فيلم “التخطي” رحلة شاقة نحو ولادة جديدة

هل تساءلت يومًا ما إذا كان الثعبان يتألم أثناء انسلاخه عن جلده القديم؟
 في معظم الأحيان، لا يعاني الثعبان من ألم خلال هذه العملية. ولكن، في حالات قليلة، قد تصبح هذه التجربة مؤلمة، خاصة إذا كان يعاني من الجفاف أو من مشاكل صحية تحول دون انسلاخ الجلد بسهولة. يمكن اعتبار هذه العملية مجازًا أي بمثابة ولادة جديدة؛ فهي تُمثل انتقالًا من مرحلة إلى أخرى، حيث يترك الثعبان أثرًا لكينونته السابقة ويبدأ بأخرى جديدة.

الانسلاخ عند الثعبان ليس مجرد فعل عابر، بل هو عملية ضرورية لبقائه. مع نمو جسده، يصبح جلده القديم ضيقًا وغير مرن، مما يجعل التخلص منه أمرًا لا بد منه. علاوة على ذلك، يساعد الانسلاخ على إصلاح أي ضرر قد لحق بالجلد القديم. تشبه هذه العملية إلى حد كبير رحلة الإنسان نحو التغيير، فبالرغم من صعوبته، يظل ضروريًا لنموه واستمراريته.

كان على رونا (سيرشا رونان) أن تخوض مثل هذه التجربة وتتخلى عن أسلوب حياتها القديم نتيجة إدمانها للكحول، وخسارتها لكافة جوانب حياتها: عملها، دراستها، وعلاقتها العاطفية. هذا الإدمان جلب لها المخاطر والأزمات، مما دفعها إلى اتخاذ قرار صعب بالانعزال والرجوع إلى الطبيعة، سعيًا للشفاء.

يتناول فيلم “التخطي” The Outrun، من إنتاج عام 2024 ، للمخرجة الألمانية نورا فينجستشيدت، هذه الرحلة المعقدة التي تخوضها البطلة، مستندًا للسيرة الذاتية للصحفية والكاتبة البريطانية إيمي ليبتروت، ويستعرض تجربتها الشخصية في التغلب على إدمان الكحول والتحديات النفسية التي واجهتها في رحلة التعافي.

رحلة التغيير في الفيلم رحلة ذاتية في المقام الأول، ويعكس النص السينمائي هذا الطابع الذاتي. وقد تعاونت المخرجة مع الصحفية إيمي ليبتروت في كتابته، مما أسهم في خلق نص يمزج بين التأملات الشخصية والتداعيات الحرة. وهو ما جعل السرد متعرجًا، حيث يطوف بالمُشاهد بين الحاضر، الذي تظهر فيه رونا وهي تكافح من أجل التغيير، والماضي الذي يكشف عن تأثير مرض والدها النفسي عليها، وكذلك الراحة التي كانت تجدها في معاقرة الخمر.

يتبع السرد أفكار رونا وذكرياتها بشكل يجعلنا أحيانًا نلتبس في التمييز بين ما يحدث في ذكرياتها وما نراه في حاضرها. كما أن النص لا يقدم سببًا مباشرًا وراء إدمانها للخمر، لكنه يعكس تدريجيًا كيف أن الإنسان مثل الأواني، يمتلئ بما ينساب إليه من محيطه، خاصة من الأشخاص الذين يفترض بهم أن يكونوا العون والسند في حياته.

ترتبط رونا بوالدها أكثر من والدتها، التي تجد راحتها في الخلاص الديني، بينما ترفض رونا هذا النوع من الخلاص، معتبرة إياه وهمًا تتعلق به والدتها. أما والدها، فيعاني من الاكتئاب ثنائي القطب، فتارة يكون فرحًا ومبتهجًا، وتارة أخرى يتحول إلى جثة هامدة يرفض مغادرة الفراش، مديرًا ظهره للحياة ولابنته التي تستنجد به عبثًا.

