“فلسطين ٣٦”: الديناميات المتناقضة في بنية السينما البديلة المعاصرة (دراسة حالة)
مالك خوري
مقدمة: “اللحظة التاريخية” كقوة دافعة
فيلم “فلسطين 36“ (للمخرجة آن ماري جاسر، 2025) تحول عملاً سينمائياً فلسطينيا محورياً حظي بتداول عالمي وتميز في تقديمه للتاريخ الفلسطيني. ولعل الأمر الذي لا يقل أهمية عن ذلك، هو أن الفيلم حقق حضوراً وانتشاراً غير معتادين بالنسبة للأعمال التي تنتمي إلى هذا النوع السينمائي؛ ولم يكن ذلك مدفوعاً بخصائصه الفنية، أو هيكلية تمويله، أو أصالته في تصوير حقبة تاريخية أُهْمِلتْ طويلاً فحسب، بل لأن الفيلم قدّم نموذجاً حيوياً يوضح كيف يمكن لـ “ظرف تاريخي” محدد (2023-2025) أن يساهم في تشكيل العلاقة الناظمة بين سينما مناهضة للاستعمار، ورأس المال العالمي، والوعي الجمعي العام.
لقد برز فيلم “فلسطين 36 “ كأحد أكثر الأفلام نجاحاً في تناول القضية الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة؛ حيث تزامن عرضه الأول مع ذروة التوغل الصهيوني المدعوم أمريكياً في قطاع غزة، وفي خضم تجدد الخطاب العام حول مقولة “إسرائيل الكبرى”—وهو المفهوم الذي روّج له مسؤولون إسرائيليون وشخصيات أمريكية بارزة، بمن فيهم السفير الأمريكي لدى إسرائيل. كما تلا هذه المرحلة توغلات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان واعتداءات استهدفت المدنيين في عشرات البلدات والقرى اللبنانية، مما شكّل خلفية حاسمة ومؤثرة في سياق تلقي الفيلم وقراءته نقدياً ومجتمعياً.
وكان من شأن تصاعد الحروب في غزة ولبنان، بدءاً من عام 2023، أن يشكّل حافزاً لإدانات شعبية واسعة النطاق قادتها الحركات الطلابية، والنقابات العمالية، والأوساط الفكرية اليسارية في العالم الغربي. وتُبيّن هذه الدراسة كيف أعادت هذه المتغيرات في الوعي الشعبي والاجتماعي الراهن تشكيل التصورات الغربية، واهبةً بيئةً حاضنةً لفيلم يقدّم رؤية تاريخية للإمبريالية العالمية قائمة على أساس جدلي علمي. وفي نهاية المطاف، تحلل هذه الورقة كيف تلقت الأوساط الفنية الفيلم ليس على الرغم من هذه العوامل البنيوية، بل من خلالها؛ مبيّنةً كيف أسهم التوتر القائم بين التمويل الدولي (سواء المحافظ أو الليبرالي) من جهة، والمقاومة الشرسة للعدوان الإسرائيلي المتجدد حتى عام 2025 من جهة أخرى، في صياغة المسار الثقافي والتجاري الفريد للفيلم مباشرةً، وذلك ضمن نافذة تاريخية متميزة ومنفتحة.
ولتفكيك هذه الديناميات المتداخلة بشكل كامل، تختار هذه الدراسة دمج أربعة أبعاد نظرية متميزة والتفاعل بينها؛ أولاً: وبوصفها دراسة تاريخية-مادية، فإنها تؤصل التحليل النصّي لفيلم “فلسطين 36“ ضمن أسس طبقية ملموسة، وعمليات تهجير فلاحية، وإضرابات عمالية، متتبعةً الامتدادات البنيوية للإمبريالية البريطانية وصولاً إلى الأطر الاستعمارية المعاصرة. ثانياً: تعمل الدراسة كتحليل ظرفي (Conjunctural Analysis)، حيث تتعامل مع النافذة الجيوسياسية (2023-2025) لا كخلفية سلبية، بل كـ “مؤلف بنيوي مشارك” نشط يسهم في اعادة تشكيل الوعي الجمعي والتأثير على الشبكات الثقافية التقليدية. ثالثاً: ومن خلال منظور الاقتصاد السياسي، ترفع الورقة الغموض عن نماذج التمويل عابرة الحدود وتناقضات رأس المال العالمي التي سمحت لفيلم جذري مناهض للإمبريالية بأن يحصل على موارده من صناديق دول الخليج المحافظة والمؤسسات الأوروبية البيروقراطية. أخيراً: وباعتبارها دراسة تلقٍّ (Reception Study)، تقيّم الورقة كيف حوّل التحول العميق في التضامن الشعبي العالمي تداول الفيلم وساهم في نشره كمساحة للتعبير السياسي النشط. ومن خلال المزج بين هذه العدسات الأربع، تصل هذه الورقة لاعادة التأكيد أن المسار المعاصر لأي فيلم لا يمكن فهمه إلا من خلال الاستحضار النقدي للتفاعل الجدلي بين التاريخ، والصناعة السينمائية، والأيديولوجيا، وتفاعل الجمهور.
ومن خلال فحص معطيات الإنتاج والتوزيع والتسويق لفيلم “فلسطين 36“، تخلص هذه الدراسة إلى أنه في ظل ظروف تاريخية معينة، تصبح الواقعية السياسية المستمرة—إلى جانب تناقضاتها الكامنة—أكثر بروزاً وتأثيراً في تشكيل الحركات السينمائية وتطورها وتلقيها. وبناءً على ذلك، لا تارب هذه الورقة فيلم “فلسطين 36“ كنموذج صناعي جامد لصناعة الأفلام “غير السائدة”، بل كمنتج لظرفيّة تاريخية بالغة الخصوصية. وكما أثبت فيلم “معركة شيلي“ (1975-1979) للمخرج باتريسيو غوزمان كيف يمكن للأحداث التاريخية الخام أن تخترق الهيمنة الإمبريالية لتهز شبكات التوزيع والتلقي العالمية، فإن فيلم “فلسطين 36“ يساعدنا من جديد في فهم كيف يمكن لصدام الأزمات المعاصرة أن يسهم في تحدي البنى الثقافية التقليدية واعادة تشكيلها.
أولاً: فيلم “فلسطين 36” كسردية تاريخية قائمة على الرؤية الطبقية
من خلال إعادة قراءة الثورة الفلسطينية عام 1936، يضع الفيلم الواقع المعاصر ضمن مسار تاريخي أوسع، مؤكداً على الأسس الاستعمارية لصراع لا يزال يشكّل المشهد السياسي في الشرق الأوسط. وخلافاً للعديد من الأفلام الحديثة التي تتناول هذه المنطقة، يقدّم فيلم “فلسطين 36“ سرداً تخيلياً مؤصلاً تاريخياً لمحطة مفصلية في هذا الصراع الطويل؛ وعلى وجه التحديد، يضع الفيلم في الصدارة الدور التاريخي للإمبريالية الغربية في تسهيل إقامة الدولة الاستيطانية الصهيونية—وهو التطور الذي يظل مصدراً رئيسياً لعدم الاستقرار المستدام في المنطقة بأسرها.
إن الميزة الأبرز التي تميز فيلم “فلسطين 36“ للمخرجة آن ماري جاسر—وتمنحه موقعاً جذرياً مغايراً تماماً للعديد من الأفلام الحديثة “المتعاطفة مع فلسطين”—هي تركيزه الواضح على “تاريخانية” (Historicity) بنيته السردية. فبينما ركزت معظم الأفلام خلال العقدين الماضيين على الجوانب الشخصية للانسان الفلسطيني في علاقته مع الدولة الاستيطانية الصهيونية—ونجحت في انتزاع اعتراف واسع نسبياً في المهرجانات والأوساط السينمائية الغربية—فإن فيلم “فلسطين 36“ يؤصل قصته بقوة في التاريخ المادي. ولا تكمن أهمية هذا السرد في اشتباكه مع حقبة نادراً ما جرى تقديمها في السينما فحسب—ونعني بها انتفاضة عام 1936—بل أيضاً في الطريقة التي استُعيدت بها هذه المرحلة كاطار مادي وتاريخي فاعل، وليست مجرد خلفية زمنية عابرة.

إن العديد من الأفلام الحديثة المتعاطفة مع فلسطين—بما في ذلك عدد من أعمال السينمائيين الفلسطينيين أنفسهم—تصر على وضع الشخصية الفلسطينية في خانة الضحية العاجزة؛ أو تختزل الاستعمار الاستيطاني الصهيوني وآثاره المتفاقمة منذ مطلع القرن العشرين في “معضلة إنسانية” عامة، أو خطاب حقوق إنسان منزوع السياق، أو سرديات تتمحور حول فرص السلام الضائعة. غير أن آن ماري جاسر ترفض تهذيب موضوعها أو تكييفه ليتوافق مع الذائقة الليبرالية “المهذبة”، سواء كانت عربية أو دولية؛ بل تتحرك في الاتجاه المعاكس تماماً، فاحصةً بدقة متناهية البنى المادية والتاريخية للصراع.
من خلال درامَـةِ الثورة العربية الفلسطينية (1936-1939) ضد الحكم الاستعماري البريطاني إبان فترة الانتداب، يركز الفيلم في البداية على “يوسف”؛ وهو شاب من قرية ريفية يبدو أكثر اهتماماً بمستقبله الشخصي منه بالسياسة. ومع ذلك، ومع معايشته للتوترات المتصاعدة التي تعيد تشكيل مجتمعه، ينجذب تدريجياً إلى غمار النضال الناشئ المناهض للاستعمار. وبناءً على ذلك، وفي حين يبدأ السرد من منظور بطل محدد، يتسع نطاقه بشكل ملحوظ مع تطور القصة. وفي سياق تصويره لواحدة من أكبر الانتفاضات ضد الحكم البريطاني في العالم العربي، يتحول فيلم “فلسطين 36“ في نهاية المطاف إلى سرد تاريخي بانورامي يتتبع المراحل التأسيسية الرئيسية للثورة، ويفحص الجدليات الاجتماعية والسياسية التي شكلت مسار تطورها. فيتسع النطاق السردي إلى ما هو أبعد بكثير من شخصية يوسف ليتتبع مروحة واسعة من الشخصيات—بمن فيهم القرويون الفلاحون، والعمال، والصحفيون، والقادة السياسيون، والمسؤولون البريطانيون—معاينا بذلك الانقسامات الداخلية داخل المجتمع الفلسطيني، والسجالات حول استراتيجيات المقاومة، والتوترات الطبقية، والعلاقة المعقدة بين السلطات الاستعمارية والنخب المحلية. وفي الوقت نفسه، يسلط الفيلم الضوء على التنسيق المستمر بين مسؤولي الاستعمار البريطاني وقادة الحركة الصهيونية، سواء داخل فلسطين أو على الصعيد الدولي، واضعاً الثورة في سياق القوى الجيوسياسية الأوسع التي أعادت صياغة المنطقة خلال تلك اللحظة التاريخية الحاسمة.
كما يولي السرد اهتماماً خاصاً لدور القمع العسكري البريطاني، مبيّناً كيف أرسى هذا القمع الأسس للتكتيكات والممارسات التي ستترسخ لاحقاً في ظل الدولة الصهيونية—بما في ذلك العقاب الجماعي، والاغتيالات الممنهجة، ومصادرة الأراضي، والتهجير القسري، وتدمير البلدات والقرى الفلسطينية ومحوها. وبهذا، يتتبع فيلم “فلسطين 36“ التواصل التاريخي الحاسم بين البنى الاستعمارية لانتداب بريطانيا، وأشكال الهيمنة اللاحقة التي كابدها الفلسطينيون والشعوب العربية الأخرى.
وبناءً على ذلك، يعمل فيلم “فلسطين 36“ كتدخّل متميز نوعياً داخل السينما الفلسطينية المعاصرة؛ إذ يعيد قراءة أبعاد النضال الفلسطيني التي تعرضت لتهميش متزايد في العقود الأخيرة، لا سيما في أعقاب اتفاقيات أوسلو عام 1993 الموقعة بين إسرائيل والقيادة الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات. وبينما نزع العديد من الأفلام الفلسطينية المعاصرة نحو تأسيس خطاب يركز على الوقائع المباشرة للاحتلال ما بعد عام 1967—مثل العيش اليومي، والغربة، والهوية الثقافية، والذاكرة، والتشرذم—يعيد فيلم “فلسطين 36“ توجيه الانتباه نحو الأسس المناهضة للاستعمار والأسس التاريخية-المادية للصراع. ولعل الأمر الأكثر أهمية هو أنه يضع في الصدارة دور الإمبريالية الغربية—والبريطانية تحديداً في هذه الحالة—في تسهيل إقامة البنى الاستيطانية الاستعمارية في فلسطين. ولا يقل عن ذلك أهميةً إعادته قراءة الثورة العربية (1936-1939) بوصفها أول مقاومة مسلحة منظمة وواسعة النطاق يخوضها الفلسطينيون ضد المسعى الصهيوني-الإمبريالي المشترك لاستعمار بلادهم.
