في مهرجان برلين: “الجانب الآخر من الشمس” فظائع نظام الأسد في “صيدنايا”
أمير العمري- برلين
من أفضل الأفلام التسجيلية التي تعرض في قسم “بانوراما” في الدورة الـ76 المقامة حاليا من مهرجان برلين السينمائي، فيلم “الجانب الآخر من الشمس” للمخرج السوري توفيق صابوني. فهو عمل متماسك يتميز بالمزح بين التجربة الشخصية، والشهادة الجماعية، فمخرجه قضى، مع بعض أقاربه، سنوات في سجن صيدنايا الرهيب في سوريا، حيث التقى بعشرات المعتقلين الشباب الذين كانت كل جريمتهم أنهم شاركوا في الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في 2011 ضد نظام بشار الأسد الدموي.
الفيلم الذي يقع في 90 دقيقة من الإنتاج المشارك بين بلجيكا والسعودية وفرنسا هو العمل الطويل الأول لمخرجه الذي درس السينما في بلجيكا بعد أن غادر سوريا عقب انهيار النظام.
بعد سقوط نظام الأسد، خرج صابوني مع رفاقه من المعتقل الرهيب الذي مازال الكثير من أسراره وخباياه لم يكشف بعد، ولكن التجربة ظلت محفورة في ذاكرته، وقد أراد أن يقوم بتوثيق شهادات أبناء جيله من الذين عاشوا معه تجربة الاعتقال والتعذيب في أقبية المعتقل الذي يطلق عليه صابوني “الجانب الآخر من الشمس”. وهو يفتتح فيلمه بالقول إنه استمد العبارة التي جعلها عنوانا لفيلمه من الشرطي الذي كان يهدده بإرساله “وراء الشمس” أي تحديدا إلى صيدنايا.
إنه يعود اليوم ومعه أربعة من زملائه المعتقلين السابقين، لاستعادة كل تفاصيل سنوات الاعتقال، أي محاولة إحياء الذاكرة وإنقاذها من النسيان والطمس، صانعا من خلال تلك القصص والتفاصيل التي يرويها الناجون الأربعة، وهم يعودون إلى نفس الزنازين التي قضوا فيها سنوات، ملحمة عن الصمود في وجه العذاب، يروون عما أنزله بهم زبانية النظام من تعذيب، وما جرى أمامهم، من فقأ العيون وإسالة الدماء، والقتل.
هذا فيلم عن الذاكرة، عن القصص والأصوات، والدم المراق، وعن الاشتياق المعذب للضوء، والحب، وعن الأنفاس المتقطعة اللاهثة، والجوع، والأحلام المشتتة لرؤية الأم أو الإبن والزوجة والعائلة. ذلك الحلم الذي بدا وقتها مستحيلا، فلم يكن أحد منهم يتخيل أن تنهار كل أعمدة القهر التي أقامها النظام القمعي في سوريا، في لحظة واحدة من التاريخ وبعد ما يقرب من أربعين عاما من إقامة ذلك المعتقل الرهيب الذي عرف بـ”المسلخ البشري”.
أبطال الفيلم الأربعة، يعودون لإعادة تصوير وتذكر ما حل بهم في ذلك السجن، يروون بالصورة والتجسيد والتمثيل الحي، يستدعون الطقوس اليومية التي كانت متبعة هناك، ويمثلون كيف تفنن الحراس وكاوا يبتكرون أشكالا لا يمكن تخيلها من صنوف الإهانة والتعذيب.
يقول صابوني: “الفيلم قصة شخصية تدور حول فترة اعتقالي بسجن صيدنايا بالمشاركة مع معتقلين سابقين منهم عبد الكافي الحاج، محمود القدح ومحمد حمكي وعبد الحميد جدوع، ويشكل الفيلم إعادة إحياء لذاكرتنا ولحياتنا داخل ذلك السجن وما تعرضنا له، كما أنه مُهدى لأولاد عمتي الاثنين الذين اختفوا بالسجون ولم يخرجوا أبدا، وأيضا مهدى لجميع المعتقلين الذين اختفوا بسجون نظام الأسد”.
لم تكن مهمة تصوير الناجين الأربع ومعهم صابوني نفسه، مهمة سهلة، فقد كان هناك من يعجز عن مواصلة السرد واستعادة ذكريات التعذيب الذي تعرض له، وكان ينهار أمام الكاميرا ويدخل في نوبة بكاء، ولذلك أيضا لم يقدر البعض الآخر على رواية كل شيء.

ومع القصص التي تتداخل وتتقاطع، وترتبط بأماكن محددة داخل الزنازين المصمتة التي لا توجد لها منافذ، تسير الكاميرا، وتنتقل من مكان إلى آخر، على وقع الموسيقى الحزينة الشجية التي تغطي لحظات الصمت والألم، ليصبح المكان بالضرورة هو العنصر الأهم، وهو ما يذكرنا به المخرج بين وقت وآخر، من خلال اللقطات العامة الخارجية والداخلية لذلك المعتقل الكبير الذي يشبه معقلا من معاقل التعذيب في العصور الوسطى، وتذكرنا زنازينه القائمة تحت الأرض بالزنازين الرهيبة التي كان يمارس فيها التعذيب في الأزمنة الغابرة في إيطاليا وفرنسا وغيرهما.
الشهادات التي يدلي بها السجناء الذين نجوا من الموت داخل سجن صيدنايا، هي شهادات مؤثرة، ولكنها لن تكون كافية لتضميد الجراح العميقة داخل نفوس هؤلاء الشباب الذين فقدوا أحلى سنوات العمر. فلاشك أن الجراح ستظل غائرة داخل النفوس.
“الجانب الآخر من الشمس” عمل رصين، منسوج ببراعة، ينتقل من مشهد إلى آخر، من دون افتعال أو مبالغة، والكاميرا تتوقف أمام الشخصيات، تركز على الانفعالات في للقطات القريبة للوجوه، لكنها ترتد إلى الوراء أيضا لتصور لنا المساحة المكانية الضئيلة التي كان يتحرك فيها عدد كبير من السجناء داخل الزنزانة الواحدة، وكان الفيلم وهو يتيح لهؤلاء السجناء السابقين، استعادة ذكرياتهم، يعيد رواية جانب من تاريخ الظلم القمع والتعذيب والهيمنة السياسية التي تعادي الإنسان نفسه.
ولكن هل انتهت حقا سنوات الظلم والقمع والعذاب التي عاشها أبناء الشعب السوري وفي مقدمتهم أولئك الذين قضوا سنوات العمر داخل ذلك المعتقل المخيف؟
المستقبل وحده قادر على الإجابة عن هذا السؤال الحائر.
