“داو”.. عمل صادم بديع مدهش وفيلم ليس كسائر الأفلام
أمير العمري- فينيسسيا
كان فيلم “داو” DAU، دون شك، أحد أهم الأفلام التي عُرضت في مسابقة الدورة الحادية والثمانين من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي. وكان مؤهلًا بقوة للحصول على جائزة “الأسد الذهبي”، التي نافس عليها عددًا من الأفلام الجيدة التي برزت في المسابقة، إلا أن لجنة التحكيم استقرت في النهاية على منحه جائزة “الأسد الفضي” لأفضل إخراج، وهي جائزة في محلها تمامًا، بطبيعة الحال.
وقبل أن يُعرض الفيلم ونشاهده، أثار هذا العمل ضجة كبيرة، بعد أن تعرض لهجوم واسع من السلطات الأوكرانية. ففي 17 أغسطس، أصدرت وزارتا الخارجية والثقافة الأوكرانيتان بيانًا مشتركًا أعربتا فيه عن “قلقهما العميق” إزاء اختيار فيلم «داو» للمشاركة في المهرجان.
وقال البيان إنه لا ينبغي التعامل مع الفيلم باعتباره عملًا محايدًا سياسيًا، بسبب صلاته الروسية، مشيرًا إلى وجود تمويل روسي من جانب سيرجي أدونييف، رجل الأعمال الروسي الذي فرضت أوكرانيا عقوبات عليه نظرًا إلى علاقته بنظام بوتين. كما زعم البيان أن تيودور كورنتزيس، الممثل الرئيسي في الفيلم، الذي حصل على الجنسية الروسية بموجب مرسوم رئاسي عام 2014، امتنع عن إدانة الغزو الروسي لأوكرانيا، ويواصل العمل داخل روسيا.
وفي المؤتمر الصحفي الذي عُقد في فينيسيا، علّق مخرج الفيلم إيليا كرزانوفسكي على الأمر بالقول إن كورنتزيس، الذي لم يحضر المهرجان، اتخذ قراره بنفسه، ويتحمل وحده عواقب هذا الاختيار.
وجاء الرد قويًا من جانب المدير الفني لمهرجان فينيسيا، ألبرتو باربيرا، الذي رفض وصف “داو” بأنه مشروع دعائي للكرملين، مؤكدًا أن الفيلم ينتقد النظام الشمولي السوفيتي وتدخله القمعي في حياة الفرد. وأضاف أن مخرجه تخلى عن جنسيته الروسية عام 2024، وعارض الغزو الروسي لأوكرانيا علنًا.
إن “داو” ليس مجرد فيلم، بل مشروع سينمائي ضخم، أو بالأحرى جزء من مشروع ممتد بدأه هذا المخرج المجنون بجنون الفن وجموحه عام 2005. بدأت الفكرة بالرغبة في تصوير فيلم واحد عن حياة عالم الفيزياء الروسي المرموق ليف لانداو (1908-1968)، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1962، والذي عُرف بشخصيته المثيرة للجدل خلال العهد السوفيتي. لكن مشروع الفيلم سرعان ما كبر واتسع، ليتحول إلى تجربة إنسانية وتاريخية هائلة، تستعيد تفاصيل الحياة في الاتحاد السوفيتي بكل تناقضاتها وعنفها وعذاباتها، أمام الكاميرا مباشرة.
فماذا حدث خلف الكواليس؟
حصل كرزانوفسكي على تمويل ضخم لمشروعه من الملياردير الروسي سيرجي أدونييف، تجاوز مئة مليون دولار. وفي عام 2008، اختار مدينة خاركيف الأوكرانية لتكون نقطة انطلاق المشروع، حيث شرع في بناء مدينة سينمائية كاملة على مساحة 12 ألف متر مربع، تضم مبنى يحاكي أكاديمية العلوم الفيزيائية في الاتحاد السوفيتي، مستفيدًا من شوارع المدينة التي كانت لا تزال تحتفظ بمعالم الحقبة السوفيتية.
