فيلم “آسفة، يا صغيرتي”.. تمثّلات التعافي بعد الصدمة

هل يمكن إنجاز فيلم يعرض العنف الجسدي من دون إظهار العنف نفسه؟ كان هذا السؤال الدافع الرئيسي وراء في “آسفة يا صغيرتي” Sorry, Baby، أولى تجارب المخرجة إيفا فيكتور في الأفلام الطويلة، الحائز على جائزة في مهرجان صندانس، والمختار ضمن قسم أسبوع المخرجين في مهرجان كان السينمائي لعام 2025.

يتناول الفيلم موضوع الانتهاك الجسدي ومحاولة التعافي منه، لكن بطريقة مختلفة عن ما هو سائد. البطلة آغنيس، التي جسّدتها المخرجة إيفا فيكتور بنفسها، طالبة دكتوراه في الأدب، تتعرض لإساءة جنسية من قِبل مشرفها الأكاديمي بريستون ديكر (لويس كانسلمي). تدخل بعد هذه الحادثة في دوامة من الصمت والانكسار، تحاول خلالها أن تتصالح مع ما حدث وتمضي قدمًا، حاملة عبئًا غير مرئي لا يلحظه أحد سوى صديقتها المقرّبة ليدي (ناعومي آكي)، التي تظل إلى جانبها وتدعمها في كل قرار.

يتكون الفيلم من خمسة فصول غير مرتبة زمنيًا، ببنية سردية تحاكي آلية عمل الذاكرة البشرية في تخزين واسترجاع الذكريات. يأخذنا السرد عبر خمس سنوات من حياة آغنيس، بين الأيام السابقة لـ«الحدث السيئ» كما يصفه الفيلم والسنوات اللاّحقة له. وفي لحظات ما قبل الاعتداء، يرسم الفيلم ملامح شخصية المشرف الأكاديمي ديكر، بوصفه أستاذًا مثقفًا ومحترمًا، لا يخطر ببال أحد أنه يخفي خلف هذا القناع نوايا خبيثة لاستدراج آغنيس إلى فخّه.

يتجنب الفيلم تصوير مشهد الاعتداء بشكل مباشر، وتبقى الكاميرا ثابتة أمام واجهة منزل ديكر، تلتقط تعاقب النهار والليل، كإشارة إلى طول المدة التي قضتها آغنيس خلف ذلك الباب. وعندما تخرج أخيرًا، نراها منهارة وفي حالة ذعر، بينما تتبعها الكاميرا في لقطة طويلة إلى سيارتها ومنها إلى منزلها، حيث تروي لصديقتها ليدي ما جرى، محاولة استرجاع ما حدث لها لحظة بلحظة.

كان هذا الاختيار الجمالي والسردي بمنع المُشاهد من رؤية الاعتداء، من ابرز قرارات فيكتور الإخراجية التي منحت الفيلم فرادته وأضفت عليه واقعية اكبر، وكما قالت فيكتور “في الحياة الواقعية، لا نحظى بفرصة أن نكون خلف الباب؛ نحن نسمع ما حدث وعلينا أن نصدّق الناس “، فعندما تتعرض امرأة أو حتى رجل لهذا النوع من الانتهاك، لا يكون هناك شهود غالباً؛ تكون اللحظة محصورة بين الضحية والجاني وحدهما. المجتمع لا يرى الحدث بعينه، لكنه مطالب بأن يُصدق رواية الضحية رغم غياب الدليل المرئي. وقد نجحت هذه الرؤية في ترجمة موقف الفيلم الصريح تجاه هذا الموضوع ودعمه لضحايا هذه الجريمة.

يسير السرد بإيقاع حميمي وبسيط، متتبعًا تقلبات آغنيس وأفكارها ومشاعرها. الصدمة تجعلها أكثر انعزالًا وتفقدها ثقتها في الناس، خصوصًا الرجال. يظهر ذلك في عدة مشاهد؛ منها رفضها الدخول إلى منزل جارها غافين (لوكاس هيدجز) عند لقائهما الأول، وتغطيتها نافذة غرفتها بأوراق الأطروحة التي كانت سببًا في زيارتها لمنزل المشرف عليها، وتفقدها باب المنزل مرارًا في قلق دائم.

