“مصورو الطائرات”.. وثائقي يروج للقوة الحربية الأمريكية

بدر العقباني

 

يُقدِّم المخرج الأميركي كين كريستنسون في فيلمه الوثائقي الأخير “مصورو الطائرات” Flight Photographers رحلةً بصريّةً تستكشف عوالم تصوير الطيران الحربي، لا كفنٍّ فحسب، بل كهويةٍ وجوديةٍ للذين يحملون الكاميرات بين السماء والأرض. الفيلم يستغرق 45 دقيقة في عالم تلتقي فيه التقنية بالشغف والمجتمع بالعسكرة. العمل ليس مجرد تسجيلٍ لِما يحدث خلف عدسات المصورين، بل هو غوصٌ في ذاكرة جماعية تُشكِّل الطائرات الحربية جزءاً من حكاياتها الشخصية وحروبها الرمزية، وحتى علاقاتها الإنسانية.

يعود كريستنسون هنا بلمسةٍ إخراجيةٍ تجمع بين الحميمية والإثارة، مُستفيداً من خلفيته في صناعة الإعلانات والأفلام القصيرة لصياغة سردٍ سينمائيٍ مكثَّف، يضع المشاهد في مقعد الراكب الخلفي لطائرةٍ تحمل مصيراً مزدوجاً، مصير الطيار ومصير المُصوِّر. تقاطع تلك المصائر يحوِّل الطائرات إلى أيقوناتٍ ثقافية يقدسها المجتمع، الملفت أن هذه الذائقة، إذا ما محصنا أكثر في معنى الصورة، أُعيد تشكيلها عبر العسكرة، وطوعتها في حربها الناعمة على المجتمع.

يعتمد الفيلم على بنيةٍ سرديةٍ تدمج بين المقابلات الشخصية للمصورين ولقطاتٍ جويةٍ مذهلة بصرياً، الحوارات مع المصورين مثل جريج ديفيس ومات إليس وكيث سنايدر تكشف أن شغفهم بالتصوير لم ينبع من فراغ، بل من ذاكرةٍ عائليةٍ مرتبطةٍ بالخدمة العسكرية. من جهة أخرى، يوثق العمل التحوُّل المزدوج للتكنولوجيا، تطورها في ميادين الحرب وفي تقنيات التصوير.

المصور جريج ديفيس، الذي التحق بالقوات الجوية ليكون مصوراً عسكرياً وقضى جزءاً من طفولته في قاعدة “بيرجستروم” الجوية، يروي كيف تحوَّلت الطائرات من أسلحةٍ إلى “نماذج فوتوغرافية” تُصوَّر بدقة 4K. هنا، تظهر التكنولوجيا كجسرٍ بين عالمين، فذات التقنية التي تسمح للطائرة المقاتلة F-35 بالتحليق بسرعاتٍ خارقة، تسمح للمصورين بتجميد حركتها في إطارٍ واحد، وكأن الحرب تُقدَّم كعرضٍ بصري.

يتحدث مات عن أبٍ قائد لطائرةٍ حربيةٍ، غرس فيه حبَّ التقاط التفاصيل الهندسية للطائرات، وضعه ذاك الأب في مقعد طائرة مقاتلة وهو طفل، فتحوَّلت تلك اللحظة إلى هويةٍ بصريّة طاردة لكل ما هو مدني، العسكرة هنا ليست خياراً، بل موروثًا ثقافياً يتحوَّل إلى عدسة يُرى منها العالم. حتى الإجراءات الأمنية المشددة، مثل طلب نسخة من جواز السفر للمصورين عند التصوير مع طائرات الجيل الخامس، تُقدَّم كجزءٍ من الطقوس والفانتازيا التي تُضفي على الهواية هالةً من الجديّة العسكريّة.

ينجح الفيلم في كشف الطبقات النفسية والاجتماعية لهواية التصوير الجوي، التي تبدو للوهلة الأولى مُجرَّدةً من العمق. فالقصة لا تُركِّز على كيف يُصوِّر هؤلاء، وإنما لماذا يفعلون ذلك. الإجابة تظهر عبر مقاطع متنوعة في العمل مثل ذِكر المصور إيريك كويكلبيرغ لرحلته الأولى في السماء مع طائرة “آلبي إيجلز” الإيطالية، حينها، كما يذكر، تحوَّلت الكاميرا من أداةٍ لتجميد اللحظات إلى جسرٍ يربط بين الأرض والسماء، أي بين الإنسان وآلة الحرب التي يُصوِّرها.

الفيلم نفسه هو جزء من آلة الترويج العسكرية، وإنْ كان ذلك بطريقة غير مباشرة، اللقطات المُثيرة بتقنية Slow Motion لطائرات F-22 وهي تُنفذ مناورات جوية خطيرة، أو مشاهد طائرة SR-71 Blackbird الأسطورية بالزوايا العريضة Wide Shots لتأطير الطائرة ضد مشاهد طبيعيةٍ خلابة، تلتقط لتخلق أسطورةً حول التفوق التكنولوجي العسكري. كريستنسون، بصفته مخرجاً له تاريخ في توثيق الحروب، يعرف كيف يحوِّل الآلة العسكرية إلى شخصية سينمائية، المشاهد التي تُظهر الطائرات من زوايا مُنخفضة، مع إبراز التفاصيل الهندسية الدقيقة، تُذكّر بمشاهد الأفلام الهوليودية التي تُمجّد البطولة العسكرية. وهنا المصورين أنفسهم أصبحوا جنوداً في معركةٍ مختلفة، معركة التقاط الصورة الأكثر إثارة، والتي قد تُستخدم لاحقًا في الكتيبات الدعائية للقوات الجوية.

غياب النساء في العمل أمر مفروغ منه، الزوجات يظهرن كداعماتٍ عاطفيات هامشيات، يُشجِّعن الهواية لأنها تُهدئ أزواجهن، دون مشاركة فعلية، الإجراءات الأمنية التي تطلب انتماء المصورين إلى دول الناتو أو الحلفاء، تُكرِّس صورة العالم العسكري كنادي ذكوري مغلق. هذا الغياب ليس بريئاً وهو دليل على أن الحرب هي موضوع ذكوري في مخيال تلك الشعوب، حتى ولو قدمت للمشاهدين عبر عدسةٍ مدنية.

Flight Photographers ينتمي إلى فئة من الأفلام الوثائقية التي تبيع الجمال كغطاءٍ للتعقيدات الأخلاقية، فوراء كل لقطة مذهلة لطائرةٍ مقاتلة، هناك أسئلة عن دور الفن في تلميع صورة الآلة العسكرية، وعن التحوُّل الذي طرأ على مفهوم التصوير الفوتوغرافي من هوايةٍ توثيقية إلى أداةٍ دعائية. يُقدِّم كريستنسون عملاً يُكمل ثلاثيته غير المُعلنة عن الطيران، الحرب كواقع والطيارون كأبطال والمصورون كحُكَّامٍ على الجمال، صمم ثلاثيته بصرياً وباعنا هذا الجمال، لكنه نسيَّ أن يسأل عن الثمن.