من الأكشن إلى صناعة العدو: الرسائل السياسية والأيديولوجية في فيلم «دهوراندار»
د. ماهر عبد المحسن
ثمة أفلام تبدو، للوهلة الأولى، مجرد أعمال ترفيهية تستمد جاذبيتها من المطاردات والمعارك والاغتيالات والمؤامرات الاستخباراتية، لكنها تحمل في بنيتها العميقة خطابًا سياسيًا يتجاوز حدود الحكاية السينمائية. وفي هذه الحالة لا يعود السؤال مقتصرًا على مدى نجاح الفيلم في التشويق أو إحكام الحبكة أو بناء الشخصيات، بل يمتد إلى طبيعة العالم الذي يصنعه، والصورة التي يقدمها عن الآخر، والوعي السياسي الذي يسعى إلى تشكيله لدى المشاهد.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة الفيلم الهندي «دهوراندار» (Dhurandhar) بجزأيه بوصفه عملًا يتقاطع فيه السينمائي بالاستخباراتي، والترفيهي بالدعائي، والخيالي بالوقائع السياسية. فالفيلم لا يكتفي بتقديم عالم الجريمة المنظمة والإرهاب العابر للحدود باعتباره خلفية لأحداثه، وإنما يضع هذه العناصر داخل تصور أوسع للصراع الهندي الباكستاني، بحيث تصبح الحكاية نفسها وسيلة لإعادة إنتاج سردية وطنية وأمنية عن طبيعة التهديد الذي تمثله باكستان بالنسبة إلى الهند.
لكن أهمية هذه القراءة لا تكمن في افتراض أن كل فيلم يتناول الإرهاب أو الصراع مع جماعات إسلامية هو بالضرورة فيلم معادٍ للإسلام؛ فهذا استنتاج متعجل لا يساعد على النقد. إن المسألة الأكثر دقة هي البحث في الكيفية التي ينتقل بها الفيلم من تمثيل جماعات مسلحة محددة إلى بناء صورة ثقافية وسياسية أوسع، يصبح فيها الإسلام، أو بعض مظاهره ورموزه وخطاباته، جزءًا من المشهد الدلالي الذي يحيط بالإرهاب. وهنا تحديدًا تتكشف المسافة بين نقد التطرف بوصفه ظاهرة سياسية وعنيفة، وبين توظيف الدين في صناعة صورة نمطية عن الخصم.
حين تتحول الحكاية الاستخباراتية إلى سردية وطنية
تبدأ الإشكالية الأساسية في «دهوراندار» من طبيعة العلاقة التي يقيمها بين الواقع والخيال. فالفيلم يستند إلى أحداث تاريخية حقيقية، مثل اختطاف الطائرة الهندية IC-814 عام 1999، والهجوم على البرلمان الهندي عام 2001، وهجمات مومباي عام 2008، لكنه لا يقدم هذه الأحداث في سياقها التاريخي والسياسي المركب، وإنما يعيد توظيفها داخل حبكة تجسسية تتمحور حول اختراق الهند للشبكات الإجرامية والاستخباراتية في باكستان. وبذلك يصبح التاريخ مادة درامية قابلة لإعادة التشكيل بما يخدم وجهة نظر محددة.

في الجزء الأول، يتخذ هذا التشكيل صورة اختراق استخباراتي للمجتمع الإجرامي في منطقة لياري بكراتشي، حيث يتسلل العميل الهندي المتخفي حمزة علي مزارى إلى عالم العصابات، ويصعد تدريجيًا داخل شبكة من العلاقات التي تتداخل فيها الجريمة المنظمة والسياسة وأجهزة الأمن والجماعات المسلحة. وتبدو هذه العناصر، في ظاهرها، مكونات لحبكة تشويق تقليدية، لكنها تؤدي وظيفة أيديولوجية تتجاوز مهمتها الدرامية: إنها ترسم خريطة للتهديد، تجعل من باكستان فضاءً تتجمع فيه مختلف أشكال العنف الموجه ضد الهند.