كما شيّد عشرات المكاتب وغرف النوم والمعامل والمطابخ والردهات والمطاعم بالحجم الطبيعي، وأثثها بأثاث قديم، واستعان بالأزياء والعملات والصحف السوفيتية والسيارات الأثرية، لإعادة تجسيد ذلك الزمن بدقة متناهية.

استعان كرزانوفسكي بعدد كبير من الممثلين، معظمهم من غير المحترفين، وآلاف من الممثلين الثانويين (الكومبارس)، إلى جانب ضباط أمن سابقين من بقايا الاتحاد السوفيتي، وبعض العلماء، بل وبعض النازيين الجدد الروس. وطلب من الجميع أن يعيشوا داخل هذا المكان بصورة كاملة، على أن تتابعهم الكاميرا في حياتهم اليومية، كما لو كانوا فئران تجارب، على مدار أربع وعشرين ساعة، فترصد أدق تفاصيل حياتهم الخاصة، ومشاجراتهم ولهوهم، وطريقتهم في تناول الطعام وشرب الخمر، وممارساتهم الحميمة.
وكان الهدف توظيف هذه المادة، التي استندت إلى قدر كبير من الارتجال، في صناعة فيلم سرعان ما تفرع وتمدد، ليشمل نحو 700 ساعة من المواد المصورة. وأسفر المشروع في مجمله عن أربعة عشر فيلمًا، عُرض منها في المهرجانات السينمائية، حتى الآن، ثلاثة أفلام.
شاهدت الفيلمين السابقين من سلسلة «داو» في مهرجان برلين عام 2020. الأول هو «داو: ناتاشا” DAU. Natasha، الذي كتبت عنه في حينه، ورأيت أن مخرجه أراد “مطابقة الواقع”، لا مجرد “محاكاته”، من خلال تبني منهج المذهب الطبيعي في الفن. وقد استعان بامرأة ليست ممثلة محترفة لأداء الدور الرئيسي، كما استعان بضابط سابق حقيقي في المخابرات السوفيتية (KGB)، هو فلاديمير أجيبو، ليتولى استجوابها وتعذيبها وانتهاكها داخل الفيلم، لا من خلال خدع التصوير السينمائي، بل في ظروف فعلية أمام الكاميرا.
كان فيلم «داو: ناتاشا» يمتد ساعتين ونصف الساعة، ويتألف من سبعة مشاهد فقط، ويعتمد على تصوير المشهد في زمنه الحقيقي. أما الفيلم الثاني، «داو: الانحطاط” (DAU. Degeneration) ، فتبلغ مدته ست ساعات وتسع دقائق، وتدور أحداثه كلها عام 1968، مباشرة بعد غزو قوات حلف وارسو تشيكوسلوفاكيا لقمع انتفاضة «ربيع براغ» الشهيرة. أي إن الأحداث تقع في السنة التي كان النظام السوفيتي يواجه فيها أزمة ثقة واحتجاجًا مباشرًا يأتي من قلب أحد أهم حلفائه في أوروبا الشرقية.
تدور أحداث الفيلم في معظمها داخل أكاديمية العلوم في موسكو، في ردهاتها ومكاتبها وساحاتها. نرى مدير الأكاديمية، داو، وقد أصبح مسنًا عاجزًا، لا يدري شيئًا مما يدور حوله، بينما لا تزال زوجته نورا وابنه إلى جانبه. وفي المقابل، يحل محله في قيادة المعهد ضابط أمن الدولة السابق أجيبو، الذي عذّب ناتاشا في الفيلم السابق، ليعيد هيكلة المكان ويضرب بقوة على أيدي الشباب المتمرد، الذين بدأوا يستمعون إلى الموسيقى الغربية ويقيمون حفلات الرقص واللهو.
