“موڤيطا” فيلم أول لافت للمخرج المغربي معدان الغزواني

اختار المخرج الشاب معدان الغزواني لفيلمه الروائي الطويل الأول عنوان”موڤيطا”، وهي كلمة تعني في الدراجة المغربية «الطقس السيئ»؛ وتُعد تحويرا للتعبير الفرنسي Mauvais temps، وقد غدت تعبيرا شعبيا متداولا في أوساط العمال المغاربة، يُستخدم للإشارة إلى فترات البطالة، وكان أول ما ظهر المصطلح في مجال البحر حين كانت سوء الأحوال الجوية تمنع البحارة من ركوب البحر، فيدخلون في عطالة قسرية تزيد من وطأتها كآبة الشتاء.

من خلال هذا العنوان يرسم المخرج زمن القصة التي تدور في ثمانينيات القرن الماضي ذات شتاء متقلب في مدينة المحمدية (شمال شرق الدار البيضاء). ومن يعرف المدينتين، يدرك طبيعة المحمدية كمدينة رُقاد Ville-dortoir، حيث يعيش كثير من الناس ولكنهم يعملون في مدينة الدار البيضاء المجاورة لتوفر فرص الشغل، فيغادرونها صباحاً للعمل ويعودون إليها مساءً للنوم.، أما من بقي منهم، فيعاني كثير منهم العوز نتيجة ركود النشاط الاقتصادي، في هذا الجو اختار المخرج أن يروي قصة أسرة صَرَّح في العرض الذي يكتب من وحيه كاتب هذه السطور إنها قصة أسرته، وربما يفسر ذلك الصدق الإنساني الذي لمسه المتفرج طيلة أطوار الفيلم .

يبتدئ الفيلم على خلفية أغنية (يا ولدي) للشيخ إمام عيسى، حيث يتبين المستمع نقرات عوده وصوته الأجش، تدور الكاميرا لترصد تفاصيل بيت بسيط، تنتقل بين غرفة المعيشة والصالون والمطبخ ولا يظهر المرحاض أو الحمام الذي بقي طيلة الفيلم خارج الحقل Hors- champs ، وبموازاة غناء الشيخ تعيد الكاميرا دورتها لتؤكد على جغرافية البيت، وهو ما لم يأت اعتباطا.

يرصد الفيلم، عبر نظرة الطفل أيوب (محمد مروة) ذي العشر سنوات، قصة أسرة مكونة من الأب إدريس (عبد النبي البنيوي) الذي يعمل سمسارا للأكرية، والأم حبيبة (هاجركريكع) ربة بيت، إضافة إلى الشقيق الرضيع (علي) المعتلّ منذ ولادته. تقيم الأسرة في بيت موروث عن الجد، وبينما يصارع الأب لتأمين الحد الأدنى من مقومات العيش، تفاجأ الأسرة بزيارة العم (عبد الغني الصناك) مطالباً بنصيبه في الإرث، بعد سنوات من الصبر على استفراد إدريس وأسرته باستغلال البيت.

وعلى إثر ذلك يُقسّم المنزل بين الشقيقين بطريقة مجحفة تجعل الأسرة محرومة من المرحاض الوحيد الذي أصبح في جهة العم. يستدين إدريس لبناء حائط الفصل كنوع من التعويض لأخيه عن سنوات الاستغلال فتسوء أحواله المادية، لكن معاناة الأسرة تتفاقم في ظل غياب المرفق الصحي، فيتحول قضاء الحاجة البيولوجية إلى معركة يومية، تُهدر فيها كرامة الأسرة، وتُمتهن كبرياؤها. كانوا في البداية يطرقون بيت العم لكن هذا الأخير أجر نصيبه ثم اختفى، لتبدأ معاناة البحث عن مكان لقضاء الحاجة.

تتعدد الأماكن وتتنوع السبل؛ فمن الخلاء إلى بيت الجارة المسنة، ومن المقهى ومرحاض المدرسة في بواكير الصباح، إلى المسجد عند أذان الفجر، وصولا في كثير من الأحيان إلى الأكياس البلاستيكية.