واللافت أن الفيلم لا يكتفي بتصوير شخصيات إجرامية أو جماعات متطرفة بعينها، بل يقدم بيئة اجتماعية وسياسية تكاد تخلو من المناطق الرمادية. فالعالم الباكستاني الذي نراه مشبع بالعنف والفساد والخيانة والتآمر، بينما يحتفظ البطل الهندي، رغم اضطراره إلى ممارسة العنف، بمشروعية أخلاقية مصدرها انتماؤه الوطني ومهمته الاستخباراتية.
وهنا تظهر إحدى آليات الخطاب الأيديولوجي في الفيلم: اختلال توزيع الشرعية الأخلاقية بين الطرفين. فالعنف الذي يمارسه الخصم يبدو تعبيرًا عن طبيعته الإجرامية والإرهابية، أما العنف الذي يمارسه البطل فيُقدَّم باعتباره ضرورة وطنية، أو تضحية من أجل حماية المجتمع. وبذلك لا يكون الاختلاف بين العنفين اختلافًا في الوسيلة، بل في المعنى الذي تمنحه لهما الحكاية.
هذه المعادلة تطرح سؤالًا أخلاقيًا مهمًا: هل يكفي أن يكون العنف صادرًا عن جهاز استخباراتي وطني لكي يكتسب مشروعيته تلقائيًا؟ أم أن الفيلم يعفينا من مساءلة الوسائل بمجرد أن يضعها في خدمة الغاية الوطنية؟
وتتضح هذه النزعة بصورة أكبر في الجزء الثاني، «Dhurandhar: The Revenge»، الذي ينقل الحكاية من مرحلة التسلل والتغلغل إلى مرحلة الانتقام والمواجهة المباشرة، ويمنح الشخصية الرئيسية أبعادًا تتجاوز المهمة الاستخباراتية لتجعل منها تجسيدًا لإرادة الدولة الهندية وقدرتها على الرد. فالمأساة الشخصية التي عاشها جَسْكيرَت رانجي، وما ارتبط بها من فقدان وعنف، تتحول إلى مدخل عاطفي لتبرير حرب أوسع باسم الوطن.
وهنا تحدث عملية انتقال سردي بالغة الأهمية: من الانتقام الشخصي إلى الانتقام الوطني، ومن جرح الفرد إلى جرح الأمة، ومن العدالة الخاصة إلى العدالة التي تحتكر الدولة تعريفها وتنفيذها. وقد لاحظ مقال منشور في The Indian Express في مارس 2026 أن الفيلم يبني تصاعده العاطفي بطريقة تجعل أكثر لحظات العنف حصدًا لتصفيق الجمهور هي اللحظات التي يُمارس فيها القتل باسم الوطن والعائلة.
إن هذه النقلة ليست مجرد تطور في الحبكة، بل هي إعادة تعريف للعنف نفسه: يصبح القتل فعلًا تطهيريًا، وتتحول تصفية الخصم إلى استعادة للكرامة الوطنية، وتُختزل المسافة بين البطولة والانتقام حتى يكاد الاثنان يصبحان شيئًا واحدًا.

صناعة العدو وتوحيد صورته
من أهم الوظائف السياسية التي يؤديها الفيلم أنه لا يقدم باكستان باعتبارها دولة مجاورة تربطها بالهند علاقات تاريخية معقدة ومصالح متشابكة وصراعات سياسية وعسكرية، وإنما يقدمها أساسًا من خلال موقعها بوصفها مصدرًا للتهديد.
وبالطبع، لا يمكن إنكار وجود جماعات مسلحة مارست الإرهاب انطلاقًا من الأراضي الباكستانية، ولا يمكن تجاهل الاتهامات الموثقة بشأن علاقات بعض هذه الجماعات بمؤسسات داخل الدولة الباكستانية. لكن الاعتراف بهذه الوقائع لا يبرر تحويلها إلى تفسير شامل للمجتمع الباكستاني، ولا يجعل من المقبول سينمائيًا اختزال بلد كامل في مجموعة من العصابات والإرهابيين والسياسيين الفاسدين.