ويحتوي الفيلم على مشاهد قاسية للتهديد والضرب وحلق الرؤوس، وفوضى تملأ المكان، وغضب يعتمل في الصدور واعتداءات متكررة. والأهم من ذلك، التجارب البشعة التي تُجرى داخل المعهد على الحيوانات والأطفال الرضع، بل وعلى مجموعة من الشباب الفاشيين، في محاولة لتحويلهم إلى آلات مبرمجة للقتل.
أما فيلم “داو” الجديد- 2026 الذي نحن بصدده، والذي عُرض في مهرجان فينيسيا الأخير، فتبلغ مدته ثلاث ساعات وخمس عشرة دقيقة، ويعتمد على مواد صُوّرت على مدى عشرين عامًا. وكان بطله اليوناني الروسي تيودور كورنتزيس، الذي يظهر عجوزًا هرِمًا في فيلم «الانحطاط»، قد عاش سنوات طويلة داخل تلك «المدينة المغلقة» المخصصة للمشروع، حيث كان محظورًا على المقيمين فيها الخروج منها، وكان الدخول إليها يتطلب الحصول على تأشيرة خاصة، فضلًا عن الحظر التام للحديث مع وسائل الإعلام.
وقد استطاع المخرج كرزانوفسكي أن يجمع ببراعة بين ما صوّره في الماضي وما صوّره حديثًا، ليخلق هذا العمل الكبير الذي يفيض بالجموح الفني. ولم يعد الفيلم مجرد تصوير لحياة عالم فيزياء كبير على مدى أربعين عامًا، من 1928 إلى 1968، بل تحول إلى إعادة تجسيد حية لشكل الحياة في مجتمع يرزح تحت وطأة القمع والخوف والتلصص والوشايات والتعذيب والترهيب، مبرزًا كيف يُسخّر العلم لخدمة مشروع الدولة الشمولية. إننا، باختصار، أمام ما يشبه “الجحيم الأرضي”.
وعلى العكس من الفيلم السابق «داو: الانحطاط»، يفيض هذا الفيلم بالحيوية والحركة، وبتعاقب الصور والمشاهد الخارجية الغريبة، وبالمزج بين الألوان لصنع لوحات تشكيلية سريالية، تصور جنون تلك الفترة، وتبرز حياة اللهو والمجون العابثة التي تشبث بها عالم الفيزياء ليف لانداو، بوصفها مهربًا ذاتيًا من الشعور بالقهر وغياب الحرية.
كان داو، كما نراه في الفيلم، مندفعًا وجامحًا ومتمردًا، يؤمن بالحرية الفردية رغم إيمانه بالاشتراكية. وكان من الطبيعي أن يصطدم بالسلطة الستالينية، وأن يتعرض للإهانة والاعتقال والتعذيب والتهديد. فقد كان الخيار أمامه إما الانصياع لما تريده منه «الدولة»، وإما مواجهة الدمار الشخصي، كما حدث لزملائه.
ويبدو داو في الفيلم، كما كان في حياته العامة والخاصة، رجلًا يميل إلى الفوضوية والعدمية، بعدما فقد شعوره بالانتماء إلى المشروع الشمولي، معبرًا عن هذا التحرر بالإغراق في الملذات الحسية، من الخمر إلى الجنس.
يقول المخرج كرزانوفسكي، في معرض حديثه عن اختياره شخصية من أصل يوناني لتكون بطلة فيلمه: «إن اليونانيين، باعتبارهم ينتمون إلى حضارة ما قبل المسيحية، كانوا يعتنقون أخلاقًا مختلفة عن أخلاقنا، والمأساة اليونانية توحّد المصير والحرية؛ فالمصير يتحقق من خلال عدد لا يُحصى من الأفعال البشرية الصغيرة».
