“سوبرمان” الجديد: رمز القوة الأمريكية الناعمة
بدر العقباني
منذ ظهوره الأول فيAction Comics عام 1938، أصبح سوبرمان أيقونة ثقافية عالمية تجسد حلم الإنسان بالقوة المطلقة في خدمة الخير. لكن بعد أكثر من 85 عاماً، وفي عالم يعاني من عدم المساواة والاستقطاب السياسي ويئن تحت وطأة التعقيدات السياسية والاجتماعية والهيمنة الأمريكية المتنازع عليها، تطلق استديوهات DCفيلمها ال جديدSuperman، كبداية طموحة للفصل الأول من القصة المصورة: الآلهة والوحوش.
الفيلم من إخراج وكتابة جيمس غان، الذي عُين في أكتوبر 2022 كرئيس مشارك لـ DC Studios مع المنتج بيتر سافران، في محاولة لإعادة تعريف عالم الأبطال الخارقين بعد سنوات من التخبط النسبي في الكون الموسع لدي سي (DCEU). بطل الفيلم هو ديفيد كورينسويت في دور كلارك كينت / سوبرمان، إلى جانب راشيل بروسناهان في دور لويز لين، ونيكولاس هولت في دور ليكس لوثور.
يؤدي كورينسويت دوراً تمتزج فيه البراءة والقوة، مُجسّداً الحقيقة والعدالة والطريقة الأمريكية بالعيش. بروسناهان في دورها الشهير كمراسلة ذكية وقوية، لا تتهافت على سوبرمان، بل ترى كلارك كينت كما هو، وتتحداه ليفكر بشكل أعمق في أفعاله. أما هولت فهو الشرير المثالي للعصر الحديث، ملياردير تكنولوجي أناني وحسود، يشبه إلى حد ما إيلون ماسك أو دونالد ترامب في عناده وغروره.
يقدم الفيلم سوبرمان بعد ثلاث سنوات من ظهوره الأول بطلاً خارقاً للمجتمع الأمريكي، متخطياً قصة الأصل المعروفة، والتي رأى غان أن الجمهور يعرفها مبسقاً. بدلاً من ذلك، نغوص مباشرة في عالم حيث سوبرمان هو أقوى ميتا-بشر على الأرض وأكثرهم حباً، لكن شعبيته تواجه خطراً بعد تدخله في نزاع دولي بين دولتي بورافيا وجارهانبور، ما أدى إلى عواقب غير مقصودة. ليكس لوثور، الرئيس التنفيذي لشركة LuthorCorp، يستغل هذا التدخل لتشويه صورة سوبرمان عبر وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية، مدفوعاً بحسد عميق لقوة سوبرمان وشعبيته، رغم كونه كائناً فضائياً.
الفيلم يبحث في الصراع بين الطبيعة والتربية؛ فقيم سوبرمان مستمدة من والديه البشريين في كانساس، بينما قوته مستمدة من إرثه الكريبتوني. نرى سوبرمان وهو يتصارع مع أسئلة أخلاقية وسياسية حول دوره في العالم، خاصة عندما يكتشف أن رسالة والديه البيولوجيين، جور-إل ولارا لور-فان، التي كان يعتقد أنها تدعوه لمساعدة البشرية، تحتوي في نصفها الثاني على أمر له بغزو الأرض وتكريس العرق الكريبتوني. هذا الاكتشاف يهز ثقته بنفسه ويقلب الرأي العام ضده، مما يدفعه إلى رحلة شخصية لاكتشاف هويته الحقيقية.

غان، المخرج والكاتب الذي بدأ مسيرته في منتصف التسعينيات معTroma Entertainment، وأخرج أفلاماً مثل Slither (2006) وSuper (2010)، قبل أن ينتقل إلى عالم الأبطال الخارقين مع سلسلة حراس المجرة Guardians of the Galaxy من انتاج مارفل، ثمThe Suicide Squad (2021) انتاج DC. عُرف بأسلوبه الممزوج بين الفكاهة والعنف والعاطفة، لكنه واجه تحدياً كبيراً في تقديم شخصية سوبرمان التي تُعد أيقونة ثقافية تحتاج إلى توازن دقيق بين الأصالة والابتكار.
جيمس غان لا يخفي التعليق الاجتماعي والسياسي في الفيلم، ذلك من خلال صراع بورافيا وجارهانبور، يستكشف بحذر تعقيدات التدخل الدولي وتضليل الإعلام والاستقطاب الجماعي. يلمح العمل أيضاً إلى حرب الإبادة على غزة في مشهد غزو بورافيا (التي تمتلك أسلحة متطورة) لجارهانبور (التي تدافع عن نفسها بالصخور)، هنا يقدم غان موقفاً إنسانياً واضحاً حيث يرى في سوبرمان المنقذ الوحيد للجميع.
خارج إطار الفيلم ومشاهده السينمائية المشبعة بالألوان والحيوية (التصوير السينمائي لهنري براهم) يطرح فيلم سوبرمان تساؤلات بديهيّة لكنها جوهريّة: هل ما زلنا نحتاج بطلاً خارقاً بهذه القوة؟ ولماذا يجب أن يكون أمريكياً؟ ولماذا تظل “رحلة البطل” التقليدية هي الهيكل السردي المهيمن على هذه الأساطير الحديثة؟
تتبع قصة سوبرمان الجديدة، مثل سابقاتها، نموذج “رحلة البطل (The Hero’s Journey) الذي صاغه جوزيف كامبل في 12 مرحلة أساسية تبدأ من العالم العادي للبطل ثم يأتي نداء المغامرة وبعده الرفض الأولي للبطل ثم ينطلق في رحلته ليصل بعد ان حدد العدو والصديق لمرحلة البعث والعودة مع أكسير الحياة وقبوله بدور الجديد (حامياً للأرض في حالة سوبر مان). هذا النموذج يظل فعالاً لأنه يعكس رحلة النضج الإنساني التي نمر بها جميعاً، من الشك إلى اليقين، ومن الأنانية إلى الإيثار. لكن هذا النموذج أصبح اليوم أداة لتكريس الهيمنة الثقافية بدلاً من كونه مجرد هيكل سردي.

سوبرمان لم يكن مجرد بطل خارق؛ لقد كان دائماً تجسيداً للقيم الأمريكية المثالية، ذلك من خلال تحولاته عبر العقود، ويمكن عبرها أيضاً، تتبع تطور الهوية الأمريكية نفسها، في الثلاثينيات كانت الشخصية منتجاً من الكساد الكبير، يحارب الأشرار أصحاب الياقات البيضاء. في الأربعينيات أصبح رمزاً للجهود الحربية الأمريكية في الحرب العالمية الثانية. ثم أتت الخمسينيات لتعيد انتاجه كبطل لمكافحة الشيوعية والحرس الأمامي للقيم الغربية أما في عصر ريغان، السبعينيات/الثمانينيات، كان تجسيداً للتفاؤل الليبرالي، واليوم في القرن الحادي والعشرين يصاغ هذا البطل عبر صراع الهوية في عصر العولمة والإرهاب.
يبدو سوبرمان كتمثيل للقوة الناعمة الأمريكية التي تحاول إعادة تبرير هيمنتها، ويبقى مرآة للطموحات الأمريكية والمخاوف العالمية – بطلٌ قوي بما يكفي لتحطيم الكواكب (أبيض البشرة بالتأكيد)، لكنه ضعيف بما يكفي للتساؤل إذا كان يستحق هذه القوة.
