“السادة الأفاضل”.. ساتيريكون مصري لمجتمع الفساد
أمير العمري
من الطبيعي أن يستفز فيلم “السادة الأفاضل” (2025) للمخرج كريم الشناوي، ردود فعل عنيفة، ورافضة، ومحتجة، فالفيلم لا يقدم “الكوميديا” المصرية المعتادة التي ينتظرها المتفرج الكسول من مجموعة ممثلين عرفوا بأدوارهم الكوميدية أمثال محمد ممدوح وبيومي فؤاد ومحمد شاهين وعلي صبحي، وغيرهم، أي كوميديا التهريج والمبالغات والتعليقات اللفظية والمفارقات المصطنعة المقولبة.
غير أن هذا لن يكون السبب الوحيد للصدمة والاحتجاج والاتهامات، بل يعود السبب أساساً، إلى اختيار مؤلفي الفيلم الثلاثة، أي كتاب السيناريو مصطفى صقر، ومحمد عز الدين، وعبد الرحمن جاويش- التعبير الساخر من خلال أسلوب الكوميديا السوداء، عن رؤيتهم للواقع المصري في 2025. ولا شك أن الكتاب الثلاثة نجحوا بشكل مبهر في تطوير وصياغة الفكرة الرئيسية وتحويلها من مجرد “مأزق” يولد الفكاهة، إلى بانوراما عريضة وتشريحا للتدهور ولمجتمع الفساد: ليس فساد الأمكنة الذي كان يحدثنا عنه صبري موسى، بل فساد البشر. كيف حدث هذا الفساد؟ الفيلم كعمل فني ليس من مهمته بالطبع أن يشرح ويفسر ويقدم الإجابات، بل يكفيه أن يطرح التساؤلات المضنية وهو ما يفعله بنجاح ومن دون أن يفقد العنصر الأساسي في أي عمل فني، أي تحقيق المتعة، متعة المشاهدة.
يتضح أسلوب الكوميديا السوداء في بناء الشخصيات، ودفع الأحداث، وتربيطها معا، وحبسها في مكان واحد، مع الاستفادة الكاملة بشكل مدهش، من جميع تفاصيل وتضاريس المكان: غرف المنزل، السطوح، الفضاء الداخلي الخلفي، الفضاء الأمامي، ثم نجاح المخرج كريم الشناوي الكبير في دفع الحركة والسيطرة على الإيقاع في المشاهد الخارجية المتحركة، التي تشي بأننا أمام مخرج سيكون له شأن كبير في المستقبل، شريطة التمسك بالأفكار ذات الطموح التي تتيح له التعبير باستخدام إمكانيات السينما الحديثة كما فعل بنجاح في فيلمه الروائي الطويل السابق البديع “ضي، سيرة أهل الضي” وفي فيلمه هذا.
وإذا كان الفيلم في معظمه يدور في “الداخل” إلا أن المونتير البارع “باهر رشيد” ينجح بشكل يثير الإعجاب في دفع الإيقاع داخل المشاهد المختلفة والسيطرة على الإيقاع العام بحيث لا يفقد أبدا قوة الدفع، مع كثرة الانتقالات، كذلك يستخدم المخرج مع مدير تصويره مصطفى أشرف الذي يقدم واحدا من أفضل الأفلام المصرية في مجال “الصورة” ونقاء الصورة، تكوينات تركز على اللقطات القريبة “الكلوز أب”، التي تبرز أداء الممثل بالنظرات والانفعالات التي ترتسم على الوجه. ومع تطور الأحداث ينتقل الفيلم بين الداخل والخارج، كما لو كانت الأحداث المتقاطعة تدور في دائرة، تجعل المتفرج يترقب وينتظر ما سيحدث تاليا، من دون أن تفقده القدرة على المتابعة، والاستمتاع.