إن المشكلة هنا تتعلق بما يمكن تسميته التعميم الدرامي للعدو. فبدلًا من أن يكون العدو شبكة محددة من المصالح والأجهزة والتنظيمات، يصبح العدو فضاءً اجتماعيًا وثقافيًا متكاملًا، يكاد كل ما فيه يشير إلى الخطر.
وقد رصدت مراجعة نقدية نشرتها مجلة Outlook India في ديسمبر 2025 هذه المشكلة، مشيرة إلى أن سكان لياري وشخصياتها يظهرون في الفيلم بصورة شديدة الاستقطاب، وأن الشخصيات الباكستانية، سواء كانت من العصابات أو من أصحاب السلطة، تبدو منشغلة أساسًا بتدمير الهند أو الصراع على النفوذ. كما انتقدت المراجعة توظيف أحداث تاريخية حقيقية داخل هذه الرؤية الدرامية دون توفير مساحة كافية لتعقيداتها.
والنتيجة أن المشاهد لا يتعرف إلى باكستان باعتبارها مجتمعًا بشريًا متعدد الطبقات والانتماءات والمواقف، بل باعتبارها مسرحًا متجانسًا للتهديد. فلا نكاد نرى الحياة اليومية للمواطن العادي، أو أصواتًا باكستانية ترفض الإرهاب، أو شخصيات تقف على مسافة نقدية من الصراع القومي، أو تعبيرات عن التعدد الثقافي والاجتماعي الذي يميز المجتمع الباكستاني.
إن غياب هذه الشخصيات ليس مجرد نقص في بناء العالم الروائي للفيلم، وإنما له أثر أيديولوجي؛ لأنه يحرم الطرف الآخر من حقه في الاختلاف الداخلي، ويجعله كتلة واحدة يسهل وضعها في خانة الخصم.
وهذه إحدى خصائص أفلام صناعة العدو: إنها لا تحتاج دائمًا إلى القول إن كل أفراد المجتمع الآخر أشرار، بل يكفي أن تجعل الشر هو الصورة الوحيدة التي يتعرف المشاهد من خلالها إلى ذلك المجتمع.
من الإرهاب السياسي إلى الإرهاب الديني: أين تقع الإساءة إلى الإسلام؟
هذه هي النقطة الأكثر حساسية في قراءة الفيلم، وربما الأكثر أهمية من الناحية الفكرية والثقافية.
من حيث المبدأ، لا توجد مشكلة في أن يتناول فيلم سينمائي جماعات إسلامية مسلحة، أو أن يكشف عن توظيفها للدين في تبرير العنف، أو أن يصور علاقتها بأجهزة استخباراتية أو شبكات للجريمة المنظمة. فهذه ظواهر واقعية تستحق النقد والتفكيك، بل إن تجاهلها أو التستر عليها باسم الدفاع عن الدين يمثل نوعًا من المصادرة على النقد.
لكن المشكلة تبدأ عندما لا يكتفي الفيلم بتمثيل التنظيم الإرهابي بوصفه تنظيمًا سياسيًا يستخدم خطابًا دينيًا، وإنما يجعل العلامات الدينية نفسها جزءًا من التكوين البصري والصوتي للتهديد.
وهنا ينبغي التمييز بين مستويين مختلفين:
المستوى الأول: تمثيل التطرف الديني.
وفيه تظهر الجماعات المسلحة بوصفها تنظيمات تتبنى تأويلات متشددة للدين، وتستعمل المفردات والشعارات الإسلامية لتوفير غطاء عقائدي لأعمالها العنيفة. وهذا تمثيل مشروع فنيًا ونقديًا، ما دام يحدد موضوعه بدقة ولا يخلط بين التنظيم ومجمل الجماعة الدينية التي ينتسب إليها أفراده.
المستوى الثاني: تحويل الهوية الإسلامية إلى علامة بصرية للإرهاب.
وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية. فعندما تتكرر الرموز الإسلامية والعبارات الدينية والهيئات المرتبطة بالثقافة الإسلامية في المشاهد التي تصور الإرهاب والقتل والتعذيب والتآمر، فإنها قد تؤدي وظيفة تتجاوز التعريف بهوية الشخصيات؛ إذ تصبح جزءًا من المناخ النفسي الذي يربط الإسلام بالخطر.
وليس من الضروري أن يقول الفيلم صراحة إن الإسلام دين إرهابي لكي ينتج هذا الأثر. فالصورة السينمائية تمتلك وسائل أكثر مراوغة من التصريح المباشر؛ إذ تستطيع أن تنشئ علاقة بين علامتين عن طريق التكرار والتجاور والإيقاع والموسيقى والمونتاج.

خذ مثلًا توظيف العبارات الدينية، وعلى رأسها التكبير، في سياقات العمليات الإرهابية أو مشاهد العنف. إن العبارة الدينية في ذاتها لا تحمل أي معنى إرهابي، لكن وضعها المتكرر في سياق بصري لا يظهر فيه الإسلام إلا مقترنًا بالقتل والتهديد يجعلها، داخل وعي المشاهد، قابلة للارتباط بهذه الدلالات.
وهذا ما أشار إليه تحليل نشرته The Indian Express في مارس 2026، حين انتقد استخدام الرموز الإسلامية والشعارات الدينية والعلامات البصرية المرتبطة بالإسلام في الجزء الثاني، معتبرًا أن تكرارها يؤدي إلى تداخل صورة العدو الجيوسياسي مع الهوية الدينية، حتى عندما يصر الخطاب المباشر للفيلم على أن الصراع موجه ضد الإرهاب وليس ضد المسلمين.
إن المسألة، إذن، لا تتعلق بوجود شخصية إرهابية مسلمة، فهذا أمر لا يمكن إنكاره أو منعه من التمثيل الفني، وإنما تتعلق باختلال التوازن في التمثيل. لماذا لا نجد، في المقابل، شخصيات مسلمة باكستانية تقدم نماذج إنسانية أو أخلاقية أو فكرية مغايرة؟ لماذا لا تظهر الثقافة الإسلامية إلا في محيط تتصدره العصابات والعنف والتعصب؟ ولماذا لا تتسع الصورة لتشمل التناقضات الداخلية للمجتمع المسلم، بين التدين الشعبي والتصوف والثقافة والفنون والحياة المدنية والمواقف الرافضة للتطرف؟
إن غياب هذه المساحات يجعل الإسلام يبدو وكأنه ليس مجرد دين تستغله بعض التنظيمات، بل جزء من البيئة التي تنتج العنف وتحتضنه.
وهنا يصبح الفيلم عرضة لنقد الإسلاموفوبيا، ليس بالضرورة لأنه يقدم خطابًا صريحًا ضد العقيدة الإسلامية، وإنما لأنه قد يسهم في إنتاج صورة ثقافية سلبية عن المسلمين من خلال آليات التمثيل السينمائي.
والفارق بين الأمرين مهم؛ فالنقد لا ينبغي أن ينسب إلى الفيلم موقفًا عقديًا لم يعلنه، لكنه يستطيع أن يحلل الأثر الدلالي الذي تنتجه صوره واختياراته الفني
توظيف الإسلام السياسي في إعادة إنتاج الصراع الحضاري
ثمة مستوى آخر يستحق التوقف عنده، وهو أن الفيلم لا يضع الجماعات الإسلامية المسلحة في مواجهة الهند فحسب، بل يوظف وجودها في بناء تصور أوسع عن طبيعة الصراع بين الدولتين.
فباكستان، التي تأسست تاريخيًا على أساس الهوية الإسلامية، تظهر في الفيلم بوصفها دولة تتداخل فيها المؤسسات السياسية والأمنية مع جماعات تستخدم الدين لتبرير العنف. وهكذا يصبح الانتماء الإسلامي جزءًا من التفسير الضمني لطبيعة التهديد، حتى وإن لم يكن هو التفسير المعلن.