تُظهر هذه العلاقة الديناميكية بين رونا ووالدها، الأسباب التي تجعلها تجد الراحة المؤقتة في الخمر، وهو شعور يشبه الهروب من معاناتها النفسية والعاطفية. لكن هذا التفسير يتلاشى تدريجيًا في منحنيات السرد الانعكاسي والمتأمل الذي يتنقل بين حاضرها المأساوي وماضيها الملتبس، في الوقت الذي تروي فيه أيضًا عن علاقتها بالطبيعة وتفاعلها معها.

يبدأ استعداد الثعبان للانسلاخ عندما يصبح جلده القديم ضيقًا، مما يجعل لونه باهتًا وعيناه زرقاوين بسبب تراكم السوائل بين الطبقتين الجلدية القديمة والجديدة، مثلما نقابل رونا في بداية الأحداث وشعرها مصطبغ بالزرقة التامة، في مرحلة انغماسها  في الشراب والحياة اللندنية، حيث يرافقها أصدقاؤها، وعملها، ودراساتها، وصديقها الذي تتعرف عليه في إحدى لياليها الجامحة. مع مرور الوقت، يبدأ إدمانها في الظهور، فتنعزل عن أصدقائها وترهق صديقها، فتطارده في كل مكان نتيجة الهذيان الذي يسببه الشراب. وتترك عملها وتغرق أكثر في معاقرة الخمر، لكن الطامة الكبرى عندما تنجو من محاولة اعتداء جنسي عليها

تفعل رونا كما يفعل الثعبان، الذي يبحث عن سطح خشن ليحك رأسه به حتى يستطيع تمزيق جلده القديم، تاركًا إياه كقطعة واحدة. تقرر رونا التعافي من الإدمان عندما تدرك أنه لم يعد لها مكان في حياة من أحبته، وأن دعوات أمها لم تخلصها، وعندما يدير لها والدها ظهره متخليًا عنها. تعود إلى أحضان الطبيعة التي لا تتخلى عنها، إلى جزر أوركني الاسكتلندية، المكان الذي ترعرعت فيه.

العودة إلى الطبيعة بالنسبة لرونا تحمل تأويلين مهمين: الأول، كامرأة، حيث تتشابه دوراتها الطبيعية مع فصول الطبيعة من نمو وذبول وتجدد مستمر. أما الثاني، فمتعلق بهويتها الإنجليزية التي نشأت في هذا المكان، حيث توفر لها الطبيعة مساحة للتأمل والشفاء، خاصة بالقرب من مياه المحيط، بينما تكرس وقتها في البحث عن الطيور المعرضة للانقراض. الطبيعة بالنسبة لها ليست مجرد محيط جغرافي، بل هي جزء من هويتها الشخصية، حيث تقوم بالتنزه بالقرب من المياه والطبيعة التي تربطها بجذورها الروحية

الطبيعة، في هذا السياق، تعطي لرونا فرصة لتجديد طاقتها الروحية، وتخلق ولادة رمزية جديدة لها. حيث تتفاعل مع البيئة التي ترعرعت فيها، وكأنها تبدأ من جديد

ولكن كما هو الحال في أي عملية تعافي، لا يخلو الأمر من انتكاسات. تعاني في رحلة انسلاخها عن شخصيتها القديمة، تواجه الانتكاسات أثناء محاولتها مقاومة الشرابـ تتكالب عليها الذكريات وتدرك فداحة افعالها تجاه حبيبها السابق، ولكنها في النهاية تتدارك الأمر قبل أن تتفاقم العواقب، لتستمر في رحلة التعافي والنمو

تصل رونا إلى المرحلة الأخيرة من التعافي، وهي العزلة كوسيلة للشفاء التام. في هذه العزلة، تواجه ذكرياتها الأشد إيلامًا، لكنها تنجح في الوقوف من جديد.

