تجربتي الشاقة مع ثلاثية “ما بعد الحدث” في السودان


لا يبدأ التفكير في السينما عادةً بمشروع “ثلاثية”، ولكن ما يدفعك لتبني هذا الاتجاه هو فهمك لمشروعك الشخصي؛ كيف تنظر للأشياء سينمائياً؟ وبأي زاوية تتأملها؟

الواقع السوداني المعاصر، بتحولاته المتسارعة خلال الستين عاماً الأخيرة، يفرض عليك التفكير في مفهوم “ما بعد الحدث” أو “ما بعد الصدمة”. ومن عاش في مناطق مضطربة، أو يدرك جيداً كيف يتشكل العنف ويبدأ، يعلم تماماً أن التفكير في “ثلاثية سينمائية” ضمن سياق كهذا، يصبح شكلاً من أشكال تفكيك الواقع المعاش داخل الوطن؛ هذا الواقع الذي لا يمكن تجاهله في الفنون عموماً، وفي السينما على وجه الخصوص.

بدأت فكرة ثلاثية “ما بعد الحدث” من خبرات حياتية شخصية، ومن قناعة سينمائية تتسق مع رؤيتي، وهي: “ضرورة أن تكون التجربة الذاتية في قلب العمل السينمائي”. فالانفصال عن التجربة – أي تصوير ما لم تعشه أو ما لا تعرفه – يحولك إلى مجرد صانع أحداث داخل وسيط “مصوّر” يعتمد على النقل الفني فقط.

لكن، حين تنطلق من تجربة ذاتية وتعمل على تحويلها إلى لغة سينمائية، فأنت هنا لا تنقل ما مررت به فحسب، بل “تطبع” داخل الصورة السينمائية تلك المشاعر التي اختبرتها أو التي تحاول معالجتها فنياً. عندها، لا تعود مجرد “ناقل”، بل تصبح جزءاً أصيلاً مما يُسرد على الشاشة. السينما التي تولد من هذا الانصهار هي سينما ذاتية بطابع شخصي بحت، وهذا هو جوهر ما نطلق عليه “سينما المؤلف.

في إحدى المرات، وقعت حادثة في إحدى قرى شرق السودان؛ تلك القرى المنسية التي ما تزال تعيش في القرن الخامس عشر، تفتقر لأبسط مقومات الحياة، ومع ذلك، يتعايش سكانها مع قسوة واقعهم دون اعتراض. لكن الحرب لم تتخطَّهم، تلك الحروب التي اندلعت في تلك المناطق منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وخلفت وراءها آثاراً ما زال السكان يتجرعون مرارتها، وأخطر تلك الآثار هي “الألغام” المزروعة في أحشاء الأرض.

تلك الألغام تترصد أرواح الأبرياء وهم في طريقهم لجلب الماء، أو أطفال يقطعون كيلومترات طويلة سعياً نحو مدارسهم البعيدة. في إحدى تلك المرات، كان هناك طفل صغير يحلم بتغيير واقع أسرته عبر التعليم؛ كان يمضي حاملاً حقيبته المصنوعة من الأكياس البلاستيكية على ظهره الصغير، متوجهاً إلى مدرسته البعيدة عن قريته. وأثناء ركضه العاجل ليلحق بـ “طابور الصباح”، ارتطمت قدماه بأحد الألغام التي زرعها شخص لم يفكر قط في مستقبل هذا الطفل، ولم يلقِ بالاً لوجوده.

قُتل الطفل الذي كان يحلم بغدٍ أفضل بسبب ذلك اللغم. لكن الصادم ليس الحادثة نفسها، بل ما تلاها؛ إذ لم يكن الحديث عن “مَن زرع اللغم؟” أو “مَن المسؤول عن إزهاق هذه الروح البريئة؟”، بل تمحور النقاش حول: “كيف يخرج طفل في وقت مبكر كهذا؟ لو انتظر قليلاً لتمكن من رؤية اللغم وتجنبه!”. لم يُناقش أي شيء سوى لوم الضحية، ذلك الطفل الذي كان يحاول كسر قيود مصير عائلته.

