تشجيع الأفلام وتشجيع منتخبات كرة القدم: الولاء للفيلم الجيد أولا!
أمير العمري
ألاحظ منذ فترة طويلة، وأتعجب كثيرا، من ذلك الاتجاه الواضح عند “كثير” من نقاد السينما العرب نحو المبالغة الشديدة في تلقي الفيلم “الوطني” أي الفيلم المحلي الذي ينتج في بلد الناقد، فكل فيلم يصدر يعتبر عند الناقد، عملا جديرا بالاحتفال والثناء والتقدير، وإن لم يكن، فعلى الأقل، بالطبطبة والتماس الأعذار واللجوء إلى الفكرة العتيقة الساذجة، أي “النسبية” ليس بمفهوم أينشتاين طيعا، بل على طريقة “فيلم جيد بالنسبة إلى الأفلام الموجودة على الساحة.. فيلم لا بأس به إذا نظرنا إلى التدني الموجود” أي أن الناقد هنا يقيس، لا على حركة السينما في العالم وتطورها، بما في ذلك العالم الثالث والرابع، بل على حالة التدني الموجودة في صناعة السينما في بلده.
والحقيقة أن هذا النهج الذي يسعى لالتماس الأعذار لأي عمل بدعوى أنه أفضل من السائد، أو حتى أفضل من لا شيء، هو الذي يتدنى بالنقد ويهبط بوظيفته. فالمطلوب من الناقد، ليس البحث عن أي مبرر للتمجيد والتحية والتطبيل، بل التعامل بجدية مع الفيلم الوطني كما يتعامل مع أي فيلم من أي بلد من بلاد العالم.
وسواء كان الفيلم قادما من مصر أو لبنان أو المغرب أو فلسطين، يجب في تصوري الشخصي، التعامل معه على قدم المساواة، فالفيلم تعبير عن رؤية كاتبه ومخرجه أساسا، وليس عملا “وطنيا” يمثل الدولة، والحكومة، والنظام، والسلطة، وصورة البلد. ومشاركة الفيلم في مهرجان سينمائي دولي، يكون عادة ممثلا لصاحبه، أي مخرجه، الذي يحمل بالضرورة علم بلده، لكن ليس من الصواب اعتبار الفيلم ممثلا للدولة، أي دولة. وكثير من المهرجانات الكبيرة تنسب الأفلام إلى مخرجيها لا إلى الدول التي جاءت منها.
ولاشك أن “تشجيع” الأفلام هو غير نقد الأفلام. ولكن الكثيرين يخلطون بين وظيفة الناقد، وبين مشجعي كرة القدم، الذين يشجعون منتخب بلدهم. فمهرجانات السنيما غير مباريات كرة القدم، التي تمثل فيها المنتخبات بلادها، وترفع أعلامها ويعزف نشيدها الوطني أو أناشيدها الوطنية، وهو ما لا يحدث بالطبع في أي مهرجان سينمائي دولي.. ووجود أعلام الدول في أي مهرجان لا يعني سوى أن المهرجان يعرض أفلاما من تلك الدول، لكنها ليست بالضرورة الممثلة الشرعية الرسمية لها، وكثير من الأفلام شاركت في مهرجانات دولية من خارج “المؤسسة الرسمية”، ومن خارج الدولة أيضا.
ربما يقال إن التعامل مع أي فيلم من بلد الناقد يجب أن يأخذ في الاعتبار حالة السينما والإنتاج السينمائي في ذلك البلد، أي يقدر الظروف الصعبة التي يعيشها المخرج وهو “يكافح” من أجل إنجاز فيلمه. ولكن الفيلم أولا وأخيرا، هو صوت وصورة، فإن ذهب مخرج ما بفيلم صوره غير واضحة، أي أن تصويره رديء، وشريط الصوت غير واضح، فلا يحق له مطالبة النقاد بالتماس الأعذار. ولو كان “فيلمنا” عملا حيجا يرفع الرأس، لكان بالطبع أمرا يقتضي التعامل معه بكل تأييد وولاء وحب، وأساسا، بالجدية التي يستحقها، كعمل فني جيد ومتماسك لا يقل ‘ن مستوى ما يأتي من بلدان العالم اليوم.
والمشكلة أن الكثير من كتابات الجيل الجديد من النقاد الصحفيين، تكتفي عادة بـ”التشجيع” و”التأييد” والمباركة، كذلك تفعل معظم برامج التليفزيون التي تقيم الأفراح والليالي الملاح لظهور فيلم مصري جديد خصوصا لو كان من أفلام “النجوم”، بدلا من التقويم والنقد، أو على الأقل، الوقوف على مسافة واحدة من جميع الأفلام.
كان رأيي دائما أن انحياز الناقد يجب أن يكون أولا وأخيرا، للفيلم الجيد، سواء كان من مصر أو من خارج مصر. وبهذا يرتقي الوعي السينمائي، أما المبالغة في مديح المتوسط والضعيف لكونه “محسوبا” علينا، فلا تؤدي سوى إلى مزيد من الهبوط!