تتصافى في النهاية مع والدتها، وتدرك من حوارهما الأخير أن لجوء الأم إلى الدين لم يكن إلا طريقة أخرى للهروب من الآثار السلبية التي خلّفها مرض والدها. فبينما وجدت رونا الخلاص في الكأس، اختارت والدتها الإيمان كسبيل للتحرر من الألم النفسي.

يقع عبء تجسيد هذه التجربة الذاتية والروحية بشكل كبير على أداء الممثلة سيرشا رونان، التي نجحت في تجسيد مسار الشخصية من التدمير الذاتي إلى التحرر والولادة الجديدة. وقد برعت سيرشا في التعبير عن معاناة الشخصية وانغماسها في دوامة الإدمان، متماهية مع انغلاقها على ذاتها وغضبها الداخلي. تظهر لحظات الانهيار والانفجار بوضوح في أدائها، ما يجعل تحولات الشخصية ملموسة ومؤثرة

في المراحل الأخيرة من الفيلم، يعكس احتفالها بعيد الميلاد بمفردها ذروة رحلتها نحو التعافي. لأول مرة، تشعر بالسعادة في غياب نشوة الكحول، ويعبر عيد الميلاد المجيد رمزيا عن ولادة جديدة ورحلة شفاء ناجحة، ويحتفل المُشاهد معها بتحررها الداخلي وانتصارها على ماضيها.

انعكست معاناة رونا بشكل بصري عبر تطور ألوان شعرها الذي يعكس حالتها النفسية ورحلة التعافي. في البداية، يمثل الشعر الأزرق الباهت انغماسها الكامل في حياتها المدمرة، حيث يتماهى اللون الأزرق البارد مع شعورها بالاغتراب واليأس. وينسحب هذا اللون مع تقدم الفيلم وتعافيها التدريجي حتى يختفي، وصولاً إلى اللحظة الرمزية في النهاية حين تصبغه باللون الأحمر الناري

يشبه هذا التحول الداخلي والمنعكس على مطهرها خارجيا جلد الثعبان الجديد، الذي يكون في البداية حساسًا ولامعًا بعد الانسلاخ لكنه يزداد صلابة مع الزمن، يشبه الأمر اكتسابها للمرونة والقوة النفسية في مواجهة الحياة.

ورغم المساحات والطبيعة الخلابة التي تحتضن رونا أثناء تعافيها غير أن رحابة المكان كانت تتباين مع المعاناة والضيق الذي تشعر به الشخصية، حتى اقتراب تعافيها في النهاية، بدأت رونا التي كانت تحجب عن مسامعها صوت الطبيعة، في خفض صوت الموسيقى وتنصت لهدير الامواج، وتتواصل بصراخها مع فقم البحر، وتلقي بجسدها في مياه المحيط الباردة، لتسمح لمحيطها الخارجي أن يمسح بيده الشافية على داخلها العليل.

يساهم مونتاج الفيلم بشكل ملحوظ في تعزيز التعقيد السردي الناتج عن التنقل بين الأزمنة والفضاءات الذهنية للشخصية. السرد المتعرج الذي يجمع بين الذكريات، التأملات، والانعكاسات الذاتية يُبرز الاضطرابات الداخلية للشخصية ويجعل المشاهد في حالة تساؤل دائم حول زمن ومكان الأحداث.

رغم ذلك، يظل الفيلم- في جوهره- قصة عادية عن امرأة وجدت في الطبيعة ملاذًا للشفاء والانبعاث. هذه السرديات، التي قد تبدو مألوفة، تحتفظ بجاذبيتها بسبب قدرتها على تقديم دروس حياتية حول تقبل التغيير. يدرك المشاهد مع نهاية الرحلة، ومع الشخصية، أن التجارب البشرية لا تتكرر بنفس الطريقة مرتين، مما يعكس فلسفة هيراقليطس في أن “الإنسان لا يخطو في النهر ذاته مرتين.