وهنا نقترب من فكرة أعمق تتعلق بالعلاقة بين القومية والدين. فالهند التي يقدمها الفيلم ليست مجرد دولة تواجه تهديدًا خارجيًا، وإنما تظهر باعتبارها دولة وطنية حديثة، تمتلك مؤسسات استخباراتية متطورة، وتدافع عن أمنها ومصالحها، وتواجه في المقابل خصمًا تتداخل لديه السياسة بالدين والجريمة والتطرف.
إن هذا التقابل يحمل دلالة أيديولوجية واضحة: الهند تمثل الدولة والنظام والعقل الاستراتيجي، بينما تمثل باكستان الفوضى والتآمر والعنف المؤدلج دينيًا.
لكن هذه الثنائية ليست وصفًا موضوعيًا للعالم بقدر ما هي بناء درامي ينتقي من الواقع ما يخدمها، ويستبعد ما قد يربكها. فالهند نفسها ليست خالية من الصراعات الدينية أو النزعات القومية المتشددة أو أعمال العنف ذات الخلفيات الأيديولوجية، كما أن المجتمع الباكستاني لا يمكن اختزاله في الجماعات المسلحة أو المؤسسات المتهمة بالتواطؤ معها.
والأهم أن الفيلم لا يتيح للمشاهد مساحة كافية للتفكير في الأسباب التاريخية والسياسية التي أنتجت هذا الصراع، ولا في مسؤولية الأطراف المختلفة عنه، بل يدفعه إلى تبني موقف أخلاقي جاهز من خلال التماهي مع البطل الهندي.
ومن اللافت أن هذا التوظيف يتجاوز الصراع الثنائي بين الهند وباكستان إلى إعادة تفسير أحداث السياسة الهندية الداخلية. ففي الجزء الثاني، تُربط بعض التحولات السياسية والاقتصادية، ومنها إلغاء تداول فئات العملة النقدية عام 2016، بمواجهة شبكات التمويل غير المشروع والإرهاب. كما يُقدم التحول السياسي الذي أعقب وصول ناريندرا مودي إلى السلطة عام 2014 باعتباره نقطة انعطاف في قدرة الهند على التعامل مع التهديدات الخارجية.
وقد لاحظت تغطية The Indian Express أن الفيلم لا يكتفي بتقديم البطولة الاستخباراتية، وإنما يربطها ضمنيًا بسردية سياسية تجعل ما قبل 2014 مرحلة ضعف وإخفاق، وما بعدها مرحلة حسم وقوة وفاعلية للدولة.
وهذا جانب مهم من جوانب الفيلم؛ لأنه يكشف كيف يمكن للعمل السينمائي التجاري أن يتحول إلى وسيلة لإعادة تفسير التاريخ السياسي القريب، وإضفاء مشروعية رمزية على اختيارات حكومة بعينها.
وليس معنى ذلك أن الفيلم وثيقة رسمية أو أنه يعبر بالضرورة عن توجيه حكومي مباشر، بل إن الأصح أن نقول إن خطابه يتقاطع بوضوح مع بعض التصورات السياسية والأمنية السائدة لدى السلطة الهندية، ويعيد صياغتها في قالب سينمائي جماهيري.

حين يصبح التشويق وسيلة لتعطيل التفكير النقدي
من الناحية الجمالية، لا يمكن إغفال أن «دهوراندار» يمتلك عناصر فنية تفسر نجاحه الجماهيري. فهناك أداء تمثيلي قوي، وإيقاع متصاعد، وتصميم بصري متقن لمشاهد الحركة والعنف، واستخدام للموسيقى والمونتاج في بناء حالة من التوتر المستمر.
لكن هذه العناصر الفنية نفسها تستحق القراءة من زاوية علاقتها بالخطاب الأيديولوجي.
فالعنف المفرط، على سبيل المثال، لا يؤدي وظيفة التشويق وحدها، وإنما يساهم في توجيه الاستجابة الانفعالية للمشاهد. عندما تتكرر مشاهد التعذيب والقتل والدماء في سياق واحد، وعندما ترتبط هذه المشاهد باستمرار بصورة الخصم، فإن المشاهد لا يعود يتعامل معه باعتباره طرفًا في صراع سياسي، بل باعتباره تجسيدًا للشر يستدعي العقاب.