في “السادة الأفاضل” نحن أمام شخصيات تضع كلها أقنعة الكذب فوق وجوهها، خصوصا وأن الفيلم يبدأ بلحظة “الموت”، موت كبير العائلة “جلال أبو الفضل” (بيومي فؤاد)، الذي يترك ابنه الأكبر “طارق ” (محمد ممدوح)، وزوجته “سميرة” (انتصار)، وابنته “ناهد” (دنيا ماهر). لكن سرعان ما سيلحق بهم أيضا الإبن الثاني الدكتور “حجازي” (محمد شاهين). الجميع في مرحلة الحزن والحداد والبكاء والنحيب والتذكر والترحم.. لكننا سرعان ما سنتكشف أن الأمر كله لا يخرج عن سياق “مسرحية” يشترك فيها الجميع باستثناء الابن الأصغر الذي كان دائما بعيدا عن الأحداث وعن العائلة، ينشد الصعود الشخصي والانتماء الطبقي الأرقى، وقد لحقت به خطيبته البورجوازية “لميس” (هنادي مهنا) تريد أن تتعرف على “العائلة الكريمة” التي ستجدها بالطبع أقل وأدنى.
الحاج جلال أبو الفضل، عائل الأسرة الذي يمثل دور الرجل الذي رحل للتو والذي مازال جثمانه يرقد فوق فراشه في غرفة النوم، يمتلك مطعما يطلق عليه الحواوشي” نسبة إلى الرغيف الذي صنع عادة من بقايا اللحوم والدهون، لكن هل كان فعلا يعتمد على هذا المطعم الهزيل في الإنفاق على عائلته، وعلى طموحات ابنه “حجازي” الذي تعلم الى أن أصبح طبيبا في القاهرة، وفي الوقت نفسه ادخار مبلغ كبير يكفل له ولعائلته “الأمان”؟
لكن بعد مرور الثلث الأول من الفيلم ومع تقاطر المعزين من أمثال “نورا” (ناهد السباعي) خطيبة طارق، و”مديحة” (حنان سليمان)، وطبعا شقيقا المتوفي “الحاج خيري” (أشرف عبد الباقي)، و”ممدوح” (إسماعيل فرغلي) وهم لا يعرفون أن الميت مازال حيا (!) سيتضح أن الحاج أبو الفضل ليس ميتاً، بل يقوم بدور متفق عليه مع ابنه الأكبر وزوجته وابنته، لكي يتخلص من الديون الكثيرة التي تثقله، ويهرب بما ادخره من مال وفير تجارة الآثار. إذن فأول ما يكشف لنا عنه الفيلم أن الرجل الذي كان يُنظر إليه باعتباره قدوة كان مدمنا للمخدرات ولص آثار وأنه يدفن كميات كبيرة من المال في مطعمه، كما ستكتشف زوجته أنه تزوج عليها من سنوات بل وأنجب ولدا أيضا من زوجته الثانية التي جاءت الآن تطالب بنصيبها في الميراث!

فكرة الهرب من الواقع واضحة في الفيلم، فمعظم الشخصيات تريد أن تهرب وتغادر واقعها: أبو الفضل يريد أن يهرب بالمال مع زوجته غالبا أو من دونها، ليس مهما، وشخصيات أخرى في الفيلم تحلم أيضا بالفرار من الواقع بعد الاستيلاء على ما ليس لها من مال.
إلى جانب فكرة الهروب من الواقع، تشيع في الفيلم فكرة الموت، والموت العبثي الذي لا معنى له والذي قد يأتي مصادفة في لحظة عابرة. فالموت حاضر بقوة من البداية، ولكن من دون أن يصبغ الفيلم بالكآبة بل على العكس، يصبح مادة للسخرية السوداء حتى مشاهد العويل والبكاء على الميت، بما يشيع فيها من مبالغات مقصودة في الأداء لتصنع صورا كاريكاتورية، والأهم أن الفيلم نفسه يضرب عرض الحائط بفكرة “قدسية الموت”، ولكن من دون التعريض بالموتى أو الاستهانة بالموت نفسه، فهو يجعل الموت قريبا أقرب مما نتصور، وهو يصور لنا أيضا كيف أدى فساد الواقع إلى ذلك الاستهتار بقيمة الموت وجعله يمكن أن يصبح مجرد “مسرحية”، تماما كما أن فضح مظاهر الورع والتقوى والتدين الزائفة، لا يُقصد منها ازدراء الدين، بل الإشارة إلى أنها قد أصبحت مجرد وسيلة للوجاهة الاجتماعية وفقدت مغزاها الروحي الأصيل.
