سينما الذكاء الاصطناعي هل ستلغي إبداع الفنان؟
إعداد: أسيل فراح
تضع أفلام الذكاء الاصطناعي على كاهل المنظرين السينمائيين التأسيس لنوع جديد من أنواع الأفلام الروائية العالمية، فهناك اتجاه جديد في السينما هو اتجاه سينما الذكاء الاصطناعي، فالاشكالية التي بدأت منذ عرض الفيلم الأول عام 1895 والتي عانت منها السينما حتى عشرينيات القرن الماضي في السؤال الفلسفي القائم على اعتبار السينما فناً أم لا، اعتماداً على أن التصوير الفوتوغرافي يعمل على تحييد ذات الفنان فالآلة هي التي تقوم بإنتاج الصورة.
الجميع يعرف أنه تم التصدي لهذا السؤال باعتبار أن السينما تقدم معاني جديدة غير المعاني الموجودة في الواقع، فالمونتاج السينمائي وحركة وزاوية الكاميرا بالإضافة لأنها تشكل شعوراً فهي تشكل معنى، والآن مع ظهور السينما الحديثة باستخدام الذكاء الاصطناعي طفت على السطح هذه الإشكالية مرة أخرى، هل يمكن أن نعد أفلام الذكاء الاصطناعي فناً؟، وهل سيلغي الذكاء الاصطناعي إبداع الفنان ويقضي عليه؟ أم سيعزز ويطور هذا الابداع؟
أصبحت الفنون تُحسب على المتلقي لا على الصانع، فالمشاهد يتعرض لتجربة حسية وفكرية من خلال فلمٍ تم تصويره بطريقة عادية، أو أنتج باستخدام الذكاء الاصطناعي، ومن هذا المنظور سنقوم بتحليل فيلم الرسوم المتحركة “الأحلام لا تموت Dreams Don’t Die “ 2025 من اخراج عمر الرمال.
تبدأ أحداث هذا الفيلم القصير بوجود طفل صغير في غابة سحرية خلّابة المنظر، وأثناء تجوله يكتشف الطفل وجود أطفال آخرين في هذا الغابة كل منهم قد أتى من بلد وجنسية مختلفة لكن ما يجمعهم هو أن جميعهم أتوا من أماكن تعاني من الحروب والصراع، وأثناء حوارهم يكتشف الأطفال أن جميعهم قد جاءوا الى هذه الغابة السحرية بنفس الطريقة، حيث قامت أمهاتهم بتخبئتهم داخل كتاب قصص سحرية والذي بدوره وضعهم داخل هذه الغابة، فهي تمثل الملاذ الآمن لهؤلاء الأطفال من ويلات الحروب والدمار التي تجتاح بلادهم المختلفة.
الا أنه يتم تهديد هذا العالم بدخول وحش مرعب ليزعزع أمانهم و حريتهم، ليتوصل الأطفال الا انه لا توجد طريقة لهزيمة هذا الوحش والقضاء عليه الا من خلال مشاركة أحلامهم و أمنياتهم البسيطة التي بدورها تتحول لقوى تقضي على هذا الوحش وتدمره باعتبارها الوسيلة الوحيدة التي لا تستطيع الحرب أن تبيدها.
اذا أردنا النظر الى الفيلم من منظار الشكلية السينمائية، فالعالم داخل الفيلم تم تمثيله بناءً على العالم الافتراضي من خيال الفنان، فهو لم يقم بنقل الواقع كما هو بشكل حرفي ، بل حرّف الواقع واستخدم عناصر الشكل لتحمل المعنى، من خلال تحميل كلٍ من التكوين البصري والألوان والإيقاع والمونتاج، كما ويمكن اعتبار أن استخدام الذكاء الاصطناعي كتقنية لصناعة هذا الفيلم هي من الاتجاه الشكلاني، فالآلة هنا تولّد الصور والمشاهد عن طريق خوارزميات متخصصة تعمل على انشاء واقع أو بيئة جديدة خيالية مختلفة عن الواقع الأصلي.
استطاع صانع الفيلم أن يوظف عناصر الشكل بطريقة جمالية وأساسية في انتاجها للمعاني الكامنة وراء هذه العناصر، فتوليد المشاهد واللقطات داخل الفيلم عن طريق الذكاء الاصطناعي مكّن صانع الفيلم من انشاء بيئة خيالية و حلمية غير موجودة على أرض الواق، إلا أنه عند رؤية المتلقي لها يستطيع أن يدرك معانيها العميقة وأن يربطها و يعكسها على الواقع المرير، فاستخدم صانع الفيلم الألوان الدافئة ذات التشبع العالي في مشاهد الغابة السحرية ولعب الأطفال بحرية وأمان.
وفي المقابل تم استخدام الألوان الداكنة الباردة في مشاهد دخول الوحش وحدوث الدمار، والذي بدوره يعكس الحالة المزاجية التي تسود كل مشهد التي يستطيع أن يشعر بها ويدركها المتلقي.