وفي واقع الأمر، فإن الخطاب المعاصر حول التاريخ الفلسطيني يستمد مقوماته إلى حد كبير من التاريخ المادي الحي لسكان لا يزال تعدادهم—سواء داخل الوطن المحتل أو في الشتات—يفوق أعداد المستوطنين الصهاينة الذين أُسست دولتهم “رسمياً” عام 1948. وتظل هذا الواقع جليا في وفرة السجلات المادية المحكية والمكتوبة والفوتوغرافية؛ وهي أرشيفات تؤسس لقواعد راسخة توثق تطور العملية الاستيطانية الصهيونية وجرائمها في فلسطين عبر أشكال توثيقية متعددة، مستدامة ومتاحة.
وفي هذا السياق، فإن دمج الفيلم للتاريخ لا يأتي كمجرد وجهة نظر مفتوحة للتأويل الحر، ولا يختزله في قراءة ميتافيزيقية مجردة أو دينية أو أخلاقية؛ بل إنه يستقرئ تجليات التاريخ المثبتة والمستعادة بوصفها تجسيداً ماديا تظل عناصره فاعلة ونشطة داخل الواقع العربي والإقليمي المعاصر. وتبعاً لذلك، يعتمد تناول الفيلم للتاريخ على بنية سردية متخيلة مجازية محكمة النسج تتجاوز شخصياتها حدودها الفردية لتصبح ركائز رمزية لبنى اجتماعية وتاريخية محددة.

علاوة على ذلك، ومن خلال التفاصيل الدقيقة لمسارات الشخصيات الرئيسية والثانوية على حد سواء—فضلاً عن تجليات الفاعل التاريخي (Historical Agency) داخل هذه الشخصيات التي تمثل عوالم مصغرة، وهي منهجية تتكرر عبر مجمل النتاج السينمائي لجاسر—تجري مقاربة ما يُعرف عادة بـ “القضية الفلسطينية” داخل فضائها الجيوسياسي الأوسع. وبذلك، يوضع الصراع في سياق المراحل الوسيطة لمشروع سياسي صُمم لضمان الهيمنة الإمبريالية على المنطقة العربية والشرق الأوسط—وهو المشروع الذي ما زالت المنطقة تعيش في قلب آتونه في هذه المرحلة.
بيد أن فيلم “فلسطين 36“ يدفع بهذه الرموز الانسانية الحية والمجازات بشكل فريد نحو مستوى أكثر وضوحاً ومكاشفة من خلال استدعاء الأبعاد الطبقية لبناه الاجتماعية والسياسية، مقدماً بذلك أطروحة أكثر جذرية في مقاربته لهذه اللحظة المفصلية من التاريخ الفلسطيني. فالفيلم يرسم الملامح الدقيقة للعقد الذي سبق إقامة الدولة الصهيونية عام 1948، مبرهناً على أن الاستيطان الممنهج لفلسطين لم يكن يوماً مجرد رد فعل على الفظائع التي كابدها اليهود في أوروبا—وهي الفظائع التي اقترفتها الفاشية الأوروبية وأقحمت العالم في حرب كونية—بل يجري تأطيره ضمن مشروع متكامل: استيطاني، كولونيالي، إمبريالي، وقائم على أساس طبقي، نُفِّذ بتخطيط ودعم سياسي ولوجستي وعسكري مباشر من الاستعمار البريطاني (الممثل الرئيسي للإمبريالية العالمية آنذاك). وفي نهاية المطاف، استهدف هذا المشروع إقامة كيان وظيفي يخدم المصالح الاستراتيجية للإمبريالية الغربية في منطقة الشرق الأوسط الأوسع.
يُفصل الفيلم بشكل متميز البنية الطبقية للمقاومة الفلسطينية بجناحيها المسلح وغير المسلح، واصلاً إياها برابط عضوي بالفلاحين في الريف الذين خضعوا مباشرة لعمليات مصادرة الأراضي المبكرة، والحصار المكاني، والتوغلات الأولية للصهاينة الأوروبيين. ويتجذر هذا البؤس المادي لسكان الريف في شخصيات مثل “يوسف” (كريم داود عناية)، وهو ابن مزارع يتتبع مسار تحوله من مراقب غير مسيس إلى ثائر نشط يلوذ بالجبال، ما يعكس التجذير السياسي الأوسع الذي طرأ على طبقته. ومن خلال شخصيات مثل الفتاة اليافعة “عفراء” (وردة عيلبوني) وجدتها (هيام عباس)، يسلط فيلم “فلسطين 36“ الضوء على كيف دفع التهجير الزاحف للسكان الزراعيين هؤلاء إلى الانخراط في ثورة مسلحة كشرط حتمي للبقاء. وتجابه هذه المقاومة الريفية بالواقع المادي الفظ لتكتيكات مكافحة التمرد البريطانية، والتي يجسدها الكابتن “الصهيوني-المسيحي” المتعصب “أورد وينغيت” (روبرت أرامايو)، الذي بنى أساليبه القائمة على فرض غرامات عقابية على القرى، ومصادرة الماشية، وهدم المنازل، لتفكيك البنية التحتية الداعمة للثورة في الريف بشكل ممنهج. وبالموازاة مع ذلك، يبرز الفيلم أيضا اعتماد المقاومة على الطبقة العاملة العربية في المراكز الحضرية مثل يافا والقدس، وهي الطبقة التي طُرد أفرادها بانتظام وبرمجية من الدورة الاقتصادية بموجب السياسة العمالية الصهيونية المعروفة بـ “العمل العبري” (أفودات إيفريت). ويتجسد هذا الوعي البروليتاري بنيوياً في شخصية “خالد” (صالح بكري) وعمال أرصفة ميناء يافا، الذين تتأجج نقطة تحولهم نحو تبني المقاومة المسلحة عندما يكتشفون أسلحة مهربة ممررة للمليشيات الصهيونية ومخبأة داخل شحنات بريطانية. وفي نهاية المطاف، فإن هذه الطبقة العاملة الحضرية المُهجّرة هي التي وفرت إحدى ركائز الدعم للإضراب العام التاريخي الذي استمر ستة أشهر عام 1936، مستثمرةً السحب الكامل لقوتها العاملة لشل الإدارة الاستعمارية البريطانية.
وفي هذا السياق، لا يتوانى الفيلم عن تسليط الضوء على الدور الخبيث الذي لعبته آنذاك معظم شرائح البورجوازية الكومبرادورية (الوسيطة) الفلسطينية الصاعدة في حينه وملاك الأراضي الإقطاعيين (وامتداداً لهما، البورجوازية العربية الرجعية في الدول المجاورة). إذ أسهمت هذه الطبقة النخبوية، مباشرة أو مواربة، في إضعاف الثورة الفلسطينية عبر تقديمها الحفاظ على الثروة وتراكم رأس المال على الدفاع عن الحقوق الوطنية. وتتبلور ديناميات التواطؤ الطبقي هذه في تركيز الفيلم الحاد على شخصية “عامر”، ناشر الصحف الثري في القدس، الذي يناهض الإضراب العام بنشاط ولكن بشكل غير مباشر لحماية مصالحه التجارية. ويكشف السرد عن عمق هذه الخيانة عندما يفتضح أمر صحيفة عامر التي جرى تطويعها لنشر عمود بروباغندا تخديري صاغه سراً كاتب صهيوني. وبصرياً، تؤكد المخرجة آن ماري جاسر على تجسيد هذا الانقسام المادي العميق عبر القطع المونتاجي بين مشاهد مروعة لجنود بريطانيين يروعون القرى الريفية، وحفلات استقبال باذخة في القدس؛ حيث يختلط فلسطينيون من الطبقة المخملية بارتياح مع مسؤولين بريطانيين رفيعي المستوى—مثل المندوب السامي “أرثر واشوف” (جيرمي آيرونز) وسكرتيره الخاص “توماس هوبكينز” (بيلي هول)—بما يحاكي كيف ظلت البورجوازية معزولة داخل جيوبها الحضرية. اذ أن خوفهم من فلاحين مسلحين وراديكاليين يدفعهم في نهاية المطاف نحو مفاوضة قنوات خلفية واقامة أشكال من التعاون غير المعلن مع “الوكالة اليهودية لأجل إسرائيل” وزعيمها “حييم وايزمان”. ومن خلال تبيان كيف وظّفت النخبة المحلية جهازها الإعلامي وامتيازاتها الطبقية لتخدير الجماهير، يطرح فيلم “فلسطين 36“ بشكل غير مباشر موضوع خلفيات تفتت الجبهات الوطنية مؤطراً البورجوازية الكومبرادورية كعقبة داخلية في وجه النضال المناهض للاستعمار.
وكما يتضح من معالجة الفيلم للتاريخ—والتي ترفض إطار المأساة الإنسانية المحضة لصالح واقع بنيوي، طبقي، ومناهض للاستعمار—فإن فيلم “فلسطين 36“ يقدم فلسطين بوصفها موقعاً لمشروع إمبريالي صُمم لتأسيس قاعدة استيطانية استراتيجية في قلب منطقة حيوية جيوسياسياً واقتصادياً. ويدفعنا هذا بالضرورة الى محاولة فهم الديناميات الاقتصادية التي سمحت بتجسيد مثل هذا الخطاب السينمائي المغاير تجاه الموضوع الفلسطيني، لا سيما في ظل الواقع المؤسساتي المتقلب والتقييدي في كثير من الأحيان لصناعات السينما العالمية والإقليمية على حد سواء.
فعلى مدار العقد الماضي، أعادت تحولات عميقة تشكيل البنى الحاكمة لإنتاج الأفلام وتوزيعها وتسويقها في العالم العربي، بالتوازي مع احتكار متزايد لصناعة السينما العالمية من قِبل التكتلات الإعلامية الرأسمالية الضخمة. وللمفارقة، في حين حظي فيلم “فلسطين 36“ بدعم مؤسساتي ثقيل من مصادر سعودية وخليجية وأوروبية وأمريكية، فإن إنجازه النهائي وتوزيعه قد تأثرا بعمق بالمشهد الجيوسياسي الغربي المتغير والمضطرب بشكل متزايد. وبالفعل، فإن العديد من الداعمين الماليين الأصليين للفيلم كانوا يمثلون أوساطاً سياسية محافظة متحالفة تقليدياً مع إسرائيل، أو، في أفضل الأحوال، ليبراليين غربيين اقتصر فهمهم للقضية الفلسطينية بشكل عام على سردية “الظلم الإنساني” المحلي.
وفي هذا الصدد، يبرز سؤال نقدي جوهري: كيف يمكننا تفسير هذا الاشتباك السينمائي الصارم وغير المهادن للفيلم مع الجذور التاريخية لهذا لصراع مستدام ومفصلي، على الرغم من اعتماده على هذا الدعم من قبل رأس المال التقليدي أو الرجعي؟ وعلى القدر نفسه من الأهمية، كيف تسنى لفيلم يضع في الصدارة قراءة مناهضة للاستعمار بشكل صريح للتاريخ الفلسطيني، أن يضمن الحضور والانتشار والصدى الثقافي اللازم لإحداث مثل هذا الأثر النقدي الجماهيري والدولي في الثقافة السائدة؟
وتكتسب هذه الأسئلة الحاحاً خاصاً في عصر تشكلت فيه البنية الاقتصادية السياسية لصناعة الأفلام بفعل ملكيات مركزية، ومحددات سوقية، وهياكل تمويل عابرة للحدود الوطنية، وشبكات توزيع تمنح الأفضلية بصفة ممنهجة للسرديات المجدية تجارياً والمعقمة أيديولوجياً. ومن ثم، فإن نجاح فيلم “فلسطين 36“ يستدعي فحصاً دقيقاً ليس لمجرّد شكله السينمائي وفضائه الفني فحسب، بل للشروط والظروف الصناعية والسياسية والثقافية الأوسع التي جعلت إنتاجه وتداوله وتلقيه أمراً ممكناً.
ثانياً: الاقتصاد السياسي للإنتاج
يقدم التجسيد البنيوي للملحمة التاريخية “فلسطين 36“ للمخرجة آن ماري جاسر شهادة دامغة على كيفية إعادة تشكيل التحولات السياسية الكبرى (الماكرو-سياسية) للهيكلية المادية لتمويل السينما المستقلة مباشرةً. ومن خلال ارتكازه على مرحلة إعداد وتطوير مكثفة امتدت لعدة سنوات وتطلبت تدقيقاً أرشيفياً مضنياً، فإن انتقال المشروع من مرحلة السيناريو إلى الإنتاج الفعلي يبرهن على أن تمويل السينما المناهضة للهيمنة نادراً ما يكون عملية صناعية أحادية في توجهها التنفيذي؛ حيث إن “المزيج التمويلي” (Capital Stack) للمشروع قد تسارع بعمق بفعل التطورات الجيوسياسية التي طرأت في منتصف العقد الحالي.
مرحلة إعداد وتطوير تمتد لثمانية أعوام
تطلّب تبلور التحضير الأولي للمفهوم الفكري لفيلم “فلسطين 36“ وتطويره التزاماً مؤسساتياً مكثفاً وممتداً لعدة سنوات، وذلك قبل وقت طويل من بدء الإنتاج الفعلي. ولأن الفيلم يتعامل مع موضوعه لا بوصفه مأساة أخلاقية مجردة، بل كقراءة بنيوية مؤصلة للمقاومة المناهضة للاستعمار ضد حكم الانتداب البريطاني، فقد استلزمت مرحلة ما قبل الإنتاج الممتدة هذه بحثاً أرشيفياً شاملاً وتوثيقاً تاريخياً صارماً. (Rampell 2026) وتشير تقارير قطاع السينما إلى أن جاسر عرضت المسودة الأولى للسيناريو والمفهوم التاريخي على منتجها الذي رافقها طويلاً، أسامة بواردي، قبل ما يقرب من ثماني سنوات من بدء التصوير (Bazaar Staff 2026).