من الناحية البصرية، يمزج الفيلم بين الواقعية والسريالية والانطباعية. وهناك الكثير من اللقطات والمشاهد التي يصعب تفسيرها تفسيرًا مباشرًا في علاقتها بعالم الشخصية، بل ترتبط أكثر برؤية المخرج الفنية، التي تسعى إلى تكثيف صورة مجتمع كانت السلطة الشمولية تحاول فيه إعادة تشكيل الطبيعة البشرية نفسها، لخلق نموذج جديد من الإنسان الخاضع، الذي يتعين عليه الطاعة المطلقة وتلبية ما تطلبه منه “الدولة”.
فالدولة أهم من الفرد، والحزب يقود الدولة، والأيديولوجيا هي الدين البديل، والأجهزة الأمنية وحدها هي التي تملك تحديد من يلتزم ومن يتجاوز، ومن يعيش ومن يموت، ومن يُنفى من الحياة العامة، ويُهمّش ويُدمّر في حياته الخاصة.
ويناقش الفيلم أيضًا، من خلال الشخصية الرئيسية وتناقضاتها، طبيعة الحب، وما يحققه الجنس، وقيود الزواج، والعلاقة بين العلم والفلسفة الإنسانية. وهو يطرح أسئلة من قبيل: هل يجب أن يخدم العلم السلطة أم الإنسان؟ وهل ينبغي توظيف المعرفة البشرية في ابتكار أسلحة الدمار الشامل وصناعة الموت، أم في خدمة مشروع الحياة؟
لكن هذا لا يعني أن الفيلم يفصل فصلًا حادًا بين الجانبين، أو بين الخير والشر؛ فالشخصية الرئيسية التي تتمركز حولها الأحداث، ونشهد تقلباتها وتحولاتها عبر السنين، ليست شخصية بسيطة، بل مركبة ومعقدة.
فداو يميل أحيانًا إلى الغرور الشخصي، وإلى الاعتقاد بأنه عبقري يفوق الجميع في فهمه للفيزياء. ومن ثم، لا يرى حرجًا في أن يتمتع العباقرة بمزايا لا يملكها سائر البشر، فهم، في نظره، فوق الآخرين.
وهو يرفض تمامًا مبدأ الزواج الأحادي، ويتبنى فكرة العلاقات المفتوحة التي تتيح له إقامة علاقات جنسية مستمرة خارج نطاق الزواج، بالاتفاق مع زوجته. كما أنه لا يتورع عن استغلال المرأة وقهرها، وتسخيرها لخدمة نزواته الخاصة.

فهو يستعين، مثلًا، بامرأتين شابتين جذابتين داخل منزل الزوجية، ولا يتورع عن مضاجعة إحداهما أمام زوجته، مستخدمًا المرأتين كما لو كانتا جاريتين. كما لا يكف عن إغواء زوجات أصدقائه، حتى في حضور أزواجهن. وتوحي الأجواء التي يصورها الفيلم في نصفه الأول بتطرف شخصية داو في سعيها إلى التحرر الذي لا تجده في العمل أو في المجتمع عمومًا.
تناوب على تصوير الفيلم، على مدى سنوات، ثلاثة من مديري التصوير: الألماني يورغن يورغس (Jürgen Jürges)، الذي عمل مع فيم فيندرز وراينر فيرنر فاسبيندر؛ والبريطاني لول كراولي، الذي صوّر فيلم “الوحشي” أو “المعماري” Brutalist؛ والتشيلي الدنماركي مانويل ألبرتو كلارو، الذي صوّر عددًا من أفلام لارس فون ترير، منها “ميلانكوليا” و”مهووسة جنسيًا” و”المنزل الذي بناه جاك”.
وينتقل الفيلم بين ثلاثة أماكن وثلاثة أزمنة: عام 1928، والفترة الممتدة من 1933 إلى 1938، ثم عام 1968، وهو العام الذي سيصبح فيه بطلنا داو عاجزًا، قبل أن يمضي إلى نهايته المحتومة.
