“جِنين.. جِنين” ذروة المقاومة في مسيرة محمد بكري

لم يقصد الممثل والمخرج الفلسطيني الراحل محمد بكري خلخلة بنية الفيلم الوثائقي، القائمة على الواقعية بالأساس، عندما استعان بشاهد أبكم ليروي آثار الاجتياح الإسرائيلي لمخيم جنين في العام 2002 في فيلمه “جِنين.. جِنين”، على الرغم من الدلالة الرمزية الواضحة للسخرية من الصمت تجاه ما يحدث في فلسطين من تجاوزات لا إنسانية، ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي خلال الانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى) التي أطلق عليها عملية “السور الواقي” حينها؛ فالشاب الأبكم أشار بيديه وحركاته الى مَواطن التدمير والتخريب التي حدثت في بيته وحارته ومخيمه، وهو واحد من 18 شخصية ظهرت في الفيلم، ووثقت الفظائع التي شاهدتها بأم عينها كاميرا محمد بكري.

وقد حصل الفيلم على جائزتين ذهبيتين كأفضل فيلم تسجيلي في “مهرجان قرطاج” و”مهرجان الاسماعيلية”، بالإضافة الى عرضه في عدة مهرجانات عالمية باليونان وفنلندا وآيسلندا وغيرها، قبل أن تصدر دولة الاحتلال حكمين بمنع عرضه، نظراً لإساءته لجنودها الذين بادر خمسة جنود منهم برفع دعوى على محمد بكري بتهمة التشهير، مما ادخله في دوامة من الاستدعاءات والملاحقات القضائية، انتهت بحظره  ومصادرة جميع نسخه وحذف روابطه على الانترنت بقرار من المحكمة المركزية في اللد 2021، بالإضافة الى فرض تعويضات مالية كبيرة على بكري، الذي أصر على أن الفيلم عرض للسردية الفلسطينية الصادقة، في حين أجمع النقاد على أن الفيلم “هز أركان الكنسيت الإسرائيلي” وشكل نقلة حادة في مسيرة بكري النضالية، فأصبح شخصاً مُحارباً في الداخل، على الرغم من مشاركته في أعمال “إسرائيلية”، بأدوار لم تعارض تمسكه بهويته الفلسطينية.

وليس بعيداً عن ذلك، أنتج بكري فيلمه الوثائقي الأحدث في العام 2023 بعنوان “جَنين.. جَنين” (بفتح الجيم) الذي استعرض من خلاله شهادات أخرى، توثق الانتهاكات التي يتعرض لها الفلسطينيون من قبل الاحتلال الإسرائيلي، وهو بذلك استكمل طريقه التي شقها نحو إخراج الأفلام الوثائقية منذ العام 1998 حيث أخرج فيلم “1948” وتناول فيه أحداث النكبة بشهادة والده، بالإضافة الى فيلم “منذ أن رحلت” إنتاج 2005 الذي استحضر فيه تجربة الروائي الراحل إميل حبيبي بوصفه أباً رمزياً ومرآة لتجربة فلسطينيي الداخل، وقد بدأ بكري مشواره في المسرح والتمثيل وجسد أدوار تحت إشراف مخرجين فلسطينيين وعالميين في اكثر من 43 عمل فني خلال مسيرته الحافلة بالعطاء والدفاع عن قضيته.

منح بكري المقابلات الحية النصيب الأهم من العناصر الفنية للفيلم، وقد أدارها باستخدام منظومة مناسبة من أحجام اللقطات التي تنوعت ما بين البعيدة والعامة LS الى المتوسطة المقربة MCS والمقربة جداً ECS عند انفعال الشخصيات في الحديث عما مرت به من فظائع، وقد أجاد استخدام حركات الكاميرا بالتناسب مع الموسيقى والتنوع في الإضاءة للمشاهد الداخلية.