ولضمان مناعة السرد وحصانته التاريخية ضد أي تشكيك، تعاون الفريق الإبداعي مع مؤرخين بارزين من الغرب والشرق الأوسط—بمن فيهم رشيد خالدي، وآفي شلايم، وإيلان بابيه—واضعين بذلك إطاراً معمارياً وتأريخياً (Historiographical) صارما للفيلم (Columbia Spectator 2026). ولعل الأمر الحاسم هنا، هو أن هذه العملية المتعمدة وبطيئة العوائد كانت أيضاً ضرورة بنيوية فرضتها العقبات التمويلية الممنهجة والنمطية التي تواجه السينما الفلسطينية ضخمة الإنتاج، لتشكل مقدمة حيوية لضمان إطلاق الفيلم لاحقاً في مهرجانات عالمية رفيعة المستوى.
تمويل ملحمة فلسطينية عابرة للحدود الوطنية
يجسد الفيلم الملحمي التاريخي “فلسطين 36“ لآن ماري جاسر الآليات المعقدة والمتحولة للإنتاج المشترك الدولي في السينما العالمية المعاصرة. فرغم انطلاق المشروع بنيوياً كتعاون يضم هيئات ثقافية أوروبية عريقة—بما فيها معهد الفيلم البريطاني (BFI)، وفيلم بي بي سي (BBC Film)، وشركة “إم كيه برودكشنز” (MK Productions) الفرنسية—إلا أن الضخامة الاستثنائية لحجم المشروع استدعت في نهاية المطاف نموذجاً تمويلياً أكثر اتساعاً. إن إعادة بناء الوقائع المادية للثورة العربية عام 1936 ضد الحكم الاستعماري البريطاني تطلبت رأس مال ضخماً لدعم استعمال مواقع التصوير التاريخية الشاسعة، ومشاهد الحشود الكبيرة، والمعارك المتطابقة مع دقة المرحلة الزمنية، فضلاً عن طاقم ممثلين دولي رفيع المستوى يضم فنانين مشهوداً لهم مثل جيرمي آيرونز وليام كنينغهام (MAD Solutions 2025). وبما أن منح السينما المستقلة من الجهات الغربية تخضع لتنافسية شديدة، فقد أصبح الحفاظ على القيم الإنتاجية العالية للفيلم، وإنجازه النهائي، وبصمته التوزيعية القوية على مستوى المنطقة، معتمداً بشكل وافر على الدعم المؤسساتي والمالي من المملكة العربية السعودية وجهات خليجية مختلفة. وتدخلت هذه المؤسسات الإقليمية لتوفير الدعامة المالية الحيوية، والبنية التحتية التقنية، وشبكات التسويق المهرجانية رفيعة المستوى واللازمة لإطلاق الفيلم إلى المسرح العالمي. وجرى تعزيز هذه البنية الفوقية التمويلية عبر منطقة جنوب غرب آسيا وشمال إفريقيا (SWANA) من خلال مزيج من الصناديق الثقافية السيادية وشركات الإعلام الخاصة، حيث قدمت كل منها مستويات متميزة من الدعم الإنتاجي ودعم ما بعد الإنتاج.
وقد برزت إحدى الركائز الأساسية لهذا الدعم الإقليمي من المملكة العربية السعودية عبر صندوق مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي، الذي يعمل كآلية تمويل رئيسية للمبادرات الثقافية الحديثة للمملكة بهدف دعم الأصوات السينمائية العربية عالمياً (Screen Daily 2025). وبالمطابقة مع ذلك، شاركت قطر عبر مستويات مؤسساتية عميقة من الدعم؛ إذ ساند معهد الدوحة للفيلم (DFI) المشروع من خلال برنامجه الراسخ لمنح صناع السينما المستقلين، في حين ساهمت “استوديوهات كتارا”—وهي شركة إنتاج ومنشأة صوتية قطرية كبرى—كشريك إنتاج رئيسي لتوفير البنية التحتية الفنية الأساسية وقدرات عمليات ما بعد الإنتاج (BFI n.d.). ولإضفاء مزيد من التحصين على الإطار المالي للفيلم، انضمت مجموعة “ميتافورا للإنتاج” الإعلامية المرتبطة بقطر إلى المشروع كشريك إنتاج رسمي (MAD Solutions 2025). وعلاوة على ذلك، قدمت دولة الإمارات العربية المتحدة رأس مال حيوياً في شكل دعم مباشر للأفلام الروائية الطويلة؛ حيث اختير فيلم “فلسطين 36“ كأحد الفيلمين الافتتاحيين اللذين حصلا على منحة “صندوق منصة الشارقة للأفلام لإنتاج الأفلام الطويلة” من مؤسسة الشارقة للفنون، ما أَمّن له تدفقاً مالياً حاسماً لتجسيد الرؤية السينمائية البانورامية للمخرجة (Metacritic n.d.). وبتظافرها معاً، نجحت هذه الشراكات الخليجية بفاعلية في تجسير الفجوة بين التمويل العام الأوروبي والمتطلبات الرأسمالية الهائلة للدراما الحربية التاريخية.
بلغت الميزانية الإنتاجية للفيلم ما يقارب 6 ملايين دولار (MAD Solutions 2025)؛ ويمثل هذا الرقم بصمة مالية ضخمة بالنظر إلى بنية الاقتصاد السياسي للسينما المستقلة في منطقة جنوب غرب آسيا وشمال إفريقيا (SWANA)—حيث تتراوح ميزانيات الأفلام الروائية الطويلة عادة بين 800,000 و1.5 مليون دولار. ولأجل تأمين هذا المستوى من رأس المال لمشروع ذي طابع سياسي واضح، تعيّن على صناع العمل التنقل عبر شبكة معقدة من الدبلوماسية الثقافية، والقوة الناعمة الإقليمية، وشبكات الإنتاج المشترك العالمية. وفي هذا الإطار، ضخّ الصندوق الثقافي الأساسي للمملكة العربية السعودية، “صندوق البحر الأحمر”، مبلغاً قدره 500,000 دولار (أي ما يعادل تقريباً 8.3% من الميزانية)، ليكون بمثابة ركيزة ثقيلة وظّفت رأس مالها لتضخيم الأصوات السينمائية العربية على الساحة العالمية (Screen Daily 2025). وبالموازاة مع ذلك، قدم معهد الدوحة للفيلم واستوديوهات كتارا في قطر منحة إنتاجية مسقوفة بقيمة 100,000 دولار (1.6% من الميزانية)، إلى جانب دعم عيني حيوي تمثل في البنية التحتية للصوت وعمليات ما بعد الإنتاج (BFI n.d.). وأخيراً، ساهمت دولة الإمارات العربية المتحدة بضخ مالي مباشر قدره 68,000 دولار (1.1% من الميزانية) عبر “صندوق منصة الشارقة للأفلام لإنتاج الأفلام الطويلة” في دورته الافتتاحية والتابع لمؤسسة الشارقة للفنون (Sharjah24 2026).
وإجمالاً، شكلت هذه المنح الخليجية المباشرة قرابة 11.1% (668,000 دولار) من إجمالي الميزانية. وفي دراسات الإنتاج الإعلامي، تُصنف هذه المخصصات بوصفها “أموالاً مرنة” (Soft Money) تأسيسية؛ وهي رأس مال ارتكازي حاسم يمنح الشرعية للهيكل المالي للمشروع، ويعطي إشارة لبقية أطراف الصناعة بجدواه وقابليته للتحقق. ومن خلال إرساء هذا “النموذج الإقليمي لإثبات المفهوم” (Proof-of-Concept)، تمكن صناع الفيلم من تجميع النسبة المتبقية من الميزانية والبالغة 88.9% عبر “هرم تمويلي” عالمي شديد التعقيد ومتعدد الطبقات. وجاءت الحصة الأكبر من هذا التمويل—والتي بلغت 74% من إجمالي الميزانية—مدفوعة بالصناديق الثقافية الحكومية الأوروبية، بما في ذلك معهد الفيلم البريطاني (BFI)، وفيلم بي بي سي (BBC Film)، والمركز الوطني للسينما والصورة المتحركة في فرنسا (CNC)، وصندوق “سورفون” النرويجي (Sørfond)؛ وهي جهات تشترط إنفاق هذه الأموال محلياً على خدمات ما بعد الإنتاج المتخصصة مثل المؤثرات البصرية ومكساج الصوت (BFI n.d.). أما النسبة المتبقية والبالغة 15% من هرم رأس المال، فقد جرى توليفها عبر منظمات إقليمية مستقلة ومنح بين-عربية، مثل الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق / AFAC)، وشراكات إعلامية إقليمية مع شبكة “تي آر تي” التركية (TRT)، ومبيعات تجارية مسبقة مدفوعة بمتطلبات السوق من موزعين دوليين مثل شركة “إم كيه 2” (mk2 films) وشركة “واترملون بيكتشرز” (Watermelon Pictures) في أمريكا الشمالية (TRT World 2026). وفي نهاية المطاف، يقدم فيلم “فلسطين 36“ دراسة حالة نموذجية للسينما العابرة للحدود الوطنية في العصر الحديث، مبيّناً كيف يتعين على صناع السينما المستقلين التجسير الاستراتيجي بين الصناديق الثقافية الإقليمية والاستثمارات التجارية العالمية لطرح سرديات تاريخية مضادة ومعقدة على الشاشات العالمية.
وضمن هذا الإطار التمويلي المعقد، شهد الانتقال من مرحلة ما قبل الإنتاج إلى التنفيذ المادي الفعلي تسارعه الحقيقي والأقوى بين عامي 2023 و2025، مدفوعاً بقوة بتحول الواقعين الإقليمي والعالمي. وبالمطابقة مع ذلك، شكلت هذه النافذة التاريخية المحددة التوقيت الأهم لاستنفار وتعبئة الأجهزة المالية والتوزيعية للفيلم؛ إذ أعادت الاضطرابات الجيوسياسية بين عامي 2023 و2025 تشكيل المشهد الإعلامي العالمي، مغيرةً بشكل جذري الطريقة التي يرى بها الداعمون الدوليون الأهمية السياسية الملحة للمشروع. وضمن هذا الإطار الزمني المضغوط، جرى تفعيل الدعم المؤسساتي الخليجي العابر للحدود ورأس مال الإنتاج المشترك الحكومي الأوروبي بالكامل، مما أدى إلى تثبيت ميزانية الفيلم البالغة 6 ملايين دولار من خلال منح رفيعة المستوى من صندوق البحر الأحمر السعودي، ومعهد الدوحة للفيلم في قطر، ومؤسسة الشارقة للفنون في الإمارات (Mehta 2025).

اذا العامل الأمر الأكثر أهمية هو أن هذه الموجة العارمة والمتزايدة من التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني في تلك الفترة عملت كمورد تراكمي أسهم مباشرة في تسهيل دعم الفيلم داخل السياقين الأوروبي والعالمي الأوسع. فقبل أواخر عام 2023، كان طرح مشروع ملحمي تاريخي بميزانية 6 ملايين دولار يتمحور حول مقاومة فلسطينية أو عربية مسلحة مناهضة للاستعمار يمثل مسعى بالغ الصعوبة أمام مجالس الأفلام الغربية الحذرة والمتحفظة تجاه المخاطر؛ إذ كانت هذه المجالس تعمد بانتظام إلى تعطيل مشاريع من هذا النوع أو تنحيتها جانباً بدعوى أنها “حساسة سياسياً” أو غير مجدية تجارياً. ومع ذلك، ومع تحرك المظاهرات الشعبية الواسعة في كبرى المدن الأوروبية والأمريكية، تحول هذا الوعي الجمعي المتغير بفاعلية إلى “رأس مال مؤسساتي”. وداخل هيئات مثل معهد الفيلم البريطاني (BFI) والمركز الوطني للسينما والصورة المتحركة في فرنسا (CNC)، تغيرت الحسابات التقديرية والمؤسساتية بشكل جذري؛ واستغلت هذه المؤسسات المشروع للاستجابة للضغوط المتزايدة، الداخلية منها والخارجية، المتعلقة بالتهميش التاريخي والتغييب الممنهج للسرديات الفلسطينية. لقد وفر فيلم “فلسطين 36“ ركيزة مرموقة، وقانونية، ومحصنة إلى حد كبير؛ ولأن سرديته كانت ترتكز صراحة على التاريخ الاستعماري البريطاني وليس على الحروب المعاصرة، فقد أتاح ذلك للمجالس الثقافية الغربية تلبية المطالب الشعبية بمنح الحضور والوضوح للفلسطينيين دون الاشتباك المباشر مع خطوط الصدع الدبلوماسية الحديثة والحساسة (Rampell 2026). وفي نهاية المطاف، تحول هذا التدفق العارم للتضامن الشعبي إلى درع أيديولوجي واقٍ للبيروقراطيين الذين فوضوا واعتمدوا بقية الموارد المعتمدة، محولاً الفيلم من عبء سياسي محتمل إلى مشروع ثقافي مدعوم بسخاء ومتبادل المنفعة.