وبالمقابل، تُقدَّم مشاهد العنف التي يمارسها البطل في سياق بطولي، فتتحول إلى لحظات لاستعادة التوازن الأخلاقي والوطني.
وهنا تعمل السينما على مستويين متزامنين: مستوى الحكاية التي تحكي قصة جاسوس يواجه أعداء بلاده، ومستوى الانفعال الذي يدرب المشاهد تدريجيًا على التعاطف مع عنف معين والنفور من عنف آخر.
إنها عملية يمكن وصفها بأنها تسييس الانفعال الجمالي؛ فالفيلم لا يكتفي بأن يجعلنا نعرف من هو العدو، بل يسعى إلى جعلنا نشعر بما ينبغي أن نشعر به تجاهه.
وهذه نقطة بالغة الأهمية؛ لأن السينما لا تشكل الوعي السياسي عن طريق الأفكار والحجج وحدها، وإنما عن طريق الصورة والإيقاع والموسيقى والتماهي النفسي مع الشخصيات.
وقد أشار المقال النقدي المنشور في The Indian Express إلى أن الموسيقى التصويرية الكثيفة والإيقاع السريع والتصعيد البصري المستمر تجعل المشاهد منغمسًا في الاستجابة الانفعالية، وتقلل من فرص التوقف والتأمل في المعاني التي ينتجها الفيلم.
ومن هنا يمكن القول إن خطورة الرسالة الأيديولوجية في «دهوراندار» لا تكمن فقط في الأفكار التي يطرحها، وإنما في الطريقة التي يجعل بها هذه الأفكار تبدو وكأنها نتائج طبيعية للمشاهدة، لا اختيارات سياسية قابلة للنقاش والاعتراض.
هل الفيلم معادٍ للإسلام أم معادٍ للإرهاب؟
قد يعترض المدافعون عن الفيلم بأن موضوعه الأساسي ليس الإسلام، وإنما الإرهاب الذي يستهدف الهند، وأن الجماعات التي يصورها ليست اختراعًا سينمائيًا، بل لها وجود فعلي في التاريخ السياسي والأمني للمنطقة. وقد يضيفون أن من حق السينما الهندية أن تتناول العمليات الإرهابية التي تعرضت لها بلادها، وأن تقدم روايتها الخاصة عن تلك الأحداث.
وهذا اعتراض يستحق الاعتبار؛ إذ لا ينبغي أن تتحول الحساسية الدينية إلى وسيلة لمنع تناول التطرف أو مساءلة الجماعات التي ترتكب العنف باسم الإسلام.
بل إن هناك فرقًا جوهريًا بين أن ينتقد الفيلم جماعة مثل «لشكر طيبة» أو غيرها من التنظيمات المسلحة، وبين أن يقدم المجتمع المسلم باعتباره بيئة إرهابية بطبيعتها.
وفي هذا السياق، قدمت بعض القراءات المدافعة عن الفيلم تفسيرًا مختلفًا، معتبرة أن رسالته الأساسية هي مواجهة الإرهاب المدعوم من شبكات داخل باكستان، وليس العداء للشعب الباكستاني أو للإسلام. وقد تبنت مجلة India Today هذه القراءة في تناولها للجزء الثاني، مشيرة إلى أن الفيلم يكرر التمييز بين الشعب الباكستاني وبين الجماعات الإرهابية التي تنشط انطلاقًا من الأراضي الباكستانية.
غير أن هذا الدفاع لا ينهي النقاش؛ لأن هناك فرقًا بين الرسالة التي يعلنها العمل والرسالة التي تنتجها بنيته الفنية بالفعل.
فقد يقول الفيلم إن حربه موجهة ضد الإرهاب، لكن ذلك لا يمنع أن تكون اختياراته البصرية والصوتية قد أسهمت في تكوين ارتباطات سلبية بين الإسلام والعنف. وقد يعلن احترامه للشعب الباكستاني، بينما يقدم هذا الشعب في معظم مشاهده باعتباره كتلة من الشخصيات الإجرامية أو المتواطئة أو المتطرفة.