كان من بين قواعد الرقابة في مصر حظر تناول الموت في سياق كوميدي أو ساخر، وهو ما تجاوزه أسامة فوزي في فيلمه “جنة الشياطين” (1999)، أما “السادة الأفاضل” فهو يجعل الموت يُستخدم للخداع والتضليل، ويصبح مسرحية هزلية، بطلها الميت المفترض، ينهض ويدخن سيجارة، وعندما يهم أحد بالاقتراب من غرفته يعود إلى تمثيل دوره، بل إن شقيقه يقوم أيضا بأخذ بصمات إصبعه وهو جثة. ولعل هذا التصوير الساخر للموت “المزيف” يعيد إلى الأذهان أيضا فيلم صلاح أبو سيف الممتع “نمرة 6” (27 دقيقة)- 1942، الذي ظل ممنوعا من العرض لمدة خمسين عاما.

في “السادة الأفاضل”، كثير من الشخصيات تلقى مصرعها بالموت بطرق مختلفة وكأنها تنال جزاءها من حيث لا تُحتسب، فهناك الموت بالغرق، والموت حرقا، والموت في حادث اصطدام، والموت بالخنق والضرب. ولكن رغم ما في هذه المشاهد من عنف فإنه عنف كرتوني، أي غير واقعي، وهو أسلوب مقصود يتسق مع الطابع العام الساحر للفيلم الذي يتجاوز الواقع ويدخل في عداد العبث واللامعقول، فانت ليس من الممكن أن تقتنع مثلا بأن ظهور الرجل الذي يتنكر في ثوب امرأة منتقبة، أمام مساعده البدين في المطعم، الذي يتعرف عليه مباشرة عندما يكشف وجهه، ومع ذلك سيصدقه عندما يقول له إنه مجرد روح للمرحوم، ولكن الفكاهة التي قد تأتي من هذا المشهد العبثي، تصلنا عندما يوافق الرجل على أنه أمام روح سيده فقط بعد حصوله على رزمة من المال، أي أن المال يمكن أن يجعل المرء يتستر على ما يخالف المنطق والعقل!
إننا أمام “ساتيريكون” مصري ساخر، لا من الشخصيات المختلفة التي يعرضها ونراها تبيع نفسها على نحو أو آخر، وأولها الفتاة العرجاء “دينا” (دينا يحيى) التي تسير بصعوبة بعكازين، تبيع جسدها لكل من يدفع، سواء للصيدلي الذي يشبه أي زعيم عصابة إجرامية، أو فيما بعد، لحارس الأمن، لكن السخرية هنا هي من الواقع نفسه، الذي صنع تلك الشخصيات وجعل هاجسها الوحيد هو البحث عن النجاة بأي ثمن: الشقيق الذي لا يتورع عن “تبصيم” شقيقه المتوفي لكي يستولي على كل تركته، والزوجة تستولي على حقيبة المال التي يمكن أن تنقذ حياة ابنها الأكبر من مصير ينتظره على يد زعيم عصابة يدعى “سمير أطاليا” (أحمد السعدني) يطالب ورثة المرحوم الآن بخمسة ملايين جنيه استثمرها في مومياء نادرة كان سيأتي له بها الراحل، والشقيق الثاني لجلال أبو الفضل، أي ممدوح (إسماعيل فرغلي) يستولي على حصيلة سرقه الشباب الثلاثة العاطلين لمكتب البريد، ثم يغادر رغم أن جنازة شقيقه لم تتم بعد!
هناك مستويان في الفيلم: المستوى الأول هو مستوى نقد هوس السعي المحموم إلى “الخلاص” بالسرقة والنهب والغش والتجارة الممنوعة والدعارة، وكيف لا يجد الشباب الضائع وسيلة سوى التخطيط لسرقة مكتب بريد مجاور لمنزل العائلة، والهدف عند الشاب الذي يتزعم ذلك الثلاثي، “جوهري” (طه دسوقي) هو دفع ثمن الفرار إلى أوروبا بحثا عن خلاص في المهجر. وفي سياق هذا النقد يلمس الفيلم ولو على نحو مخفف، موضوع التفاوت الطبقي، والصعود الاجتماعي الذي يتم عادة على حساب الكثير من القيم والمباديء كما في حالة الابن الثاني الطبيب.