ظاهرياً، تبدو صناعة فيلم مستقل يستعرض الجذور الراديكالية لانتفاضة شعبية مناهضة للاستعمار—ويفصّل عنف الانتداب البريطاني والتوسع الصهيوني المبكر—أمراً غير متوافق جوهرياً مع هيئات تمويل مستقرة داخل الغرب السياسي والخليج العربي. ومع ذلك، يكشف التحليل الإعلامي النقدي أن شبكة الدعم هذه لم تولد من رحم التضامن الأيديولوجي؛ بل انبثقت، بدلاً من ذلك، من تقاطع براغماتي ونفعي (تبادلي) بين القوة الناعمة للدول، والتحصين البيروقراطي، وأطر التوزيع الدولي الاستراتيجية.
فبالنسبة لهيئات التمويل الحكومية الخليجية، يخدم دعم فيلم ملحمي تاريخي رفيع المستوى حتميات مؤسساتية واضحة تتجاوز التحالفات المباشرة للسياسة الخارجية. وفي حين تحولت دول مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة بشكل متزايد نحو “الواقعية السياسية” (Realpolitik) في مسار التطبيع الإقليمي مع اسرائيل، فإن مبادراتها الثقافية المدعومة حكومياً تعمل داخل “صندوق أسود” معزول لغسيل السمعة (Reputational Laundering) والدبلوماسية الثقافية. ومن خلال تبني مشروع يقوده مخرج يحظى بتقدير عالمي مثل جاسر، تشتري مؤسسات مثل صندوق البحر الأحمر ومعهد الدوحة للفيلم بفعالية بطاقة عبور إلى الفضاءات الثقافية الدولية النخبوية، مثل مهرجان تورونتو السينمائي الدولي (TIFF) وجوائز الأوسكار (Arab News Japan 2025). وعلاوة على ذلك، ومن خلال التركيز الصارم على المحددات التاريخية للثورة العربية عام 1936، يحافظ الفيلم على “مسافة تاريخية آمنة” من الجيوسياسية المعاصرة؛ وهو ما يتيح للممولين الخليجيين استعراض التضامن القومي العربي على مسرح سينمائي مرموق دون الإخلال بالاستراتيجيات الدبلوماسية الحديثة، وفي الوقت نفسه التنافس في حرب ثقافية إقليمية بالوكالة لفرض الهيمنة الإعلامية في الشرق الأوسط.
وبالموازاة مع ذلك، يسلط إدراج رأس المال الحكومي البريطاني (معهد الفيلم البريطاني BFI / فيلم بي بي سي BBC Film) والفرنسي (المركز الوطني للسينما CNC) الضوء على مفارقة مؤسساتية أوروبية مثيرة للاهتمام. فرغم أن الحكومات الغربية تحافظ على سياسات خارجية صارمة ومؤيدة لإسرائيل، إلا أن هيئات تمويل الفنون هذه تعمل كمؤسسات “مستقلة إدارياً وتنفيذياً” (Arm’s-length organizations)؛ إذ تتألف لجان الاختيار فيها من مهنيين “مستقلين” في قطاع السينما يمنحون الأولوية (على الأقل نظريا) للجدارة الفنية، والوزن التاريخي، والتنوع في التمثيل على حساب توجيهات وزارات الخارجية (Jacobin 2026). وفضلاً عن ذلك، فإن هذه الصناديق نفعية وتداولية بطبيعتها، إذ تعمل وفق “نظام نقاط” صارم مرتبط بمعاهدات الإنتاج المشترك الوطنية. ومن خلال إسناد الأدوار لممثلين دوليين بارزين والاعتماد على دور إنتاج أوروبية متخصصة في عمليات ما بعد الإنتاج، عمل فيلم “فلسطين 36“ كبرنامج تحفيز اقتصادي لقطاعات السينما المحلية في تلك البلدان. وبناءً على ذلك، جرى تفكيك الحصار التمويلي عبر امتثال بيروقراطي جاف، متجاوزاً بالكامل المصافي الجيوسياسية لوزارات الخارجية، خصوصا في أوروبا الغربية.
وعلى أرض الواقع، اصطدمت هذه الشبكة من التفاعلات السياسية العامة (الماكرو-سياسية) مباشرة بالأزمات الجيوسياسية على الأرض أثناء التصوير الفعلي للفيلم. وتكشف شهادات صناع الفيلم أن الإنتاج المادي تعرض لتعطيل شديد جراء تصاعد الحرب على غزة في خريف عام 2023 (Columbia Spectator 2026). ونتيجة لذلك، اضطر طاقم الإنتاج إلى التحول المرن، مصوراً جزءاً كبيراً من المشاهد الطبيعية التاريخية للملحمة في الأردن لاستغلال تضاريس جغرافية تحاكي فلسطين التاريخية، قبل التنقل عبر قيود الحواجز العسكرية الشديدة وتأخيرات التصاريح المعقدة للعودة إلى فلسطين بعد ثلاثة عشر شهراً لإنهاء عمليات التصوير الرئيسي (Shaoul 2025a).
ثالثاً: التوزيع، والتسويق، والتداول المؤسساتي
تواجه الأفلام المستقلة تقليديا، وخصوصا تلك التي تطرح موضوعات ذات طابع سياسي غير مرغوب به—في سوق الإعلام العالمي—تضييقات تجارية كبيرة وبوابات رقابة أيديولوجية فاعلة. ولأجل تحصين فيلم “فلسطين 36“ من أن يُنحى جانباً بدعوى أنه بروباغندا سياسية، يبدو أن منتجي الفيلم وظفوا استراتيجية “حصان طروادة” (Trojan Horse)؛ وذلك عبر تطعيم العمل بطاقم ممثلين دولي رفيع المستوى إلى جانب ممثلين فلسطينيين مرموقين (MAD Distribution 2025). فيبدو ان إشراك كفاءات عالمية معروفة قد غيّر من تقدير المخاطر لدى المديرين التنفيذيين المتحفظين عادةً تجاه مثل هذه المغامرات التي تتضمن تسويق سردية سينمائية مناهضة للإمبريالية في قالب دراما تاريخية مرموقة. وبالموازاة مع ذلك، عملت شركات مبيعات أوروبية كبرى مثل “إم كيه 2” (mk2 films) كمرشدين دبلوماسيين، حيث شطرت استراتيجية الفيلم الترويجية إلى مسارين؛ فمن خلال تسويق السردية للنقاد الغربيين بوصفها “عملاً إنسانياً جلياً وواضح الرؤية لاستعادة الذاكرة”، وتقديمها للجمهور الإقليمي بوصفها ملحمة شاسعة للمقاومة البطولية، أرست شركة “إم كيه 2” مصفوفة تسويق ثنائية (Wikipedia 2025). مما مهّد الطريق لإطلاق الفيلم على نطاق عالمي واسع ومن ضمن البنى الثقافية المهيمنة، بدلاً من حشره في زاوية مهرجانات حقوق الإنسان والتضامن الضيقة، مؤمناً بذلك شراكات استراتيجية مخصصة وموزعة بحسب الأقاليم الجغرافية عبر العالم.
ولأجل الالتفاف على الحواجز المؤسساتية التقليدية في الأسواق الغربية، وظف فيلم “فلسطين 36“ استراتيجياً شبكات التوزيع المحلية والجامعة للبلدان العربية داخل الخليج لضمان إتاحة صالات العرض السينمائي على نطاق واسع في الفضاءات التجارية الكبرى. فبالنسبة لسوقه المحلية، استحوذت شركة “تلفاز 11” (Telfaz11)—وهي قوة رقمية وسينمائية رائدة في الإعلام السعودي—على حقوق العرض والتوزيع التجاري في المملكة العربية السعودية (Metacritic n.d.). وضمن هذه الشراكة التجارية عدم اضطرار الفيلم للمرور عبر قنوات سينما النخبة (Art-house) منخفضة العوائد، مأمناً بدلاً من ذلك موقعاً متميزاً في المجمعات السينمائية الكبرى (Multiplexes) عبر مشهد العرض التجاري الآخذ في التوسع السريع بالمملكة. وعلى نطاق أوسع، أدارت شركة “ماد سوليوشنز” (MAD Solutions)—وهي الموزع المستقل الرائد عربياً وتعمل بين القاهرة وأبو ظبي—الحقوق التجارية والثقافية الشاملة في بقية أرجاء العالم العربي (Africultures 2025). ومن خلال إدراج هذه الدراما التاريخية ضمن مبادرتها الشهيرة “سينما ماد” (CineMAD)، سهّلت شركة “ماد سوليوشنز” عروضاً تجارية واسعة النطاق عبر أسواق دول مجلس التعاون الخليجي؛ حيث عمدت سلاسل دور السينما الإقليمية الكبرى، لا سيما “فوكس سينما” (VOX Cinemas) التابعة لمجموعة ماجد الفطيم الإماراتية، إلى جدولة الفيلم بنشاط لعرض جماهيري موسع، مقدمةً دعماً تجارياً حاسماً في كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة.
وإلى جانب شبكات التوزيع التقليدية، وظفت الهيئات الحكومية الخليجية شبكات مهرجاناتها السينمائية ومنصاتها الثقافية ذات التمويل السخي لتسويق فيلم “فلسطين 36“ بقوة وهجومية، دافعةً به إلى أروقة نقاشات الجوائز العالمية. وتُوج هذا الدفع المؤسساتي الممنهج باختيار الفيلم ليكون الترشيح الرسمي لفلسطين لجوائز الأوسكار الثامنة والتسعين، حيث نجح في التأهل إلى القائمة القصيرة لفئة أفضل فيلم روائي دولي (TRT World 2026). وقد بدأت القوة الدافعة النقدية للفيلم مع عرضه الأول الذي حظي بتغطية إعلامية واسعة في العالم العربي ضمن مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي في جدة، حيث أنتج الجهاز التسويقي الضخم للمهرجان تفرعات صحفية على مستوى المنطقة، مؤطراً الملحمة كإنجاز متوج للسينما العربية المعاصرة (Ramola Law 2023). وعقب عرضه الأول في السعودية، استضاف معهد الدوحة للفيلم عروضاً تثقيفية ومهرجانية رفيعة المستوى في قطر؛ واشتملت هذه الفعاليات المنسقة على حلقات نقاشية متخصصة ضمت المخرجة آن ماري جاسر والمنتج أسامة بواردي، مسلطةً الضوء على المشروع كنموذج مثالي للإنتاج المشترك الإقليمي الناجح والهيكلية المالية المحكمة.
وأخيراً، ترسخ مسار الفيلم الإقليمي في يناير 2026 عندما استضافت مؤسسة الشارقة للفنون العرض الأول الرسمي في دولة الإمارات العربية المتحدة بـ “سينما سراب المدينة” المفتوحة (Sharjah Art Foundation 2026). وبدعم من منحتها التأسيسية من “صندوق منصة الشارقة للأفلام لإنتاج الأفلام الطويلة”، أطّرت المؤسسة العرض لا بوصفه ترفيهاً تجارياً فحسب، بل كـ “أرشيف حي” للذاكرة الفلسطينية والمقاومة التاريخية (Sharjah24 2026). ومن خلال جلسة حوارية منظمة (سؤال وجواب) مع صناع الفيلم، أكدت هذه الفعالية على كيفية مساهمة التشابك الاستراتيجي بين رأس المال الخليجي، وشبكات التوزيع، والتسويق المؤسساتي، في تمكين سردية معقدة ومناهضة للاستعمار من تحقيق حضور وانتشار عالميين غير مسبوقين.
وعقب عروض أولية في أواخر عام 2025 لتأهيله لجوائز الأوسكار، أطلق الموزعون في أمريكا الشمالية—”واترملون بيكتشرز” (Watermelon Pictures) ومجموعة “إم بي آي ميديا” (MPI Media Group)—عرضاً تجارياً مستهدفاً في 75 دار سينما تجارية منتقاة في مارس 2026، محققاً 608,945 دولاراً محلياً، ومساهماً في بلوغ إجمالي شباك التذاكر العالمي مليوني دولار (Jacobin 2026; Wikipedia 2025). وانعكست هذه الإتاحة التجارية في المراكز الأوروبية عبر شبكات مستقلة مرموقة، بما فيها “كورزون فيلم” (Curzon Film) في المملكة المتحدة، و”أو إي كور” (Haut et Court) في فرنسا، بينما قادت “ماد ديستريبيوشن” (MAD Distribution) عملية النشر عبر الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (Wikipedia 2025). وفي نهاية المطاف، فإن الأهمية الراهنة الحادة للتطورات الجيوسياسية داخل فلسطين بين عامي 2023 و2025 قد استولت بفاعلية على الشبكات الثقافية التقليدية، مجبرةً المهرجانات السينمائية الدولية النخبوية وفضاءات التوزيع السائدة على الاشتباك مع هذه الدراما التاريخية من خلال عدسة راهنة ملحة. ودفعت هذه القوة الدافعة المضغوطة بالفيلم نحو عرضه الأول الكبير في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي (TIFF) في سبتمبر 2025، والاحتفاء النقدي به كملحمة تاريخية شاسعة، والاعتراف النهائي به من قِبل أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة (Linden 2025; Mehta 2025).