ومن ثم فإن الحكم النقدي لا ينبغي أن ينشغل بما يقوله الفيلم عن نفسه بقدر ما ينبغي أن ينشغل بما يفعله بالمشاهد من خلال أدواته السينمائية.
ولعل هذا هو المعيار الأكثر إنصافًا: ليس المطلوب أن يقدم الفيلم صورة إيجابية عن باكستان أو أن يتجنب تصوير الجماعات الإسلامية المسلحة، وإنما أن يلتزم بالتمييز بين التنظيم الإرهابي والدين الذي ينتسب إليه أفراده، وبين الدولة والمجتمع، وبين المسؤولية السياسية والهوية الثقافية.
إن غياب هذا التمييز هو ما يجعل النقد الموجه إلى الفيلم مفهومًا ومشروعًا.

السينما باعتبارها سلاحًا في معركة الوعي
في النهاية، تكشف قراءة «دهوراندار» بجزأيه عن أن السينما التجارية لم تعد مجرد صناعة للمتعة أو وسيلة لتقديم حكايات البطولة والانتقام، بل أصبحت قادرة على أداء وظيفة سياسية تتصل بصناعة الذاكرة الجمعية وتوجيه الوعي القومي وإعادة إنتاج صور العدو والصديق.
والفيلم، من هذه الزاوية، لا يحكي فقط قصة عميل هندي يتسلل إلى شبكات الجريمة والإرهاب في باكستان، وإنما يقدم تصورًا متكاملًا عن الهند التي ينبغي أن تكون، وباكستان التي ينبغي الحذر منها، وطبيعة القوة التي يتعين على الدولة امتلاكها للدفاع عن وجودها.
لكن أكثر ما يستحق النقد في هذه التجربة هو الطريقة التي يتداخل بها السياسي بالديني، حتى تصبح الرموز الإسلامية جزءًا من المشهد الدلالي الذي ينتج صورة الإرهاب. فليس ثمة مشكلة في كشف الوجه المتطرف للجماعات التي تتخذ من الإسلام غطاءً للعنف، لكن المشكلة أن يتحول هذا الكشف إلى اختزال للإسلام نفسه في ممارسات تلك الجماعات.
إن الإسلام ليس مسؤولًا عن الإرهاب لمجرد أن بعض الإرهابيين ينتسبون إليه، مثلما لا يمكن اختزال أي دين أو أيديولوجيا في الجرائم التي يرتكبها بعض المنتمين إليها. وحين تفقد السينما القدرة على التمييز بين العقيدة وتأويلاتها المتطرفة، وبين الدين والجماعات التي تستثمره سياسيًا، فإنها لا تعود تمارس نقدًا للإرهاب بقدر ما تساهم في إعادة إنتاج الصور النمطية التي تغذي الكراهية الدينية.
ولعل المفارقة أن الفيلم، وهو يتحدث عن الأمن القومي الهندي، لا يقدم نفسه بوصفه مجرد عمل سينمائي ينقل وجهة نظر طرف في صراع إقليمي، بل يستثمر قوة الصورة والموسيقى والتشويق ليجعل هذه الوجهة تبدو أقرب إلى الحقيقة المطلقة.
وهنا تكمن المسألة التي ينبغي أن تشغل الناقد السينمائي: ليس فقط من ينتصر في نهاية الفيلم، وإنما أي تصور عن العالم ينتصر داخل وعي المشاهد؟
فالفيلم الذي ينجح في إقناع جمهوره بأن العنف ضرورة، وأن الانتقام عدالة، وأن الخصم كتلة متجانسة من الشر، وأن الهوية الدينية جزء من تكوين الخطر، يكون قد تجاوز حدود الترفيه إلى المشاركة في تشكيل الوعي السياسي والأخلاقي لجمهوره.
والسينما، مهما بلغت براعتها في صناعة الإثارة، لا ينبغي أن تُعفى من المساءلة عن العالم الذي تصنعه في مخيلة مشاهديها.