وعلى الرغم من تناوب مديري التصوير، لم تتأثر وحدة الصورة في الفيلم. والواضح أن المخرج استخلص مادته من بين عشرات الساعات المصورة بدقة شديدة، من دون إخضاعها للسرد التقليدي الذي يتصاعد دراميًا في سياق قصة محكمة. بل وضعها في سياق يتصاعد ويهبط، ويتأرجح باستمرار، بحيث يضعنا في قلب ما يشبه رقصة طويلة متمايلة، تسرع وتبطئ، ثم تسرع مجددًا.
ومما يدعو إلى الإعجاب أن يأتي الفيلم متماسكًا إلى هذه الدرجة المدهشة، سواء من حيث الإيقاع أو العلاقة المذهلة بين الصوت والصورة، وبين الحركة المصممة مسبقًا والارتجال. ومن المعروف أن كرزانوفسكي كثيرًا ما يترك المجال أمام الممثلين للارتجال، خصوصًا في الحوار، كما يتيح للكاميرا حرية التقاط ما يحدث أمامها كما يحدث، من دون تدخل كبير.
فهو يريد التقاط «الحياة»، لا محاكاتها وإعادة تجسيدها. ولذلك ترك الممثلين يعيشون ويتفاعلون داخل مشروعه، أو بالأحرى داخل العالم الذي أعاد إنشاءه على صورة العهد السوفيتي، بحيث ينفصلون تمامًا عن واقعهم، بل وعن شخصياتهم خارج الفيلم.
وتظهر في الفيلم مرارًا لقطات تمتزج فيها الألوان والأشكال الغريبة، ورسوم تخطيطية ومعادلات فيزيائية على السبورة السوداء، ولوحات تتسم بالقذارة، تختلط فيها صور اللحم البشري والدماء. وتمر هذه اللقطات سريعًا، في ما يشبه أسلوب “الكولاج”، على وقع موسيقى قوية الإيقاع تنذر بالخطر.
يبدأ الفيلم في مدينة لينينغراد (سانت بطرسبورغ حاليًا، كما كانت تُعرف قبل ذلك) عام 1928، وسط شوارع قذرة وفئران وحشرات، وعربات ترام تسير بسرعة، وأناس يهرولون ويحتفلون، وتغمرهم النشوة بعد انتصار الثورة الاشتراكية، فيما يرتدون الملابس الزاهية.
ويظهر بينهم، على نحو خاص، شاب يرتدي معطفًا أحمر قانيًا، سيظل يرتديه فترة طويلة، حتى بعد انتقاله المفاجئ عام 1933 إلى خاركيف، حيث يصل بطائرة هليكوبتر مع رفاقه، ويهبط على أرض موحلة.
ثم نشهد كيف تدهورت المدينة، وأصبح الناس يبحثون عن الطعام بين أكوام النفايات. فقد كانت تلك سنوات المجاعة في أوكرانيا، نتيجة سياسات الزراعة الجماعية التي فرضها ستالين. لكن مجموعة العلماء الشبان، ومن بينهم داو، يتمتعون بتناول لحم رؤوس الأغنام، بل يجدون متعة خاصة في اللهو بتبادل إلقائها في وجوه بعضهم بعضًا.
وفي خاركيف، يلتقي داو بفتاة من الطبقة العاملة تُدعى نورا، ستظل إلى جانبه حتى النهاية، على الرغم من معاملته الخشنة لها. ويتزوجها، فتحمل منه وتنجب ابنه. لكنه يعقد معها، كما أشرت، اتفاقًا على إقامة علاقة مفتوحة تتيح له حرية ممارسة الجنس مع أخريات، وهي حرية تتحول، في الواقع، إلى متعة من طرف واحد.