رابعا: الظرفية التاريخية كقوة ثقافية

إن قراءة فيلم “فلسطين 36″ (Palestine ’36) من خلال منظور الامتثال المالي الإجرائي أو البيروقراطي الفني وحده، تغفل بدقة الآلية الأيديولوجية المحددة التي حوّلت هذا النص السينمائي إلى ظاهرة عالمية متفجرة. ففي دراسات الاتصال وسوسيولوجيا السينما، لا تُعد الأزمة التاريخية مجرد خلفية سلبية للاستهلاك الثقافي؛ بل إنها تعمل كـ”مؤلف مشارك” بنيوي ونشط يعيد تكوين محددات المقروئية العامة. إن التحول العميق في الديناميات السياسية العالمية الذي أعقب أواخر عام 2023 لم يقتصر على تسريع الجداول الزمنية للصناعة فحسب، بل أعاد تكييف الوعي العام بشكل جذري، محولاً مشروعاً تاريخياً شديد الحساسية إلى حدث ملحّ ومحفز للجدل على الساحة الدولية.
إن فحص “فلسطين 36” من زاوية تقنية أو مالية أو بيروقراطية بحتة، يحجب المحفز الثقافي الدقيق الذي دفع بالمشروع نحو خط النهاية بزخم عالمي ملحوظ. وتذكرنا دراسات الاتصال وسوسيولوجيا السينما، بأن السياق التاريخي الذي كُتبت فيه اللمسات الأخيرة لعمل إعلامي وصدر خلاله، لا يمثل مجرد خلفية سلبية؛ بل إنه يعمل، بالأحرى، بمثابة “مؤلف مشارك” بنيوي للنص نفسه. فقد أدى التحول العميق في الديناميكيات السياسية العالمية في أعقاب أحداث أواخر عام 2023 إلى إعادة تشكيل الوعي العام بشكل دراماتيكي، لا سيما بين الفئات الديموغرافية الشابة في الغرب، والحركات الاجتماعية التقدمية، والمساحات الجماهيرية والثقافية السائدة للفنون. هذا التحول الأيديولوجي الزلزالي حوّل ما كان يمكن أن يكون مشروعاً تاريخياً موجهاً نحو نخبة محدودة (Niche) ويصعب تمويله، إلى حدث دولي ملحّ ومحطّ أنظار العالم.
وقد خلق التزايد غير المسبوق في التضامن الدولي شريحة متحمسة وواسعة، كانت هوليوود وموزعو السينما المستقلة السائدة يتجاهلونها تاريخياً. هذا الانفتاح البنيوي مهد الطريق لقوى سوق بديلة للتدخل وإعادة تعريف نماذج التوزيع المستقل. ويُعد ظهور شركات توزيع تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها وتتجذر علناً في “المقاومة الإبداعية” — مثل شركة “واترملون بيكتشرز” (Watermelon Pictures)، التي شريكت “إم بي آي ميديا جروب” (MPI Media Group) للاستحواذ على حقوق التوزيع في أمريكا الشمالية — تجسيداً مباشراً لهذه الظرفية السياسية (Jacobin 2026). وقبل هذا التحول البنيوي، كان الاداريون والمسؤولون المتخوفون من المخاطر يعملون تحت فرضية مفادها أن الجماهير الغربية لن تتفاعل مع دراما تاريخية دقيقة حول منطقة “سوانا” (SWANA – جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا). إلا أن الصحوة الثقافية العارمة بين الفئات الديموغرافية الشابة أثبتت وجود جمهور ينتظر تمثيلاً صادقاً، مما حوّل على الفور ما كان يُنظر إليه يوماً ما على أنه عبء تجاري إلى لحظة ثقافية مرتقبة بشغف (Wikipedia 2025).
إن الاستقبال الحماسي والجماهيري نسبيا لفيلم “فلسطين 36” عند عرضه في دور السينما يوضح كيف تم تحويل مساحات الصناعة التقليدية بنجاح إلى مواقع للتعبير السياسي الفاعل. فحينما حظي الفيلم بحفاوة بالغة وتصفيق حار وقوفاً لمدة 20 دقيقة خلال عرضه العالمي الأول في قسم “العروض الاحتفالية” (Gala Presentations) في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي (TIFF) لعام 2025، تجاوز رد الفعل هذا مجرد التقدير الجمالي المعياري للسينماتوغرافيا أو التمثيل؛ بل كان بمثابة موقف سياسي جماعي ومتعمد من قِبل جمهور المهرجان (Wikipedia 2025). هذا الزخم أثر مباشرة على حصد الفيلم للجوائز الدولية المتتالية — بما في ذلك فوزه بجائزة “طوكيو الكبرى” المرموقة في مهرجان طوكيو السينمائي الدولي الثامن والثلاثين — ووصوله اللاحق إلى القائمة القصيرة لجوائز الأوسكار (Arab News Japan 2025; Wikipedia 2025). وبدلاً من النظر إليه كعمل درامي تاريخي معزول، استقبله الجمهور العالمي كنص تاريخي أساسي، يسعى وراءه جمهور دولي يتوق لفهم الجذور التاريخية للعنف البنيوي المعاصر. وفي نهاية المطاف، في حين أن السجل الحافل للمخرجة آن ماري جاسر كصانعة أفلام قديرة هو ما وضع المشروع على طاولة التنفيذ، فإن التحول التاريخي في الرأي العام العالمي هو ما بث الحياة في مرحلته الختامية، محطماً بشكل فعال حواجز الرقابة غير المرئية وضامناً وصوله العالمي.
ومن منظور الميزانيات الرأسمالية المحكومة بآليات السوق الصرفة، فإن تحقيق عائدات شباك تذاكر بقيمة 2 مليون دولار مقابل ميزانية إنتاج بلغت 6 ملايين دولار يمثل خسارة تجارية. ومع ذلك، في دراسات السينما والاتصال، يُقاس “نجاح” السينما المهمشة أو المناهضة للهيمنة بمعيار تحليلي مختلف تماماً. فتاريخياً، تُحجم الأفلام الروائية الفلسطينية في ميزانيات ضئيلة وتُعزل عن الشاشات التجارية؛ ومن ثم، فإن تمكّن فيلم “فلسطين 36” من قيادة الموارد التقنية اللازمة لبناء ملحمة تاريخية ضخمة يمثل طفرة صناعية غير مسبوقة.
إن العائد الحقيقي على الاستثمار بالنسبة لممولي الفيلم يكمن في تقويضه العميق للسرديات الثقافية السائدة وتغلغله الأيديولوجي الواسع في السوق. لقد حازت هذه الملحمة على اعتراف نقدي هائل على الساحة العالمية، حيث نالت جائزة الجمهور لأفضل فيلم روائي دولي في مهرجان ساو باولو السينمائي الدولي إلى جانب جوائزها في طوكيو (MAD Distribution 2025). ومن خلال إجبار هيئات الجوائز الدولية، والنقاد البارزين، والجماهير الغربية على مواجهة تمثيل جذري (راديكالي) وغير مهادن للمقاومة المناهضة للاستعمار، أثبت فيلم “فلسطين 36” كيف يمكن استغلال شبكة من الممولين المتباينين سياسياً لتفكيك الهيمنة التاريخية وتحقيق أثر ثقافي مستدام.
خامسا: الاستقبال الإعلامي: الاحتواء الهيمني في مواجهة النقد المناهض للاستعمار
في أعقاب الحشد الاستراتيجي لشبكات التوزيع العالمية، انتقلت ساحة المعركة البنيوية لفيلم “فلسطين 36” (Palestine ’36) من مرحلة التداول في السوق إلى ساحة التأويل الثقافي. فعلى مدى عقود، حصر النقد السينمائي الغربي السائد وعيه بالواقع الفلسطيني —إلى حد كبير— داخل خطاب ومصطلحات نزعت عنه السياسة، متمحوراً حول انتهاكات حقوق الإنسان والمخاوف الإنسانية، بدلاً من تبني نقد مناهض للاستعمار يرتكز على المساءلة التاريخية. ونتيجة لذلك، يمنح النقد الغربي تقليدياً الأولوية للسرديات التي تركز على المعاناة الفردية، أو الصمود العاطفي، أو الشوق الرومانسي، مِما يحجب فعلياً المشروع البنيوي للاستعمار الاستيطاني الذي سهلته القوى الإمبراطورية الغربية.
إن اقتصاد الاستقبال هذا يكافئ الأعمال التي تضفي طابعاً جمالياً على الصدمة (التروما) أو تصدّر الغموض الأخلاقي، في حين يهمش الأعمال التي تجعل من النقد البنيوي أو المقاومة الجماعية محوراً لها. فالاستقبال الإعلامي السائد للأعمال المشحونة سياسياً —من “الجنة الآن” (Paradise Now) إلى “غزة مونامور” (Gaza Mon Amour)— يجرد هذه النصوص روتينياً من سياقاتها وظروفها المادية، مستبدلاً التحليل المنهجي المنظم بمنظور إنساني ليبرالي.
وقد كشف استقبال فيلم “فلسطين 36” للمخرجة آن ماري جاسر داخل الصحافة السائدة عن هذه التوترات الأيديولوجية المتطابقة، وفي الوقت ذاته، أظهر تصدعات بنيوية عميقة داخل جهاز الهيمنة نفسه. ولأن الفيلم يلجأ الى نبش فصل تأسيسي مغيب من التاريخ —مؤطراً الثورة العربية (1936-1939) باعتبارها صداماً مادياً ضد القوة الإمبراطورية البريطانية والاستعمار الاستيطاني الصهيوني— فقد جاءت ردود أفعال الصحف والمطبوعات الغربية الكبرى منقسمة بشكل حاد إلى اتجاهين. إذ حاولت الصحف الليبرالية المهيمنة إعادة احتواء أطروحة الفيلم الراديكالية المناهضة للاستعمار من خلال تقييمها عبر العدسات المريحة للإنسانية العالمية وتقاليد الملاحم التاريخية الكلاسيكية، في حين برز تيار نقدي بديل ومتميز على الهامش ليعلن تأييده الصريح للنقد البنيوي الذي يطرحه الفيلم.
وقد جرى اختيار وتنسيق متن النقد السينمائي (Corpus) الخاضع للفحص في هذا القسم بشكل منهجي ليمثل الطبقات الهيكلية المهيمنة لوسائل الإعلام الغربية السائدة الناطقة بالإنجليزية، إلى جانب مساحات مضادة وبديلة رئيسية. وتشمل العينة المؤسسية:
- نيويورك تايمز (The New York Times)
- الغارديان (The Guardian)
- واشنطن بوست (The Washington Post)
- لوس أنجلوس تايمز (The Los Angeles Times)
بالإضافة إلى الموجهين الثقافيين والفكريين للنخبة مثل ذا نيويركر (The New Yorker) ومجلة نيويورك (New York Magazine)، إلى جانب المجلة التجارية العالمية الأولى في مجال الصناعة السينمائية فارايتي (Variety).
ولأن هذه المنافذ هي أساسية في رصد معالم بوصلة المقارنة العامة لادوات اعلامية نافذة، فإن إجماعها يكشف عن محددات قياسية هامة للاحتواء الهيمني.
وفي المقابل، تستهدف العينة مؤسسات سينمائية عريقة ولها إرث مثل سايت آند ساوند (Sight & Sound)، ومنصات رائدة في قطاع السينما المستقلة مثل إندي واير (IndieWire)، وأصواتا اشتراكية راديكالية بديلة مثل موقع الرأي الاشتراكي العالمي (World Socialist Web Site). ومن خلال الفحص المتقاطع لهذا الطيف الشامل —الذي يمتد من المراجعات التجارية البرجوازية إلى الانتقادات المادية— تضمن هذه الدراسة أن التوتر الذي جرى تحليله ليس نتاج تفضيلات نقدية فردية أو استثنائية معزولة، بل هو مؤشر دقيق لساحة معركة بنيوية أوسع نطاقاً تحدد ملامح الاستقبال الثقافي الغربي العام للفيلم.
التأطير المؤسسي: الفيلم بوصفه “ملحمة تاريخية” ليبرالية
بالنسبة للمنافذ والمؤسسات الإعلامية السائدة، تَمثّل النمط الأساسي للتعاطي مع فيلم “فلسطين 36″ (Palestine ’36) في إعطاء الأولوية لجمالياته البنيوية، مِما أدى فعلياً إلى تسطيح انتقاداته المنهجية وتحويلها إلى إطار مألوف لـ”ملحمة تاريخية” حافلة بالنجوم يمكن السيطرة عليها وتطويعها. وكثيراً ما تجاوز النقاد الجوهر الجيوسياسي الخطير للفيلم بالتركيز المكثف على ما إذا كان السرد يشتغل بنجاح وفقاً لمعايير ومحددات الحكاية البرجوازية. وفي هذا السياق، لاحظ “بن كينيجسبيرج” (2026) في صحيفة نيويورك تايمز (The New York Times) أن “النمط التلقائي للفيلم هو النمط التفسيري للمسلسلات القصيرة”، معتمداً على قواعد الملاحم التقليدية التي تخللتها “بعض اللمسات الأسلوبية اللافتة”. هذا الاحتواء الشكلي انعكس أيضاً لدى “بيلج إيبيري” (2026) في مجلة نيويورك/فولتشر (New York Magazine/Vulture)، الذي أشاد بـ”زخم الفيلم وطموحه” لكنه انتقد سرده متعدد الخيوط ووصفه بأنه “مشتت بشكل رقيق”، ليشبه “مشاهد عشوائية مجتزأة من مسلسل قصير أطول”. وبالمثل، وصف “روبرت أبيل” (2026) في صحيفة لوس أنجلوس تايمز (The Los Angeles Times) الفيلم بأنه “أداة فجة” فنياً وإن كانت حسنة النوايا بدلاً من كونه “مسعىً روائياً”، مؤطراً إياه بوصفه درساً تاريخياً تقليدياً لا تدخلاً أيديولوجياً حاداً وفاعلاً.