وقد استخدم المخرج بالإضافة الى ذلك بعض اللقطات الأرشيفية التي وثقت عملية الاجتياح بكاميرات الأطباء دون ان يكسر إيقاع الفيلم فنياً وموضوعياً كذلك؛ فقد تحدث الشهود عن وقائع ساهمت في كشف الوجه الحقيقي للاحتلال الفاشي إذ جرى الحديث عن عمليات إعدام ميداني وتعذيب وإهانة وتعرية للمدنيين بالإضافة الى إجبارهم على تدمير بيوتهم واتخاذهم دروع بشرية، غير أن نبرة التحدي وفلسفة المقاومة والصمود في البقاء والدفاع عن الأرض، كانت واضحة في الختام، لا سيما على لسان الأطفال الذين بدوا أكبر من أعمارهم، لعمق صبرهم وتفهمهم لضرورة دحر الاحتلال عن طريق التمسك بالأرض.

اعتمد بكري على الطريقة التفاعلية في طرح المعالجة الفنية للفيلم، التي تقوم على تفاعل صانع الفيلم مع الموضوع، وقد سمعنا صوته وهو ينخرط في حوارات مع الشهود لا سيما الأطفال، فكان سؤاله لطفلة توعدت بهزيمة شارون (رئيس الوزراء الإسرائيلي حينها): “انتي بتقدريلوا لشارون؟ مهو أكبر منك؟” لتجيب الطفلة “أنا أكبر منه بإرادتي”، كما رأيناه يتجول في أروقة المستشفى الحكومي المحاذي للمخيم وبعض البيوت المدمرة بلقطة خلفية تتبع مشيته.

أما شكل السيناريو الوثائقي الذي اتبعه في الفيلم، بدا أنه ما بين التقليدي القائم على تقسيم محاور الموضوع الى بداية، وسط ونهاية، بالإضافة الى الشكل المقلوب؛ أي أنه بدأ بنقطة تأزم وهي دمار المخيم، ثم عاد لتقصي مقدماتها وأسبابها ونتائجها، غير غافل عن الشكل الزمني والمكاني؛ وذلك بتوجيه مسار السيناريو حسب التسلسل التاريخي للأحداث التي جرى تصويرها خلال خمسة أيام، وضمن الوقت الحقيقي الذي تستغرقه مجريات الفيلم في ساحة مكانية واحدة هي المخيم وحاراته المدمرة.

بذلك نستطيع القول بأن بكري حافظ على بنائية الفيلم الوثائقي في “جنين.. جنين” القائمة على عرض الوقائع دون تحوير، باستخدام عناصر فنية مؤثرة كالحوار والموسيقى والإضاءة، دون أن يقع في مطب المبالغة والتهويل خارج إطار الحدث نفسه، وقد سبق له أن أوضح في مقابلة الفرق بين المقاطع المنشورة على السوشال ميديا وبين التحقيق الصحفي والفيلم الوثائقي الذي يمتاز عنهما بجوانبه الفنية، ويتقاطع في زاوية ما مع الفيلم الروائي، فيصل الى أعماق الناس ويترك اثراً بداخلهم دون أن يصدمهم نفسياً أو يؤذي أرواحهم، فيبدوا مستساغا أكثر من المواد الإعلامية التي تضخم أثر الأحداث لدى الجمهور.

ولعل أصل استخدام مصطلح السينما التسجيلية/ الوثائقية الذي أتى به جون جريرسون رائد هذا الفن في العالم، قائم على هذه المفارقة، على الرغم من اختلاف طبيعة الأحداث المفضية الى توضيح المفهوم، فقد صورت كاميرا بكري حياة الناس اليومية في بلد محتل كفلسطين، في حين صورت كاميرا روبرت فلاهرتي 1926 حياة الناس في المناطق النائية بالقسم الجنوبي من العالم، فقدمت دراسة كاملة عن الاسكيمو، واعتبرت بذلك بداية لتجسيد مفهوم الفيلم الوثائقي عالمياً.

ويبقى القول بأن إخراج فيلم “جِنين.. جِنين” بهذا الشكل الفني المحترف، لا يجعل من محمد بكري مخرجاً مميزاً فقط، إنما يتوجه شاهداً إنسانياً شجاعاً على قضية عادلة لا تموت.

Visited 5 times, 1 visit(s) today