زهرة فرساي”.. تكريم جميل للمانغا الكلاسيكية
علي القباني
في عالم الأنيمي حيث يمتزج التاريخ مع الخيال تظل ليدي أوسكار (The Rose of Versailles) واحدة من أكثر الأعمال تأثيراً في تاريخ المانغا والأنمي. منذ ظهور مانغا ريوكو إيكيدا عام 1972 عبرت قصة أوسكار فرانسوا دي جارجايس الحدود واللغات لتصبح أيقونة عالميّة تجسد صراع الحرية والهوية في قلب الثورة الفرنسية. المخرجة آي يوشيمورا المعروفة بأعمال مثل My Teen Romantic Comedy SNAFU، تواجه تحدياً كبيراً في إعادة تقديم عمل يعتبره الكثيرون مقدساً في عالم السينما والمانغا. نشأت يوشيمورا في بيئة أنمي تعتمد على الدراما المدرسية والكوميديا ما يجعل انتقالها إلى عالم الملحميات التاريخية خطوة جريئة.
يقدم فيلم “زهرة فرساي” (2025)، رؤية جديدة لتلك السردية الكلاسيكية. أخرجت الفيلم آي يوشيمورا وأنتجته استوديوهات MAPPA، يحاول أن يختزل قصة تمتد عبر 14 مجلداً من المانغا و40 حلقة من الأنمي الأصلي في فيلم مدته ساعتان فقط. كانت النتيجة عمل فني طموح يجمع بين الألوان الباذخة والموسيقى الصاخبة والدراما التاريخية لكنه يعاني من إفراط في الضغط السردي وعدم توازن في توزيع الأحداث والشخصيات.

تدور أحداث الفيلم في فرنسا القرن الثامن عشر قبيل الثورة الفرنسية، حيث نتابع مسارين متوازيين: الأول لحياة ماري أنطوانيت، الملكة الشابة التي تُجبر على الزواج من لويس السادس عشر وتجد نفسها عالقة في دوامة من الترف واللامبالاة تجاه معاناة الشعب ومن ثم علاقتها العاطفية مع الكونت السويدي هانز أكسل فون فيرسن. والثاني لأوسكار فرانسوا دي جارجايس، الفتاة التي تربّت كرجل لتحل محل والدها في قيادة الحرس الملكي، والتي سرعان ما تبدأ في التشكيك في ولائها للنظام الملكي بعدما تكتشف الفقر والظلم الذي يعانيه العامة ومن ثم تنقلب على النظام الملكي وتنضم إلى الثوار ما يجعل الملكة تختفي تقريبًا من القصة.
هذا الانزياح المفاجئ في البؤرة السردية يخلق إحساساً بعدم الاتساق، خاصة أن الفيلم لا يمنح الوقت الكافي لتطور التحول الأيديولوجي لأوسكار أو لسقوط ماري أنطوانيت الدرامي. بدلاً من ذلك يعتمد على مشاهد موسيقية سريعة (مثل مونولوجات غنائية) لتجاوز التفاصيل التاريخية، مما يجعل المشاهد غير المطلع على القصة الأصلية ويشعر بأن قبول التغييرات قد فرض عليه دون مبرر كافٍ.
تصميم الشخصيات يحافظ على الأسلوب الكلاسيكي للأنمي الأصلي، مع لمسات عصرية في الرسوم المتحركة خاصة في مشاهد القتال والاستعراضات الملكية. حافظ العمل على التصميم الكلاسيكي للشخصيات، العيون البراقة والملامح الأوروبية النبيلة التي تميز أنمي تلك الحقبة، وأضافت تقنيات رسومية حديثة، مثل المؤثرات البصرية في المشاهد الموسيقية ولكنها تجنبت التغييرات الجذرية التي قد تغضب المعجبين القدامى، وركزت بشكل كبير على العاطفة – وهو ما يتوافق مع خبرتها في الدراما العاطفية- في علاقة أوسكار بأندريه وصراعها الداخلي بين الولاء للملكية والانضمام للثورة.
كانت الموسيقى سلاحاً ذو حدين، التعاون بين الملحن هيرويوكي ساوانو (Attack on Titan) وكوهتا ياماموتو أنتج موسيقى دراماتيكية تناسب الأجواء الملحمية، لكن الأغاني نفسها تختلف في جودتها. بعضها كأغنية Libération التي تغنيها Tielle تعزز المشاعر، بينما أخرى تبدو مبتذلة وتقطع تدفق القصة، ومن هنا أتى النقد الأكبر للفيلم، وهو الاعتماد المبالغ به على الأغاني كبديل للتطور الدرامي. بدلاً من مشاهد الحوار العميق والتصاعد السرديّ (تُختزل الثورة الفرنسية في مشاهد متعجلة مثل اقتحام سجن الباستيل، الذي يفقد تأثيره العاطفي بسبب عدم تطوير علاقة أوسكار مع الثوار بشكل كافٍ) نرى مونولوجات غنائية تُختزل فيها سنوات من التطور العاطفي في دقائق ما أفقد العلاقات بين الشخصيات عمقها.

منذ نهاية القرن الـ 19 بدأ الهوس الياباني بأوروبا القديمة، نظرت اليابان إلى أوروبا كرمز للرقي والفن مما أدى إلى ظهور أعمال مثل “غوندام” والموناليزا السمراء” التي تستلهم التاريخ الأوروبي، من أبرز الأيقونات في هذا التاريخ الفني هي الليدي أوسكار، نحن أمام شخصية خالدة في هذا السياق، امرأة تمردت على الأدوار النمطية، تلبس زي الرجال وتقود الجنود في عصر كان فيه هذا مستحيلاً، صراعها بين الواجب العسكري والعدالة الاجتماعية يجعلها شخصية معقدة ومثيرة للتعاطف. في اليابان أصبحت رمزاً للأنمي النسوي، وفي أوروبا* أُعجب النقاد بتصويرها المختلف للثورة الفرنسية وفي العالم العربي اشتهرت عبر دبلجة الأنمي القديم حيث أصبحت “زهرة فرساي” اسماً مألوفاً لدى أجيالٍ كاملة.
فيلم زهرة فرساي هو تكريم جميل للمانغا الكلاسيكية لكنه فشل في تقديم نسخة سينمائية متماسكة، الجمال البصري والأداء الصوتي ممتازان لكن السيناريو المختزل والاعتماد المفرط على المشاهد الموسيقية على حساب العمق الدرامي يجعله عملاً يستحق المشاهدة للجمهور العام، لكنه لن يرضي عشاق التفاصيل التاريخية أو المعجبين بالعمل الأصلي. حاول الفيلم أن يكون كل شيء: تاريخياً ورومانسياً وثورياً وموسيقياً، لكنه في النهاية لم يُتقن شيئاً بشكل كامل.
