتابته مع مارين لويز كين، بحيث تكثف لحظات الخوف الذي يتحول إلى فزع عند ماري، وكيف يمكنها أن تتحكم في مشاعرها أمام باقي الخادمات اللاتي لم تنفصل في الحقيقة عنهن قط، فقد ظلت تجمع بين دورها كخادمة ومربية، وبين كونها تتأهب لكي تصبح “سيدة البيت”، من دون أن يفقد الفيلم قوة دفعه، أو يهبط في الإيقاع، لحظة واحدة

إننا أمام عمل مصنوع بدقة الساعة السويسرية، كل شيء في ديكوراته وأدق تفاصيل الخلفية البصرية، مصمم بدقة، مع ماكياج يجعل وجه الممثلة أقرب إلى تمثال شمع مختوم بقدر من الغموض، وقدر من الخبث والتحايل.

تكثف الطوخي فكرة السجن، الذي تعيش داخله ماري، داخل البيت وداخل الذات، من خلال اللقطات القريبة لوجهها التي تكشف تعبيراته عن القلق والخوف وتنامي الشعور بالرعب وفي الوقت نفسه البحث عن مخرج، والتكوينات الخاصة التي تجعل بعض اللقطات تبدو مثل اللوحات الفنية، مع إطالة زمن اللقطة لدفع المشاهدين للتأمل وليس للانفعال. ويميل مدير التصوير إلى غلبة الإضاءة الخافتة، والحركة الرصينة البطيئة للكاميرا، وينتقل المونتاج عند نقاط زمنية محسوبة بدقة، بين الداخل، والخارج، من المشاهد شبه الصامتة، إلى المشاهد الصاخبة لوسم أجساء النساء المتعاونات بالصليب المعقوف.

يجمع الفيلم بين أسلوب دراما التحليل النفسي أو استكشاف الملامح الخاصة للشخصية الرئيسية، وبين فيلم الإثارة (ثريللر) الذي يشي بما يجري مع الكشف عن “تعقب الساحرات”، والمخاطر التي تحيط بشخصية ماري نفسها التي يمكن أن تصبح بسهولة فريسة لتلك المجموعات الهمجية، واكن من دون أن يطغى إيقاع الثريللر السريع، فهذا فيلم للتأمل والتفكير..

نعم. هناك تركيز واضح على فكرة الإهانة والتحقير، بل والتنكيل التي يتعرض لها جسد المرأة، لكن هناك أيضا فكرة كيف يمكن للمرأة من طبقة أدنى، أن تعثر على وسيلة تجعلها تنجو من المصير المتوقع.

مي الطوخي

هنا لا يتوقف الفيلم أمام التساؤل الأخلاقي عن “الخيانة”، أي التعامل مع العدو، فكيف كان يمكن أن تستمر الحياة في الدنمارك أصلا لو لم يستمر الكثيرون في العمل والتعامل مع الاحتلال، وفي الوقت نفسه تستمر المقاومة.

الطوخي تطرح بجرأة تساؤلا أبعد عن مسؤولية المجتمع عن إفساح المجال للهمجية الذكورية الانتقامية باسم تنقية الوطن، مع غض الطرف عن الذين تعاونوا سرا، وزودوا الاحتلال بكل ما كان يحتاجه من مواد أولية وسلع وأغذية وملابس وأحذية “وقفزات جلدية”، من دون أن يقترب منهم أحد بعد الحرب، بل وأصبحوا طلائع التنكيل بالمتعاونين، وهو نفس ما حدث في فرنسا.

فيلم “امرأة مجهولة” سيمضي ويحقق المزيد من الاهتمام في عروضه العالمية والمحلية، في الدنمارك، ولا شك أنه سيكون له نصيب من الجوائز، سوء في فينيسيا أو في غيره من المهرجانات. وغالبا سيمضي لتمثيل الدنمارك في مسابقة الأوسكار. وعلينا ان ننتظر بفارع الصبر كيف يتمض مي الطوخي في مسيرتها الفنية “المستقلة” عن التمويل العربي.