قد يتبادر إلى ذهن القارئ أن المخرج عالج هذا الموضوع بأسلوب كوميدي يثير الضحك، لكن الواقع على النقيض تماما؛ إذ جاءت المعالجة سوداوية تنتزع تعاطف المتفرج وأحيانا دمعته من خلال ما رسمته هذه المواقف من أقصى درجات العوز والإذلال، لقد تحول المرحاض من فضاء محتقر عند كثير من الناس (الطوليت حاشاك أو عزك الله بالتعبير المغربي الدارج) إلى رمز للكرامة الإنسانية المهدورة.

تكمن قوة الفيلم في معالجته معضلة الفقر بعيدا عن الكليشيهات المستهلكة؛ إذ كان المتفرج يكتشف، مع تعاقب الأحداث، دركات العوز التي انحدرت إليها الأسرة دون أن يسقط الفيلم في فخ الخطابة المباشرة، كما هو معتاد في الكثير من الأعمال العربية التي ترتكز على الشكوى المجردة على لسان شخصيات قصصها.

كان إدريس وحبيبة يواجهان مصيرهما بكرامة وإباء، فيما كانت تنوب عن لسان حالهما تفاصيل بليغة؛ كوجبة العدس التي غدت طبقا ثابتا لا يتغير، أو تلك الساعة المعطلة لعدم القدرة على اقتناء بطارية لها، وصولا إلى العجز التام عن تدبير تكاليف بناء مرفق صحي، رغُم اضطرار إدريس لامتهان حرفٍ يدوية شاقة ومتعددة.

لقد بلغ تماهي المتفرج مع وضعية الأسرة وصراعها مع المرحاض، أن القصة الموازية المتمثلة في سعي الطفل أيوب إلى اصطياد عصفور؛ من خلال حلمه بطائر يأتي إلى قفصه ليحضن بيضة، ذابت أمام قوة القصة الرئيسية .

يعتبر فيلم «موڤيطا»، تجربة بصرية ناجحة، ارتفعت باللغة السينمائية على غير المعهود في كثير من الأعمال المغربية، برز ذلك في تشكيل الكادرات التي جاء أغلبها بديعا مُفعما بشعرية بصري، كما بدا من الاستخدام الكثيف للصمت؛ فكانت الحركات والإيماءات  تنوب عن ما يمكن أن تقوله الكلمات؛ الأمر الذي قلص هامش الثرثرة التي كانت أقرب كثيرا من أفلام السينما إلى مسلسلات التلفزيون.

زاوج المخرج بين التصوير الخارجي في الفضاءات المفتوحة والتصوير الداخلي داخل الفضاء المغلق، مع هيمنة واضحة للقطات الثابتة باستثناء مشاهد قليلة استُخدمت فيها الكاميرا المحمولة وتقنية الترفلينغ. في التصوير داخل الفضاء المغلق غلبت تقنية الكادر داخل الكادر (Frame within a Frame) ، بل إن المخرج أكثر من استخدامها حتى غدت أسلوبا وبصمة خاصة به، فكانت الأبواب وإطارات النوافذ تعتمد لضبط الحقل وتشكيله، حتى مشهد الجنازة التي خرجت لتأبين المتشرد (كريبو) آثرت كاميرا المخرج رصده من خلال الزجاج الخلفي لسيارة نقل الموتى، دون محاولة مقاربتها من زوايا أخرى كما هو معتاد.

وفي إحدى اللقطات يحاكي المخرج تقنية الكادر المزدوج عبر بابين كما جاء في أحد المشاهد الخالدة من فيلم (المواطن كين) لأورسلن ويلز، بالطبع كانت هناك رواسب أخرى لمشاهد سينمائية عالمية، ذكرنا جري الطفل أيوب بين شواهد القبور بالمشهد الأيقوني من فيلم (الطيب والشرير والقبيح) لسيرجيو ليوني، الفرق أن تيكو في فيلم ليوني كان يلهث باحثا عن الكنز، أم الطفل أيوب، فكان يبحث عن شاهد قبر (كريبو) في لحظة وفاء إنسانية مؤثرة لذكرى متشرد.