وعند التطرق إلى كشوفات الفيلم التاريخية المحددة، واجه نقاد الصحافة السائدة خياراً حتمياً: إما مواجهة التواطؤ الموثق بين قوات الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية، أو إعادة تمقيع النص كقصة عالمية عن معاناة إنسانية عامة. وقد نجح البعض في جسر هذه الفجوة من خلال تسليط الضوء على القيمة التعليمية للفيلم؛ إذ أشار “بيتر برادشو” (2025) في صحيفة الغارديان (The Guardian) إلى أن الفيلم يعمل كـ”تذكير صارخ بما لا يتم تدريسه في المدارس البريطانية”، معترفاً بتركيزه المحدد على الغطرسة الاستعمارية البريطانية وتكتيكات مكافحة التمرد الوحشية. ومع ذلك، حتى عندما أشاد النقاد بالموقف السياسي للفيلم، فقد خففوا من تأثيره المنهجي عبر إعادة صياغته حول نزعة إنسانية عالمية (Universal Humanism). حيث جادل “جاستن تشانغ” (2026) في مجلة ذا نيويركر (The New Yorker) بأن القوة الحقيقية للفيلم تكمن في الشخصيات التي “تبدو صراعاتها حقيقية مباغتةً بالتدخلات الوحشية للتاريخ”، مستبدلاً الآلية المنهجية لسرقة الأراضي والحروب القانونية (Lawfare) البريطانية بصراع نفسي فردي.
وفي حين أن مراجعات معزولة في الصحافة السائدة، مثل مراجعة “كارلوس أغيلار” (2026) على موقع روجر إيبرت (RogerEbert.com)، أشارت بوضوح إلى أن الفيلم يسلط الضوء على كيفية تأسيس البريطانيين للبنية التحتية التي “أدت في النهاية إلى نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) الصارخ القائم اليوم”، فإن الإجماع المؤسسي عبر المنصات الكبرى مثل فارايتي وواشنطن بوست وشيكاغو تريبيون ظل متردداً في مسألة مساءلة الحركة الصهيونية بوصفها قوة استعمارية. وبدلاً من ذلك، جرت إعادة رصف الفيلم باستمرار باعتباره “دراما تاريخية أنيقة” أو “إنتاجاً كلاسيكياً” يؤكد الشكوك العميقة حول التاريخ الإمبراطوري البريطاني، مع تجنب تقديم نقد أكثر عمقاً للواقع الجيوسياسي الحديث (Variety Staff 2026). وفي نهاية المطاف، نجح الجهاز النقدي الغربي في الإشادة بفيلم “فلسطين 36” لبراعته الحرفية وإلحاحه القائم على “حقوق الإنسان”، بينما حاول إحباط قدرته على العمل كـ”حصان طروادة” مناهض للاستعمار ولا يقبل المساومة.
الرؤى النقدية البديلة الناشئة
على العكس من ذلك، برز تيار بديل ومتميز على هوامش النقد السينمائي الغربي والمطبوعات اليسارية، تيارٌ رفض تسطيح أطروحة الفيلم الصريحة المناهضة للاستعمار. فقد قدمت منافذ مثل ذا إيريش تايمز، وسايت آند ساوند، وإندي واير، وموقع الرأي الاشتراكي العالمي تأييداً صارخاً للنقد البنيوي الذي يطرحه الفيلم، متعاطيةً مع النص مباشرة بوصفه تعريةً لآلة الإمبريالية البريطانية وتواطئها مع المشروع الصهيوني، مع إسقاط مشهده التاريخي مباشرة على الأزمات الجيوسياسية المعاصرة.
وقد ارتكَز هذا الاستقبال البديل على الاستعداد لتأطير سردية الفيلم داخل التاريخ المنهجي الأوسع للإمبريالية البريطانية العالمية. ففي كتابته لصحيفة ذا إيريش تايمز (The Irish Times)، تجاوز “دونالد كلارك” (2025) الكليشيهات الهوليوودية القياسية ليحدد الموضوع الحقيقي للفيلم بأنه “تقسيم ما بعد إمبراطوري مألوف ومحبط”. ومن خلال تسليط الضوء على مشهد محوري يحذر فيه رئيس الشرطة الأنجلو-إيرلندي “تشارلز تيغارت” من “مواجهة أيرلندا أخرى بين أيدينا”، أدرك كلارك كيف يربط الفيلم ببراعة بين النضال الفلسطيني وسياق أوسع من الإخضاع الاستعماري البريطاني والتواطؤ الطبقي للنخبة العربية البرجوازية. وبالمثل، أكدت “ويندي آيد” (2025) في صحيفة ذا أوبزرفر (The Observer) على القيمة التعليمية الجوهرية للفيلم المتمثلة في كشف العمارة الإمبراطورية التي زرعت بذور الأزمة المعاصرة.
والأهم من ذلك هو رفض هؤلاء النقاد البديلين السماح للجماهير الغربية بالتعامل مع ثورة 1936 كأثر تاريخي معزول أو مدفون بأمان. فقد واجهت “راشيل برونجر” (2025)، في مجلة سايت آند ساوند (Sight & Sound)، مباشرة المصادفة التاريخية القاتمة لافتتاح الفيلم وسط الفظائع المستمرة في غزة، مشيرة إلى أن “فلسطين 36” ينبش عمداً الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936 كلحظة حشد فيها الفلسطينيون جهودهم “للاحتجاج على المظالم طويلة الأمد، وسرقة الأراضي، والسياسات الصهيونية”. هذا التوجه ردد صداه أيضاً “ريتيش ميهتا” (2025) على منصة إندي واير (IndieWire)، جادلاً بأن خيوط السرد التاريخي للفيلم تمتد مباشرة “إلى غزة اليوم”، رافضاً عزل النص التاريخي عن الواقع المعاصر.
أما النقد البنيوي الأكثر مادية وراديكالية، فقد ظهر في وسائل الإعلام الاشتراكية؛ إذ دمجت “جين شاول” (2025b)، في كتابتها لموقع الرأي الاشتراكي العالمي (World Socialist Web Site)، الثورة العربية (1936-1939) داخل مجموعة أوسع من الانتفاضات المريرة المناهضة للاستعمار التي سحقتها الإمبريالية البريطانية، وتمتد من أيرلندا ومصر إلى العراق وكينيا وقبرص. وشددت شاول على دقة الفيلم الصارمة في تفاصيله التاريخية —لا سيما كشفه لكيفية قيام اتحاد نقابات العمال الصهيوني المدعوم بريطانياً (الهستدروت) بإقصاء العمالة الفلسطينية عمداً لتقسيم الاقتصاد— لإثبات حقيقة بنيوية دأبت النزعة الإنسانية الليبرالية السائدة على طمسها، وهي أنه: “بدون القوة العسكرية الكاملة للجيش البريطاني، لم يكن للمشروع الصهيوني أن يكتب له النجاح أبداً” (Shaoul 2025b).
وفي نهاية المطاف، يوضح هذا المرونة البنيوية في الاستقبال أن فيلم “فلسطين 36” يعمل كموقع نشط للحرب الأيديولوجية. إن هذا الشرخ التحليلي العميق بين احتوائه المؤسسي بوصفه ملحمة تاريخية ليبرالية وبين احتضانه الراديكالي كمخطط للنقد المعاصر المناهض للإمبريالية، يوضح كيف تثير وسائل الإعلام المناهضة للهيمنة أزمة تأويل حتمية داخل الجهاز الثقافي المهيمن. ويشكل هذا المدخل المفاهيمي المسار المثالي لتمضيع الفيلم ضمن سلالة أطول من الممارسات الإعلامية الثورية.
سادسا: “فلسطين 36” والمرحلة الجديدة للسينما البديلة
إن استدعاء جيلو بونتيكورفو (Gillo Pontecorvo) الخالد، “معركة الجزائر” (The Battle of Algiers – 1966)، إلى سياق التحليل الإعلامي المعاصر يوفر الركيزة التحليلية الحاسمة لتقييم التحول المعرفي في السينما المناهضة للإمبريالية. وباعتباره المعيار التاريخي الأسمى لصناعة الأفلام البديلة سياسيا للهيمنة الامبريالية، فإن مقارنة عمل بونتيكورفو بفيلم آن ماري جاسر “فلسطين 36” (2025) تساعدنا على فهم كيف تحولت مقاييس النجاح السينمائي والديناميات البنيوية للسرد السياسي جذرياً على مدار الأعوام الستين الماضية. وفي حين يشترك كلا الفيلمين في التزام صارم بتأطير المقاومة المناهضة للاستعمار عبر عدسة جماعية ومادية دقيقة بدلاً من تصويرها كـ”مأساة أخلاقية فردية”، إلا أنهما يعملان ضمن اقتصادين سياسيين متباينين تماماً. ويسلط هذا التباين الضوء على التطور الأوسع لأنظمة الإعلام العالمية، والمنهجيات المختلفة المتاحة أمام صناع الأفلام المعاصرين للتفاعل ضمن واقع الهيمنة السائدة، بل ومحاولة كسر ارتباطها ايديولوجيا، أو على الأقل تطويع تناغمها السياسي مع بنى رأس المال العالمي نفسه.
ويكمن الاختلاف الأكثر وضوحاً بين هذين العملين في أسس التمويل الخاصة بكل منهما، والتي أملت في نهاية المطاف رسم شكل وطبيعة التدخل السياسي الذي حققه كل فيلم. فقد حظي فيلم “معركة الجزائر” بدعم مالي سخي وإسناد لوجستي مكثف من قِبل الدولة الجزائرية حديثة الاستقلال عبر شركة “قصبة فيلم” (Casbah Films)، وهي كيان إنتاجي أسسه القائد العسكري لجبهة التحرير الوطني “سعدي ياسف”. ووفرت الحكومة الجزائرية الثورية العتاد العسكري الحقيقي، ومواقع التصوير الواقعية، وحرية إبداعية مطلقة لتصوير الكفاح المسلح ضد الاحتلال الفرنسي. ونتيجة لذلك، لم يكن المؤشر الرئيسي لنجاح الفيلم متمثلاً في هوامش الربح التجاري أو الجدوى المادية لشباك التذاكر، بل في المساهمة في بناء الدولة واكتساب الشرعية الدبلوماسية الدولية لأمة اشتراكية نالت سيادتها حديثاً.
وفي المقابل، وكما رأينا في الأقسام الأولى لهذه الدراسة، لم تكن جاسر تملك ترف وجود جهاز دولة سيادي ومناهض للإمبريالية يمدها برأس المال واللوجستيات العسكرية. وبدلاً من ذلك، تعين على إنتاج “فلسطين 36” المناورة عبر التناقضات البنيوية العميقة للتمويل الرأسمالي العالمي، والاعتماد على شبكة معقدة وموزعة من صناديق الفنون العامة الغربية والمنح الملكية الخليجية. ومن ثم، فإن مقياس النجاح المعاصر أضحى أكثر تعقيداً بكثير؛ إذ كان على النص السينمائي أن يجتاز الفلاتر التجارية الصارمة للتوزيع الدولي، مع تقويض التفضيلات الأيديولوجية والجيوسياسية لمموليه البرجوازيين أنفسهم وبشكل منهجي منظم.
تحول النظم البيئية للتوزيع والتمثيل الجمالي
يتجلى هذا التطور البنيوي بشكل مساوٍ في كيفية التقاء كلا الفيلمين بجمهورهما، مِما يكشف عن الآليات المتغيرة للهيمنة لوسائل الاعلام والانتاج والتواصل الثقافي. فعند عرضه الأول، واجه فيلم “معركة الجزائر” رقابة مؤسسية صارمة ومباشرة، أسفرت عن حظره رسمياً من قِبل الدولة في فرنسا لمدة خمس سنوات، بالإضافة إلى تعرض دور السينما المستقلة في الغرب لتهديدات تفجيرية مستهدفة من قِبل جماعات اليمين المتطرف. ومن ثم، كان تغلغله التاريخي أشبه بحرب العصابات، متجاوزاً شبكات العرض الرأسمالية التقليدية؛ حيث ترددت ادعاءات متكررة آنذاك حول تحول الفيلم إلى دليل تدريبي سري وحركي للمجموعات الثورية العالمية، بدءاً من “الفهود السود” (Black Panthers) وصولاً إلى “الجيش الجمهوري الأيرلندي” (IRA).