داو، المتمرد الغاضب الذي يعتبر الحرية الفردية أهم ما في الحياة، يرفض الانصياع لأوامر رجال أمن الدولة الذين يريدونه أن يسخّر عبقريته في الفيزياء لابتكار رادارات جديدة، بحجة أن الاتحاد السوفيتي يواجه مخاطر الأعداء في الخارج. لكنه يرفض، مؤمنًا بأن مهمته بوصفه عالمًا ليست ابتكار الأسلحة، بل ابتكار وسائل لحماية الطبيعة والإنسان. ومن هنا تبدأ أزمته.
يُبقيه رجال الأمن تحت المراقبة، شأنه شأن بقية العلماء، وبعد انتقاله إلى الأكاديمية العلمية في موسكو تصبح حياته الشخصية مرصودة بدقة. ويحاول أستاذه، البروفيسور كابيتسا، إقناعه بالتعاون معه في صنع القنبلة الذرية، لكنه يرفض.
ويحاول رجال الأمن تأليب أصدقائه عليه، ويطلبون من الجميع مراقبة بعضهم بعضًا، وتقديم التقارير إلى المخابرات عن كل شاردة وواردة. ثم يُعتقل داو ويتعرض لتعذيب شديد، يشمل التبول في فمه مباشرة، لإجباره على التعاون مع أمن الدولة. وفي النهاية يرضخ، سعيًا إلى النجاة.
ثم يأتي الوقت الذي يخون فيه أستاذه كابيتسا، وبذلك يكون قد باع روحه للشيطان. ويمضي أكثر فأكثر في اللهو والعبث، إلى أن يصاب بالخرف، ويرقد على فراش الموت شيخًا معذبًا، عاجزًا عن فهم ما يدور حوله.

المخرج كرازونوفسكي
وعلى الرغم من الحوارات الطويلة وكثرتها في الفيلم عمومًا، فإنه يظل عملًا شديد الحيوية من الناحية البصرية، ويضم الكثير من الابتكارات في تشويه المنظور، لا لتعكس ضبابية الواقع كما يراه بطله فحسب، بل لتجسد أيضًا انقلاب المعايير والقيم والرؤية.
هناك، مثلًا، مشهد يُصوّر من فوق تركيب معدني ضخم، يجعل الرجل يبدو تائهًا في الفضاء. وفي مشهد آخر، يدور الحوار قرب تمثال ضخم من تماثيل الحقبة الستالينية، قيل إن المخرج أحضر تمثالًا حقيقيًا من تلك الفترة. ويدور الحوار بين داو وأستاذه كابيتسا، الحائز بدوره على جائزة نوبل عام 1978، فيما يبدو الشارع مائلًا بزاوية حادة تبلغ 45 درجة، ويصعد الناس ويسيرون وهم يميلون بأجسادهم. ولا نعرف هل يتعمدون الميل أم أن الطريق نفسه مائل بهذه الحدة.
وقد صُوّر المشهد من دون استخدام المؤثرات البصرية؛ إذ صُمّم موقع التصوير نفسه على هذا النحو!
إن «داو» الجديد عمل يتجاوز المألوف كثيرًا، ويمكن مقاربته بعالم المخرج التشيلي أليخاندرو خودوروفسكي، الجامح بدوره. ويكمن جمال الفيلم في تطرفه، وتصويره المدهش لتلك الفترة، من خلال المزج بين الحقيقة والخيال. وعلى الرغم من بعض المبالغات، فإنه يظل جزءًا من تجربة لم تكشف لنا بعد عن جميع ملامحها وابتكاراتها.
يحتوي الفيلم على قدر كبير من “الشكلانية” التي تعلي من شأن الكاميرا وزوايا التصوير والإضاءة والمونتاج. وربما يرتبط هذا المزيج المثير أيضًا بالتجربة الشخصية لمبدعه، كرزانوفسكي نفسه.
لكن، مهما تعددت التفسيرات التي يمكن أن تخطر ببالنا، يظل الفيلم عملًا يدعو إلى التأمل والتفكير، ويدفعنا إلى معاودة مشاهدته، لا من أجل الفهم وحده، بل من أجل مزيد من الاستمتاع أيضًا