كل هذه التفاصيل الدقيقة والطبيعية تكشف الأثر العميق الذي يُخلفه هذا النوع من العنف على الضحايا. وأحد أكثر المشاهد دلالة على حالة اغنيس النفسية هو عندما يُطلب منها الإجابة في استبيان على سؤال  “كيفسيصفك أصدقاؤك؟ فتكتب أولًا: ذكية، ثم تشطبها وتستبدلها بـطويلة”. هذه اللحظة تُكثّف حجم الانكسار الداخلي الذي تعانيه؛ فآغنيس بلا شك ذكية، لكن ما تعرضت له من انتهاك لجسدها وكرامتها وحريتها جعلها عاجزة عن رؤية نقاط قوتها أو الاعتراف بميزاتها كما كانت من قبل.

لعبت حركة الكاميرا دورًا محوريًا في تعزيز السرد، من خلال التركيز على لغة جسد آغنيس والتقاط ارتجافاتها وانكساراتها الداخلية، ما جعل المتلقي أقرب إلى الرحلة النفسية التي تمر بها. وقد قدَّمت إيفا فيكتور أداءً متوازناً وطبيعياً، جسدت من خلاله محاولات اغنيس التعافي بسلاسة وبحضور مؤثر، دون الحاجة إلى انفجارات عاطفية مفتعلة.

تتعافى آغنيس وتستعيد ذاتها تدريجياً؛ بفضل تبنّيها قطة مشردة، وبلطف شخص غريب التقت به في الشارع، وبدعم صديقتها ليدي التي كانت بمثابة الشمس في حياتها، وبعلاقتها العابرة مع غافين، وباستمرارها في عملها كأستاذة في الجامعة.

تجد آغنيس طريقها مجددًا ببطء وبالطريقة التي تناسبها. صحيح أن أثر الصدمة سيبقى حاضرًا معها إلى الأبد ربما، لكنها لن تسمح أن تنهار حياتها بسبب شخص واحد فقط. وهذه هي الرسالة الواضحة للفيلم؛ ستقع أحداث سيئة كثيرة في حياتنا قد تعرقل مسارنا وتعيد تشكيل صورتنا عن أنفسنا، لكن في النهاية، كل شيء سيمضي.

ورغم أن الفيلم يعالج موضوعًا حساسًا ومؤلمًا، إلا انه لا يغرق في الدراما الثقيلة والكئيبة بشكل كامل. على العكس، يضفي لمسات من الكوميديا السوداء في بعض مشاهده، خصوصًا في المواقف التي تظهر فيها ناتاشا (كيلي ماكورماك)، زميلة أغنيس الغيورة، والتي تضيف طابعًا ساخرًا وخفيفًا إلى السرد. كما يمتد هذا الحس الكوميدي ليشمل نقدًا لبعض المؤسسات الرسمية في التعامل مع ضحايا هذه الجريمة، يتجلى ذلك أولًا في المشهد الذي تزور فيه آغنيس الطبيب في اليوم التالي للحادث، لتواجه أسئلة غير مناسبة وتفتقر للتعاطف. ثم في تعامل ممثلي الجامعة المكلفين بملفها، والذين لم يُبدوا اهتمامًا حقيقيًا بحالتها، وطلبوا منها ببساطة التوجه إلى الشرطة لأنهم غير قادرين على مساعدتها فعليًا. 

في الختام، قدّمت إيفا فيكتور في تجربتها السينمائية الأولى فيلمًا متماسكًا وحميميًا، استطاعت من خلاله أن توازن بين حساسية الموضوع ورهافة المعالجة من دون الوقوع في الميلودراما أو الاستغلال العاطفي. نجحت في المزج بين البساطة والعمق لتقدّم سردًا صادقًا عن رحلة التعافي بعد الصدمة، وجعلت من فيلمها نموذجًا واضحًا لسينما التعافي  (Healing Cinema)؛ إذ لا يقتصر على عرض المعاناة، بل يوضح مسار التعافي والتحديات العملية التي تمر بها الشخصية لاستعادة توازنها النفسي بعد الصدمة.

Visited 1 times, 1 visit(s) today