أما في المشهد الإعلامي المعاصر، فقد تطورت الرقابة وتوسعت لتشمل -إلى جانب الحظر المباشر من قِبل الدولة- آليات “الخنق” الاقتصادي والبيروقراطي الإجرائي. وهنا يكمن انتصار فيلم “فلسطين 36” جزئياً الذي تجسد في قدرته على اختراق المؤسسات السائدة. فبدلاً من أن يُعزل الفيلم في شبكات سرية تحت الأرض، حجز الفيلم لنفسه مكاناً بارزاً داخل الهرمية السينمائية العالمية؛ ونال الاختيار ليكون الترشيح الرسمي لبلاده في جوائز الأوسكار، ووصل إلى القائمة القصيرة، وحظي بتوزيع سينمائي واسع النطاق عبر السلاسل التجارية في الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وفرنسا. إن إجبار الأجهزة الثقافية الغربية على إتاحة منصاتها لسردية تفصّل علانية الإمبريالية البريطانية وتوظيفها للصهيونية كقاعدة أمامية استراتيجية، يقدم مثلا عن تقويض ايجابي ناجح للقدرات القمعية للاعلام المهيمن ايديولوجيا.
وتاريخياً، يمثل هذا المثل تطوراً متميزاً في علاقة السينما الراديكالية بالسلطة. ففي الحقبة ما قبل عام 1991 -والتي يجسدها فيلم “معركة الجزائر”- اعتمدت خطوط التوزيع بشكل كلي على دعم دول راديكالية سيادية، وهو دعم كان يصب في شبكات سرية لتحقيق التعبئة الأيديولوجية. وعلى النقيض من ذلك، فإن إطار ما بعد الحرب الباردة الذي يتحرك فيه فيلم “فلسطين 36” يناور عبر المنح الرأسمالية العابرة للحدود، ومهرجانات النخبة، ودوائر الأوسكار، لتحقيق تغلغل جماهيري سائد.
وقد أدى هذا التحول البنيوي إلى تغيير جوهري في الأشكال الجمالية وأطر التمثيل المستخدمة لجذب الجماهير. فمن حيث الشكل الجمالي، اعتمد فيلم “معركة الجزائر” صيغة الدراما الوثائقية بأسلوب النشرات الإخبارية (Newsreel-style)، متعمداً إقصاء النجوم السينمائيين الأفراد للتركيز بالكامل على الاحتكاك الجماعي للجماهير. وفي المقابل، يتبنى فيلم “فلسطين 36″ القواعد البصرية للملاحم التاريخية الضخمة، مستخدماً سردية ميكروكوزمية (عالم مصغر) متعددة الخيوط ترتكز على مواهب عالمية معروفة. ويعمل هذا الاختيار للممثلين كـ”درع حمائي” من نجوم الصف الأول، يعيد تقديم نص راديكالي مناهض للاستعمار في ثوب دراما تاريخية رفيعة المستوى (Prestige Drama)، تكون الجماهير السائدة والمسؤولون التنفيذيون المتخوفون من المخاطر على استعداد لاستهلاكها.
علاوة على ذلك، يرفض كلا الفيلمين صراحةً “إطار الضحية” الإنساني النمطي السائد في وسائل الإعلام الغربية، وإن كانا ينفذان هذا الرفض بأساليب مختلفة. فبونتيكورفو يتخلى تماماً عن مفهوم الضحية السلبية، مصوراً الجزائريين كفاعلين منظمين وواعيين في ممارسة العنف الثوري. بينما تقوض جاسر هذه الصورة النمطية برفضها لثنائيات اللاجئ العاجز أو أطروحات السلام الليبرالية المهذبة الشائعة في السينما المستقلة الحديثة، متبنيةً بدلاً من ذلك التركيز على الديناميكيات الطبقية، والإضرابات العمالية، والحشد المسلح لجمهور الفلاحين عام 1936. وحيث نجح فيلم “معركة الجزائر” بالاشتغال كـسلاح صُنع بالكامل خارج نظام السينما الرأسمالي الغربي، ينجح فيلم “فلسطين 36” بالعمل كـحصان طروادة أيديولوجي يشتغل من داخله مباشرة.
رسم الخرائط المعرفية لحقبتي صناعة الأفلام الراديكالية
إن تتبع هذا المسار عبر تاريخ دراسات الاتصال الراديكالي يكشف عن انتقال حاسم ومحدد بين حقبتين تاريخيتين متمايزتين: حقبة “سينما العالم الثالث المدعومة من الدولة”، والتي امتدت من الثورة الكوبية عام 1959 وحتى تفكك الكتلة السوفيتية عام 1991، وحقبة “التطور الرأسمالي الحديث بجميع ديناميكياته الداخلية المتناقضة”. فخلال حقبة ما قبل عام 1991، كانت السينما المناهضة للإمبريالية قادرة بنيوياً على توظيف الحكومات الثورية المعلنة، أو شبكات التحرر السرية المنظمة. وفي تلك الحقبة، كان النجاح يُقاس بمدى فاعلية الفيلم في العمل كثقل دبلوماسي موازن أو كأداة للتعبئة الجماهيرية العارمة.
ويُعد فيلم “لوسيا” (Lucía – 1968) للمخرج “هومبرتو سولاس” نموذجاً أساسياً لهذه الديناميكية، إذ أُنتج تحت رعاية المعهد الكوبي للفنون وصناعة السينما (ICAIC) التابع للدولة. واستخدم سولاس سردية تاريخية ثلاثية الأجزاء لرسم خريطة توضح كيف شكل الاستعمار الإسباني، والاستعمار الجديد الأمريكي، والبنى الطبقية البرجوازية الهوية الكوبية مباشرة. ولأن فيلم “لوسيا” كان متحرراً من ضرورة تحقيق ربح تجاري في السوق، فقد وجد فاعليته وفائدته داخل شبكات التضامن العالمية المؤيدة للاشتراكية، مخترقاً الغرب عبر منصات المهرجانات الكبرى ليعمل كدليل بصري على وجود جهاز ثقافي ثوري مزدهر.
كما أنتجت هذه الحقبة أيضاً فيلم “دم الكوندور” (The Blood of the Condor – 1969) للمخرج “خورخي سانجينيس” في بوليفيا، وهو نقد لاذع لبرنامج التعقيم الممنهج الذي نفذته “قوات السلام الأمريكية” (US Peace Corps) ضد نساء “الكيتشوا” من السكان الأصليين. فالفيلم الذي صنعته جماعة “أوكاماو” (Grupo Ukamau) المستقلة وجرى تمويله عبر مزيج من المنظمات اليسارية وبيروقراطيي الدولة المتعاطفين قبل أن تطبق الديكتاتورية اليمينية قبضتها، حقق المقياس الأسمى للنجاح المادي من خلال إشعال انتفاضة محلية عارمة أدت مباشرة إلى طرد قوات السلام الأمريكية من بوليفيا عام 1971. وقد تجاوز توزيعه دور السينما التجارية تماماً، معتمداً على انتقال صناع الأفلام إلى قرى جبال الأنديز النائية حاملين أجهزة عرض محمولة وبطاريات سيارات لرفع الوعي الطبقي والإثني (العرقي) بشكل فوري.
وفي أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي، تلاشت شبكة الأمان الجيوسياسية للسينما الراديكالية، مِما أفسح المجال لظهور ديناميكيات وإمكانيات مختلفة تماماً. فلأجل نقد الرأسمالية العالمية والإمبريالية الغربية، أُجبر المخرجون المعاصرون -إلى حد كبير- على تعلم كيفية تحدي آليات السوق والرأسمالية الكلية والمهيمنة بالكامل، معتمدين جزئياً على صناديق الإنتاج المشترك الأوروبية ذات التوجه الليبرالي، وشبكات التوزيع التابعة للشركات الكبرى، ودوائر المهرجانات النخبوية.
ويجسد فيلم “باماكو” (Bamako – 2006) للمخرج “عبد الرحمن سيساكو” هذا التحول الحديث عبر وضع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في قفص الاتهام داخل باحة منزل سكنية في مالي. ويا للمفارقة، فقد حظي الفيلم بتمويل ضخم من وزارة الشؤون الخارجية الفرنسية وشبكات التلفزة الأوروبية — وهي ذاتها مراكز القوة الاستعمارية الجديدة في الغرب. لقد نجح فيلم “باماكو” عبر اختطاف المساحات النخبوية للبرجوازية الغربية؛ إذ افتتح عرضه في مهرجان كان السينمائي، مجبراً المثقفين الأوروبيين على الاشتباك مع نقد منهجي لرأس المال المالي العالمي.

ويحكم تناقض مماثل الفيلم الوثائقي “فيما يتعلق بالعنف” (Concerning Violence – 2014) للمخرج “غوران أولسون”، وهو تجسيد بصري مباشر لكتاب فرانتز فانون “معذبو الأرض”. فالفيلم الذي يطرح صراحةً أن التحرر المناهض للاستعمار يتطلب عنفاً ثورياً ومنهجياً مضاداً، جرى تمويله من قِبل معهد الفيلم السويدي، والمنح الأمريكية المستقلة، وهيئات البث العامة الأوروبية. ومع افتتاح عرضه في مهرجان صندانس السينمائي وتوزيعه عالمياً عبر الشبكات الرقمية التجارية الكبرى، تَمثّل نجاحه في قدرته على إدخال النظرية الراديكالية الصارمة إلى الفضاءات الأكاديمية والثقافية الغربية السائدة، بتمويل كامل من رأس المال الفني الليبرالي والديمقراطي الاشتراكي.
وهنا يلتقي فيلم “فلسطين 36” مع الكلاسيكيات الحديثة مثل “باماكو” و”فيما يتعلق بالعنف” في الاعتراف البراغماتي (الواقعي) بأنه في عالم أحادي القطب وشديد الرأسمالية، يتعين أحياناً استئجار أدوات السيد لهدم بيت السيد نفسه. إن إيصال فيلم عن انتفاضة شعبية مناهضة للاستعمار إلى القائمة القصيرة للأوسكار مع حصد عوائد بقيمة 2 مليون دولار من دور السينما التجارية هو المعادل الحديث لتوزيع حرب العصابات التاريخي. ولفهم هذه الطفرة السينمائية فهماً كاملاً، يستند التحليل الثقافي المادي إلى مفهوم “الظرفية التاريخية” (Historical Conjuncture) — وهي نافذة زمنية محددة ومكثفة تتصادم فيها الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لتجعل ما كان مستحيلاً بنيوياً ممكناً على نحو مفاجئ.
الظرف التاريخي بوصفه “مؤلفاً مشاركاً” بنيوياً
إن استدعاء الفيلم الوثائقي للمخرج “باتريسيو غوزمان” (Patricio Guzmán)، “معركة تشيلي” (The Battle of Chile – 1975–1979)، إلى هذا النقاش يمنح هذا البرادايم (النموذج المعرفي) مصداقية راسخة. ففيلم غوزمان المكون من ثلاثة أجزاء، والذي أرّخ للإطاحة بحكومة سالفادور أليندي الاشتراكية عبر انقلاب عسكري مدعوم من الولايات المتحدة، لم يستمد نجاحه من حملة تسويقية قياسية أو ميزانيات صناعية ضخمة؛ بل لقد اشتغل غوزمان في ظل هشاشة قصوى، مصوراً بـأشرطة خام جرى تهريبها إلى داخل البلاد، وموثقاً الثورة والثورة المضادة وهما تتكشفان في الوقت الفعلي في شوارع سانتياغو، قبل أن يُهرب المادة المصورة إلى كوبا لتجري عمليات المونتاج هناك بعد الانقلاب. لقد تحول الفيلم إلى ظاهرة عالمية عارمة لأن اليسار العالمي كان يعيش جماعياً حالة الصدمة والأسى والغضب العارم الناجم عن انقلاب تشيلي عام 1973. وبالتالي، تطابقت البنية الخام والمُلحة للفيلم تماماً مع الحرارة العاطفية والسياسية للمجتمع الدولي في تلك اللحظة التاريخية بعينها. ولو أن غوزمان حاول إعادة تصنيع هذا الأسلوب السينمائي ذاته، أو توقع صدى التوزيع العالمي نفسه في فترة من الركود السياسي أو الاستقرار الإقليمي، لما حقق الفيلم الأثر المنهجي ذاته؛ فالحدث التاريخي نفسه هو الذي شحن شريط السيلوليد بقوته.
وبالمثل، فإن فيلم “فلسطين 36” هو نِتاج خالص للظرف التاريخي الممتد بين عامي 2023 و2025 والذي كان يرفده متغيرات شديدة الخصوصية قد لا تكون قابلة للتكرار من دون حجم قوة تأثيرهذا الظرف.
حجم الأزمة والتضامن: إن الاستقبال غير المسبوق للفيلم استمد وقوده أساساً من الحجم الهائل للكوارث الإنسانية في غزة ولبنان، والتي تزامنت مع انفجار عارم للتضامن الشعبي الغربي، والاعتصامات الجامعية، وتضامن أسماء كبيرة في أوساط ثقافية وسينمائية واسعة عالميا، والتصدعات المؤسسية. وخلق هذا الأمر جوعاً ملحاً لدى الجماهير العالمية لنص تاريخي يمكنه تفسير الجذور البنيوية للأزمة المعاصرة.