كان اختيار الممثلين موفقا، إذ أبدع عبد النبي البنيوي في دور رب الأسرة المكافح الذي يجمع بين الصبر والكبرياء، وساعدته خلفيته المسرحية في الإمساك بمفاتيح الدور، مما جعله يستحق عن جدارة جائزة أفضل دور رجالي في المهرجان الوطني للسينما المغربية بطنجة دورة 2025 .

أما هاجر كريكع، فقد قدمت في دور الأم الصبورة التي تحافظ على تماسك أسرتها أداءً يشكل نقلة في مسيرتها الفنية، لأن أكبر تحدي أمام الممثلة الشابة أن تؤدي في عنفوان أنوثتها دور الأم الذي يترك عادة لممثلات تجاوزن مرحلة منتصف العمر.

وفيما يخص الطفل محمد مروة، فقد ذكر المخرج في العرض الذي نكتب من وحيه هذه السطور أن اختياره جاء وليد الصدفة، وهو أمر لا يخرج عن العادة المعهودة في اختيار الأطفال للسينما، ومع ذلك قدم أداءً محترما بالنسبة لممثل هاوٍ.

وظفت الموسيقى التصويرية التي أنجزها أيوب شكير بشكل جيد، بحيث لا يحس المتفرج أنها مقحمة لدعم المَشاهد أو حمل المواقف الدرامية، أما بالنسبة للأغاني، فقد ساهمت أغنية (يا ولدي) للشيخ إمام في إدخال المتفرج إلى جو القصة، وتوجيهه إلى أن الأحداث تقرأ بعيون طفل، وأدت أغنية (دخلت مرة في جنينة) لأسمهان وظيفتين، فهي أغنية –أقصوصة تتحدث عن طائر مثل الذي كان الطفل أيوب يحلم باصطياده، لكنها في العمق تحكي قصة إدريس وحبيبة .

وفي المقابل، ربما لم يحالف التوفيق الفيلم في اختيار إحدى أغاني الحسين السلاوي؛ إذ غدا توظيف أغانيه في السينما المغربية يميل إلى النمطية، فمن غير المستساغ أن تظل الأجيال الجديدة من المخرجين المغاربة متمسكة بنفس الأغاني التي كان الرواد من المخرجين يعتمدونها منذ خمسين عاما للتعبير عن البيئة الشعبية.

من الهنات التي وقع فيها الفيلم والتي تكاد تكون سمة مشتركة بين جميع أفلام الذاكرة في السينما المغربية، عدم بدل مجهود لاستعادة أجواء المرحلة التاريخية وتفاصيل إكسسواراتها، ومن ذلك ظهور أوراق نقدية تعود لعهد الملك محمد السادس في زمن المفترض أنه عهد الملك الحسن الثاني، وظهور البطاقة الوطنية البيومترية محل البطاقة البلاستيكية التي كانت سائدة في الثمانينيات قبل انقراضها. كما لم يتم الانتباه لشاهد قبر يحمل عام 2007  تاريخا للوفاة، وفي هذا السياق، لا يُقبل من المخرج التذرع – كما يفعل بعض زملائه – بأنه يعمد إلى مواراة زمن القصة أو تمييعه؛ فالدقة التاريخية جزء لا يتجزأ من مصداقية العمل الواقعي.

لقي الفيلم استقبالا نقديا كبيرا وجوائز عديدة لدى عرضه المهرجان الوطني للسينما المغربية بطنجة دورة 2025 واستقبالا جماهيريا عند عرضه بالمهرجان الدولي للفيلم بمراكش في السنة ذاتها، وهو يندرج في خانة سينما المؤلف؛ كون المخرج هو صاحب القصة وكاتب السيناريو، ويحمل العمل تعبير عن ذاتيته ورؤيته الفنية، وهو من الأعمال التي تحمل كثير من مقومات ما عرف بالواقعية الجديدة في كثير من السينمات الوطنية، ويبقى الرهان على مخرجه أن يتجاوز وهج الفيلم الأول، ليُثني ويُثلث إنجازه كي لا يبقى مثل بيضة الديك.

Visited 6 times, 6 visit(s) today