هذا هو تحديداً ما أبحث عنه في ثلاثيتي السينمائية “ما بعد الحدث”؛ تفكيك هذا الوعي المشوه، وكيف أصبح المواطن يفكر بعقلية السلطة، يلوم الضحية ولا يلوم الجاني. لماذا نناقش توقيت خروج الطفل، ولا نناقش لماذا لا توجد مدرسة في قريته أصلاً؟ ولماذا يضطر لقطع كل تلك المسافات؟

هذا هو جوهر الثلاثية: ما الذي يشغل تفكيرنا في مرحلة “ما بعد الصدمة”؟ وكيف نعيد قراءة الواقع من خلال تلك التفاصيل المنسية؟

كل هذه الأحداث التي مررتُ بها أو عايشتُها، تشكّل بصورة ما فهمي لكيفية عمل السينما، أو على الأقل، كيف أفكر من خلال هذا الوسيط الذي يتسع لكل الأفكار والمشاعر التي أحاول مشاركتها. السينما في جوهرها هي “فعل سياسي”، وإن لم تكن كذلك، فلا يمكن أن تكون ترفيهاً أبداً. وهذا، على الأقل، هو ما يعنيني؛ فالسينما لا يجب أن تكون مجرد وسيلة لإضحاك الناس مقابل المال. أنا لستُ مهرجاً خاصاً بك أيها المشاهد الذي يبحث عن التسلية؛ إن لم تكن السينما فعلاً سياسياً جاداً، فستتحول إلى بوق للسلطة، وهو ما يحدث غالباً حين نكتفي “بتحسس” السينما بدلاً من ممارسة فعل سينمائي خالص.

منذ سنوات، كنت أعمل على تقرير مصوّر لتوثيق حادثة وقعت في شرق السودان أثناء الثورة. في ذلك اليوم، ارتكبت جريمة مروعة راح ضحيتها سبعة من الشباب الذين كانوا يحلمون بغدٍ مشرق يشبه التغيير الذي نشدوه. قُتلوا برصاص أقوى قوتين في السودان: الجيش والدعم السريع، قبل أن يكشف الأخير عن طموحه الوحشي بالاستيلاء على كل شيء.

تلك الحادثة موثقة بالصورة وما تزال موجودة حتى الآن، ولكن.. ما الذي حدث بعد “الحدث”؟ لا شيء. لا شيء يحدث أبداً بعد هذه الفظائع؛ بل تمادَى الجاني في توحشه ضد المجني عليهم، وأصبح ينكر فعله في وجه الحقيقة، رغم أن الصورة لا تكذب أبداً بشأن ما حدث.

إن السينما لا تنقل الحدث كما وقع في لحظته، وهي ليست معنية بمجرد توثيق الأثر الذي خلفه؛ بل هي “حفر” في جوهر ما حدث فعلياً، وتفكيكه إلى مراحل. هذا التفكيك هو ما يجعل السينما فناً متفرداً عن باقي الفنون؛ فالحكاية ليست جوهر الفعل السينمائي في حد ذاته، بل ما يكمن في أحشاء الحكاية و”كيفية” سردها هو أصلها الثابت وجوهرها الأصيل.

حين نشاهد فيلماً، نحن لا نهتم بحفظ الأحداث أو تتبعها بشكل تراتبي، بل ما يتبقى في ذاكرتنا بعد المشاهدة هو ما أحدث أثراً في وجداننا. السينما لا تنقل الواقع أبداً، ولا يمكنها أن تتعامل مع الحدث بعقلية الصحافة؛ هي فقط تنفذ إلى أعماق الفعل لتستخرج منه فعلاً مغايراً، ليس مجرد تأويل، بل خطاباً سياسياً مكتملاً حول ما حدث.

Visited 11 times, 11 visit(s) today