دقة المرآة التاريخية: إن الخيار الاستراتيجي المتمثل في تصوير الثورة العربية عام 1936 تطابق تماماً مع الخطاب المعاصر المحيط بالمقاومة البنيوية طويلة الأمد والمناهضة للاستعمار. وهكذا، انطوى الماضي التاريخي والحاضر المادي على بعضهما البعض بسلاسة، مِما خلق وقعا وتجاوباً لا يمكن تكراره.اختطاف رأس مال ما قبل الأزمة: إن الداعمين من الشركات والدول -سواء في الخليج أو الغرب- الذين موّلوا المشروع في البداية خلال مرحلة ما قبل الإنتاج الطويلة، أقدموا على ذلك على الأرجح بموجب حسابات سياسية هادئة ومغايرة سادت ما قبل عام 2023. إلا أن الراديكالية المفاجئة التي اجتاحت الفضاء العام العالمي في عامي 2024 و2025 اختطفت هذا التمويل فعلياً، محولةً الاستثمار التجاري القياسي أو منح القوة الناعمة إلى سلاح أيديولوجي.
ويثبت كلا الفيلمين، “معركة تشيلي” و”فلسطين 36″، أنه في ظل الهيمنة الإمبريالية المكثفة، تفرض الضرورة التاريخية نفسها لتملي الطفرات الفنية، ولا ينبع الأمر من الإرادة الإبداعية وحدها. وبدلاً من النظر إلى فيلم “فلسطين 36” كقالب جاهز يمكن لصناع الأفلام الآخرين محاكاته بسهولة، يجب فهمه بوصفه تجربة فريدة، لم يكن إنتاجها وتوزيعها واستقبالها ممكناً بالشكل الذي رأيناه إلا لأن نافذة تاريخية جارفة فُتحت عنوة على مصراعيها، مِما سمح لعمل غير تقليدي سياسيا بالمرور قبل أن يتمكن حراس الهيمنة من إعادة تثبيت السردية وضبطها.
السينما بوصفها عملية مادية
في التحليل الأخير، يبرهن فيلم “فلسطين 36” على أن السينما الثورية أو المناهضة للإمبريالية لا يمكن فهمها من خلال مقاييس نصية أو صناعية معزولة. وبدلاً من ذلك، فإن السينما هي “عملية مادية كلية” تتفاعل أبعادها المكونة لها —التكوينية والجمالية، والأنماط اللوجستية للإنتاج، وآليات التوزيع والتسويق— في حالة من التبادلية البنيوية والنصية المستمرة. وهذه المكونات لا تعمل بشكل متواز أو متناغم مع بعضها؛ بل إنها تعيد تشكيل نفسها وصياغة مكوناتها ومكونات بعضها البعض طوال دورة حياة الفيلم من ولادة فكرته حتى توزيعه وتلقيه.
والأهم من ذلك، أن هذا الجهاز البنيوي بأكمله لا ينضج في فراغ؛ بل يتفاعل عضويا مع اللحظة التاريخية المحددة التي يتجسد فيها مادياً، ومنها يستمد شكله النهائي وموقعه الأيديولوجي. فمن منظور الدفاتر الرأسمالية الصرفة، تشكل عوائد بقيمة 2 مليون دولار مقابل ميزانية قدرها 6 ملايين دولار خسارة اقتصادية. ومع ذلك، من خلال استغلال رأس المال الدولي لبناء فعل راسخ وعالي الإنتاج للذاكرة التاريخية، حقق فيلم “فلسطين 36” شيئاً أكثر ندرة بكثير: لقد أجبر الصناعة الثقافية الغربية على تمويل وتوزيع النقد عينه الذي يفكك سردياتها الجيوسياسية، مبرهنا أنه تحت ضغوط الظرفية المناسبة، يمكن للسينما الراديكالية أن تنجح في توجيه آليات الهيمنة ضد المهيمن نفسه.
وبناءً على ذلك، يثبت تاريخ السينما الراديكالية أن صناع الأفلام الذين ينجحون في تغيير ديناميات “السينمات الجديدة” ليسوا مجرد تقنيين مَهرة أو منظّرين تجريديين؛ بل هم أولئك الأكثر تجذراً وعمقاً في الواقع المادي المباشر والجدليات الكامنة في عالمهم. وعبر إرساء ممارساتهم السينمائية داخل التيارات التاريخية الأوسع لعصرهم، يحوّل هؤلاء المخرجون تناقضات واقعهم الى موقع كفاح ونضال. ويقف فيلم “فلسطين 36” كشاهد على هذه الديناميكية: فهو مثل على حالة سينمائية أستطاعت أن تقتنص نافذة تاريخية متفجرة، محولة رأس المال المؤسسي إلى صرح لسردية متكاملة عن المقاومة المناهضة للاستعمار.
خاتمة: التغلغل الراديكالي في عصر التناقضات الرأسمالية
في نهاية المطاف، يقدّم المسار البنيوي والصدى العالمي لفيلم فلسطين 36نموذجًا هاما لفهم آليات وضعية محددة لعمل السينما المناهضة للهيمنة والإمبريالية داخل منظومة إعلامية تهيمن عليها القوى الغربية وتتجه نحو الاحتكار المتزايد. وبعيدًا عن كونه مخططًا جاهزًا للتكرار في مجال صناعة السينما، فإن الفيلم يُعد نتاجًا لظرف تاريخي محدد وشديد التقلب. وكما تبينت هذه الدراسة، فإن عملية الصقل الجمالي للفيلم، والتي استمرت ثماني سنوات، حُفِّزت وأُعيد تشكيلها بشكل مباشر بفعل التحولات الجيوسياسية التي أعقبت تصاعد الحروب في غزة ولبنان بين عامي 2023 و2025. وقد أشعلت هذه الأزمة الحادة حراكًا شعبيًا واسع النطاق على مستوى العالم، نجح في اختراق فلاتر الاحتواء التقليدية للمؤسسات الثقافية الغربية، مما خلق بيئة متقبلة بشكل فريد لنقدٍ راديكالي قائم على السردية تحليل الطبقية لمفاعيل الهيمنة التاريخية للإمبريالية والصهيونية في المنطقة العربية.
وتكمن القيمة النقدية لفيلم «فلسطين 36» على وجه التحديد في قدرته على التغلغل المؤسسي داخل التيارات السائدة، بدلاً من الانكفاء في عزلة هامشية. وفي حين حاولت المراجعات الليبرالية المهيمنة تحييد الأطروحة الراديكالية المناهضة للاستعمار في الفيلم عبر تسطيحها وتحويلها إلى ملحمة إنسانية عالمية “مؤدلجة”، نجح تيار نقدي بديل وصاعد في تفكيك جوهرها البنيوي: كاشفًا عن الاستمرارية التاريخية بين الحرب القانونية (Lawfare) للانتداب البريطاني، والأبعاد الطبقية، والتهجير المعاصر. ومن خلال إجبار منصات الجوائز الغربية النخبوية، ودور السينما التجارية، والمساحات العامة السائدة على إتاحة منبر لرواية تفكك آليات السلب الاستعماري، يثبت فيلم «فلسطين 36» حقيقة أوسع: وهي أنه حتى داخل النظام المهيمن والأشد تركيزا اليوم، يبقى من الممكن أن تمهد المتغيرات السياسية على أرض الواقع في رسم مسارات لتحدي نسيج الهيمنة الثقافية على آليات التواصل والابداع السينمائي.
لائحة المراجع
أُسقِطت روابط المواقع الإلكترونية (URLs) من المراجع الرقمية والمنشورة عبر الإنترنت لضمان ديمومة الاقتباس، وللحماية من عدم استقرار الروابط وتغيّر جدران الدفع (Paywalls). ويمكن استرجاع جميع المصادر بشكل فريد من خلال عناوين نشرها وتواريخها. كما أُبقِي على المراجع الأصلية بلغتها الأم تلافيًا لأي تضارب أو عدم اتساق.
Abele, Robert. 2026. “Review: As Overdue Tales of History Go, ‘Palestine ’36’ Earns Its Place.” Los Angeles Times, March 27, 2026.
Africultures. 2025. “Palestine 36 | Fiche Films.” Accessed June 22, 2026.
Aguilar, Carlos. 2026a. “Palestine ’36 Film Review.” RogerEbert.com, March 26, 2026.
Arab News Japan. 2025. “Palestine 36 wins top prize at Tokyo International Film Festival.” November 6, 2025.
Bazaar Staff. 2026. “Palestine 36: Telling a Story That History Tried to Forget.” Bazaar, March 19, 2026.
BFI (British Film Institute). n.d. “Palestine 36.” BFI Funded Productions. Accessed June 22, 2026.
Bradshaw, Peter. 2025. “Palestine ’36 Review – A Vehement Reminder of What Doesn’t Get Taught in British Schools.” The Guardian, October 28, 2025.
Chang, Justin. 2026. “The Current Cinema: History’s Blunt Instruments in ‘Palestine ’36’.” The New Yorker, March 26, 2026.
Clarke, Donald. 2025. “Palestine 36 Review: ‘We don’t want another Ireland on our hands’.” The Irish Times, October 31, 2025.
Columbia Spectator. 2026a. “Annemarie Jacir on Restoring Palestinian Memory through Palestine ’36.” Columbia Daily Spectator, February 11, 2026.
Columbia Spectator. 2026b. “‘It’s us on the screen’: Palestinian filmmaker Annemarie Jacir, SoA ’02, won’t be silenced.” Columbia Daily Spectator, May 3, 2026.
Ebiri, Bilge. 2026. “Annemarie Jacir’s ‘Palestine ’36’ Has Grand Ambitions But Stretches Itself Thin.” Vulture, March 23, 2026.
Gates, Marya E. 2026b. “Palestine ’36 Film Review.” RogerEbert.com, March 26, 2026.
Guzmán, Patricio, dir. 1975. The Battle of Chile (La batalla de Chile). Santiago: Equipo Tercer Año / ICAIC.
Ide, Wendy. 2025. “Wendy Ide’s Pick of Other Films: Relay, Facing War, Palestine 36 and More.” The Observer, November 2, 2025.
Jacobin. 2026. “Palestine 36 Reclaims a Buried Anti‑Colonial Revolt: An Interview with Annemarie Jacir.” Interview by Ed Rampell, April 1, 2026.
Kenigsberg, Ben. 2026. “‘Palestine ’36’ Review: Unearthing a Revolt.” The New York Times, March 20, 2026.
Linden, Sheri. 2025. “‘Palestine 36’ Review: Palestine’s Oscar Submission Is a Handsome Historical Drama Charged With Of-the-Moment Resonance.” The Hollywood Reporter, November 26, 2025.
MAD Distribution. 2025. “Palestine 36 wins Grand Prize at 38th Tokyo International Film Festival.” Press Release, November 6, 2025.
MAD Solutions. 2025. “Palestine 36 Set for Gala World Premiere at Toronto International Film Festival Opening Weekend.” Press Release, July 29, 2025.
Mehta, Radhika. 2025a. “The Transnational Finance Behind Toronto’s Biggest Ovation: Palestine ’36.” Screen International, September 15, 2025.
Mehta, Ritesh. 2025b. “‘Palestine 36’ Review: Epic Historical Drama Overreaches in Its Ambition but Resonates with Today.” IndieWire, September 5, 2025.
Metacritic. n.d. “Palestine 36 Details.” Accessed June 22, 2026.
Olsson, Göran, dir. 2014. Concerning Violence. Stockholm: Story AB / Swedish Film Institute.
Pontecorvo, Gillo, dir. 1966. The Battle of Algiers (La battaglia di Algeri). Algiers: Casbah Films.
Pronger, Rachel. 2025. “Palestine 36: A Broad Primer on a Complex Period in Palestinian History.” Sight and Sound, October 28, 2025.
Ramola Law. 2023. “Stars Align for Red Sea: Angelina Jolie, Jude Law, Paul Dano.” Variety / Ramo Law Article Archive.
Rampell, Ed. 2026. “Palestine ’36 Reclaims a Buried Anti-Colonial Revolt: An Interview with Annemarie Jacir.” Jacobin, April 1, 2026.
Sanjinés, Jorge, dir. 1969. The Blood of the Condor (Yawar Mallku). La Paz: Grupo Ukamau.
Screen Daily. 2025. “Strong UK Presence at Red Sea Reflects Growing Connections with MENA.” December 5, 2025.
Shaoul, Jean. 2025a. “Filming Under Fire: How Palestine ’36 Navigated the Topographies of Exile.” World Socialist Web Site, November 18, 2025.
Shaoul, Jean. 2025b. “Palestine 36: Britain’s Brutal Suppression of the Palestinians During the 1936–39 Arab Revolt.” World Socialist Web Site, November 18, 2025.
Sharjah Art Foundation. 2026. “Palestine 36 (2025).” Events & Exhibitions, January 24, 2026.
Sharjah24. 2026. “Palestine 36 to Premiere in UAE After Sharjah Film Platform Win.” News & Culture, January 13, 2026.
Sissako, Abderrahmane, dir. 2006. Bamako. Bamako: Chinguitty Films / Arte France Cinéma.
Solás, Humberto, dir. 1968. Lucía. Havana: Instituto Cubano del Arte e Industria Cinematográficos (ICAIC).
TRT World. 2026. “TRT Co-Production Palestine 36 Makes Oscars International Feature Shortlist.” TRT World News, January 2026.
Variety Staff. 2026. “‘Palestine ’36’ Finds Its Power as a Prescient Ensemble Drama.” Variety, June 14, 2026.