فعناصر الشكل هنا كالغابة السحرية والحقول المزهرة والوحش المرعب وقوس قزح تشكّل جميعها وحدات دلالية استطاعت تجسيد معاني قوية داخل الفيلم دون الحاجة الى حوار واضح وصريح ، فالأطفال هنا هم تمثيل للبراءة ، والعالم السحري هو الملاذ الآمن الذي يمثل الوطن الحنون ، أما الوحش فهو تمثيل للحرب التي تزعزع أمان هؤلاء الأطفال وتسلبهم حقهم في حرية وسكينة، و قوس قزح في نهاية الفيلم هو دلالة على النجاة وعودة الأرض، فيمكن القول أن براعة صانع الفيلم هنا تتمثل في قدرته على تمثيل هذه المعاني بطريقة غير مباشرة، فهو تمكن من بناء بيئة سينمائية كاملة بعيدة عن الزمان و المكان في عالمنا الحقيقي الا أنها تعبر عنه.
ومن منظور فلسفي يعكس الفيلم فكرة أن الواقع لا يقتصر فقط على ما يدور في العالم المادي الحقيقي، بل هو الحدث المستمر في خيالنا وداخلنا، وانه يمكن للخيال وللأحلام أن تتحول الى شكل من أشكال المقاومة والنجاة، فاذا كان للحرب القدرة على قتل و انهاء الجسد، فان الخيال قادر على إحياء الروح.
يتمثل ذلك جيداً في فيلم “الأحلام لا تموت” عندما يقرر الأطفال أنه لا يمكن هزيمة الوحش المرعب إلا من خلال مشاركة بعضهم البعض لأحلامهم التي تبدو أحلاما بسيطة لكنها في عمقها تحمل ثقلا دلاليا كبيرا، فصانع الفيلم استطاع إيصال فكرة ان الانسان ما دام لديه قدرة على التخيل و الحلم اذن لديه القدرة على هزيمة الواقع.
كما يعكس الفيلم أيضاً فكرة حلم العودة، فجملة الطفل يوسف “علي العودة لأحمي أمي” تعكس حلم جميع الأشخاص الذين عاشوا الحروب المريرة في بلاد مختلفة ، فالأم هنا تمثل البيت والوطن والحياة وهي من ابسط الحقوق التي يجب أن يتمتع بها الإنسان، ألا وهي العيش بمأمن في وطنه، فالفيلم هنا وكأنه يقول طالما هناك خيال فلن تموت الأحلام والعودة حتمية والوطن سيرجع حراً.
يمكن القول إن فيلم “الأحلام لا تموت” يتمتع بعدد من نقاط القوة، فأولاً استطاع صانع الفيلم إيصال الفكرة والمعاني العميقة الكامنة وراء هذا العمل بشكل ايحائي باستخدام العالم الخيالي والأطفال والوحش، فهو لم يلجأ لأي إشارة أو حدث سياسي واضح، وانما عبّر عن الحروب بشكل عام عن طريق الوحش، والذي بدوره يعطي قدرة أكبر للمتلقي على التأويل والتفكير بعد الانتهاء من مشاهدة الفيلم.
أما من حيث التقنية فقد نجح صانع الفيلم في استخدام لوحات لونية قوية تعكس الحالة المزاجية لكل مشهد، فاللون هنا يؤدي دوراً تعبيريا كبيراً والذي بدوره يلفت انتباه الملتقي ويضعه في بؤرة الحدث.
ان الصور والفيديوهات المنتجة من الذكاء الاصطناعي ما زالت الى الان غير متقنة بشكل كامل، فأغلب أفلام الذكاء الاصطناعي تعاني من وجود بعض الأخطاء في حركة الشخصيات وانفعالاتهم، فظهرت بعض الأخطاء التقنية في فيلم الاحلام لا تموت، منها عندما تتحدث شخصية معينة يتحرك فم شخصية أخرى مع انها لا تتحدث، بالإضافة الى شخصية المرأة الحقيقية التي تظهر في الفيلم والتي تمثّل الأم فقد ظهرت في مشهدين، وفي المشهد الثاني تغيرت ملامح وجهها عن المشهد الأول مما يشير الى احتمالية وجود أخطاء أثناء عملية توليد المشاهد. وهذا يضعنا أمام تساؤل كبير ما زال الذكاء الاصطناعي بعمره الثاني ووصل الى هذه الدرجة من التجسيد فكيف سيكون مستقبل السينما بعد خمس سنوات؟ وهل سيقوم الذكاء الاصطناعي بإلغاء إبداع الفنان؟ أم سيكون سبيلاً لتعبير فني أكبر لم نراه سابقاً؟
ان هذه النقاط تضعنا الآن في تساؤل كبير، الا وهو هل ستعمل تقنيات الذكاء الاصطناعي على الغاء ابداع الفنان وتهديد العمل الإنساني؟ أم انها ستطور من هذا الابداع فاتحةً له مجالاً أوسع للتعبير والتقدم؟