أما المستوى الثاني فهو يتجاوز “الواقع” دون أن يتجاوز نقد الواقع، وهو مستوى “الساتير” Satire أي الشكل الذي يستخدم الفكاهة والمفارقات والمبالغات والتهكم لكشف حماقات الأفراد وفساد مؤسسات المجتمع، التي فشلت في تحقيق أي نوع من “التوازن” أو حتى مجرد مكافحة الجريمة بل تركت الجميع يشتبكون مع بعضهم البعض وكأننا أمام غابة يأكل فيها القوي الضعيف ويهدده في وجوده. وليس من باب الصدفة أن نلحظ هنا ذلك الغياب التام لوجود رموز “السلطة” في الفيلم. هذه السخرية التي تنبع من المواقف المبالغ فيها كثيرا، التي لا تنتمي للواقعية، بل تتجاوزها رغم أنها تنبع من جوفها، ليست مجرد “وسيلة” للتسلية وللإضحاك، ولا لإدانة الأفراد، بل للنقد، للتشريح القاسي، لكشف عورات المجتمع، و”المؤسسة” التي أنتجت هذه النماذج البائسة التي تبحث عن مخرج وعن خلاص.
وتبدو وجوه بعض الشخصيات لممثلين يقومون بأدوار مساعدة ولكن حاضرة بقوة في الفيلم مثل “محمد جمال قليظ” في دور المبروك حارس المطعم، ومعتز التوني الصيدلي د. زكريا، وحتى أحمد السعدني نفسه، وجوهها “جروتسكية” Grotesque غريبة ومشوهة على نحو عبثي يجعلها شخصيات غريبة عن الواقع، لكنها في الوقت نفسه، جزء منه. ولا شك أن “المبالغة” في تشويه هذه النماذج مقصودة لتقريبنا من “الصورة الساتيرية”.
ما يُحسب كثيرا للفيلم، ذلك الانسجام الهارموني البديع الذي يشعر به المشاهد بين جميع أفراد طاقم الممثلين، وهو طاقم كبير بدرجة مذهلة، مع قدرة متميزة من جانب المخرج الشاب كريم الشناوي، على السيطرة على الأداء والحركة والانتقال بين الأماكن، والتقاط التفاصيل الصغيرة، من أول الجدارية الساخرة المرسومة على سقف حجرة النوم، إلى استخدام الموقع الخارجي للأحداث بحيث يقربه ويبعده في آن واحد، فالأحداث تدور في قرية، واللهجة الريفية تغلب على الشخصيات الأصلية التي تقيم فيها، ولكننا عندما نخرج خارج المنزل، نشعر بأن القرية أصبحت عالما ممتدا لا صلة له بالواقع، فالمطعم الذي يحرقه أفراد عصابة سمير أطاليا، ويحترق فيه تل المال المدفون، لا يبدو مطعما بل أقرب إلى مقبرة، والمقبرة الفرعونية التي ترقد تحت سطح المطعم، هي صورة متخيلة، والحقل بما فيه من نصب تذكاري غريب تعلق عليه في النهاية “المومياء” الفرعونية المسروقة، لا صلة عضوية له بالمكان.
أداء فريق الممثلين جميعهم أداء بديع، فهناك شعور واضح بأنهم كانوا يستمتعون بالعمل معا في الفيلم، وهو ما ينعكس على ذلك التجانس الواضح في الأداء، والتماهي مع الأدوار بشكل يثير الإعجاب، مع تفوق وجدية وتميز جميع أعضاء فريق التمثيل من “الكبار”: بيومي فؤاد ومحمد ممدوح وانتصار ومحمد شاهين وأشرف عبد الباقي وغيرهم، ولكن لعل ما يلفت النظر كثيرا هنا بوجه خاص هو أداء الممثلين الشباب الأربعة: طه دسوقي الذي قام بدور زعيم عصابة اللصوص الثلاثة الهواة، ورفيقيه علي صبحي، وميشيل ميلاد، إلى جانب “دينا” (دينا يحيى) ذات الحضور الطاغي في المشاهد الأولى وهي موهبة ستصعد بقوة. هؤلاء يصنعون الكثير من المواقف التي ليس من الممكن اعتبارها “هامشية” بل هي في قلب الفيلم، فهذا هو جيل “الشباب” أي المستقبل، وإلى أين قاده الحصار والتهميش والخنق والاستبعاد.
“السادة الأفاضل” عمل كبير طموح ينقل مخرجه نقلة كبيرة إلى سينما الرؤية والتعبير الحر عن العالم، بعيدا عن الرسالة المباشرة الساذجة التي تفسد الكثير من الأفلام.
