في مهرجان فينيسيا: اعترافات قتلة الأطفال في غزة في فيلم إسرائيلي

 

أمير العمري- فينيسيا

 

كان من فضائل مهرجان فينيسيا السينمائي العام الماضي أنه كان المهرجات الأول في العالم الذي يتجرأ ويضع فيلم “صوت هند رجب” في مسابقته الرسمية ليمضي الفيلم ويحصل على جائزة الأسد الفضي، وينتقل إلى مهرجانات الدنيا، ويصل إلى ترشيحات الأوسكار وإن لم يحصل على جائزة أفضل فيلم دولي، لأسباب ربما تكون معروفة. وهذا موضوع آخر.

اليوم يعود مهرجان فينيسيا ليعرض فيلما إسرائيلياً وثائقيا يحمل عنوانا غريبا هو “نازا” NAZA اشترك في إخراجه كل من يوفال إبراهام وراشيل سور، وهما اثنان من الذين اشتركوا في صنع فيلم “لا أرض أخرى” No Other Land مع الفلسطينيين باسل عدرا وحمدان بلال، الذي مضى ونال جائزة الأوسكار بعد حصوله على جائزتين في مهرجان برلين حيث أثار جدلا كبيرا خصوصا بعدما وقف باسل وأبراهام على المسرح في حفل الختام وألقى كل منهما كلمة قوية أدانت بشدة سياسة الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل في غزة، الأمر الذي أثار غضب وزارة الثقافة الألمانية وصحافة اليمين الموالية للوبي الصهيوني.

كتم “مازا” هو الفيلم الذي أتخذ ألبرتو باربيرا قرارا شجاعا في اللحظة الأخيرة، بضمه إلى المسابقة الرسمية التي تتنافس أفلامها على جائزة “الأسد الذهبي” الرفيعة وجوائز أخرى، ليصبح عدد أفلام المسابقة 21 فيلما.

أما “نازا” فهي كلمة لن نعرف معناها سوى بعد أن يبدأ الفيلم، والذي يشرحها هو أحد ضباط المخابرات العسكرية الإسرائيلية، ومعناها “الأضرار الجانبية” أو بمعنى أدق “الضحايا المدنيين” الفلسطينيين الذين يلقون حتفهم جراء استهداف البنايات السكنية بل والأحياء الكاملة في غزة من قبل الجيش الإسرائيلي. لكن من المثير أن تكون الكلمة أيضا قريبة كثيرا من كلمة “نازي”. والعلاقة بين النازي والإسرائيلي، علاقة عضوية لا يمكن لأحد في عالم اليوم أن ينكرها. وفي الفيلم يروي ضابط إسرائيلي كيف أنهم لم ين مطلوبا منهم الاحتفاظ بجثث من يقتلون، وكانوا يلقون بهم في حفرة ضخمة، واحدا فوق الآخر، وعندما يسأله المخرج: وماذا كان يحدث لهم، يجيبه” كان الكلاب يأكلونهم..

هذا فيلم عن القتل، وعن الإبادة الجماعية كما لم نر من قبل رغم أننا لا نرى عمليات القتل فهذه صورتها كثيرا تقارير الأخبار التليفزيونية. إنه وثيقة حية خطيرة، تأتي على ألسنة 24 شخصا من الذين شاركوا في التخطيط لعمليات القتل الجماعي، وهم من ضباط المخابرات الإسرائيلية والخبراء العسكريين التقنيين المتخصصين في تتبع الأشخاص في بيوتهم من خلال رصد الإشارات الصادرة من أجهزة الهواتف المحمولة، وخبراء توجيه المسيرات المحملة بالقنابل التي تستهدف المدنيين بالعشرات بل والمئات في يوم واحد، بدعوى استهداف أحد قيادات حركة حماس وتصفيته.

الفيلم الذي جرى تصويره عبر ثلاث سنوات، معظمه عبارة عن حوارات مباشرة مع هؤلاء الضباط الذين لا ينكر أي منهم دوره في عمليات القتل الممنهج بل على العكس، فهم يشرحون للمخرج أبراهام بالتفصيل، أدوارهم، بعضهم يبدي أسفه على مشاركته في القتل الجماعي للأبرياء غير أنهم في الوقت نفسه، يرون أن ما قاموا به هو ما كانت تفرضه عليهم طبيعة عملهم في الجيش أو المخابرات، والبعض الآخر ينفي مسؤوليته المباشرة عن القتل بدعوى أن دوره كان يقتصر على تقديم المعلومات فقط، وهنا من يبدو على قناعة تامة بأن الحرب هي الحرب، وبالتالي فالتفكير فيما يقوم به المرء غير وارد أثناء العمليات العسكرية.

يوفال إبراهام وراشيل سور

هناك وصف تفصيلي لكيفية متابعة منازل الفلسطينيين في غزة، الموقع، عدد الطوابق، الطابق الذي توجد فيه الشقة، عدد الأشخاص الموجودين في الداخل، أي عدد “النازا” الذين سيتم استهدافهم، وكيف كان الاستهداف يحدث أيضا في غياب الشخص المستهدف أساسا من العملية حيث يقتل جميع أفراد عائلته. ويستخدم أحد ضباط المخابرات الورقة والقلم في رسم الخرائط التي كان يرسمها ويقدمها للجيش: لم أكن أنا من يتخذ قرار الضرب بل الضابط المكلف!

هناك حديث تفصيلي عن استهداف مواقع رصدتها أجهزة الاستشعار في المخابرات بدقة وكلها مساكن عائلات فلسطينية أبيدت بكاملها، بل وأحياء كاملة مسحت من على وجه الأرض، فالمطلوب كما يروي بعض من تحدثوا إلى مخرج الفيلم يوفال، كان منع الفلسطينيين من التفكير في العودة إلى حيث كانوا يقطنون، فالعودة تصبح مستحيلة بعد تدمير المنازل والأحياء بكاملها.  وهو ما يماثل تجربة النزوح القسري في 1948. وفي الفيلم أيضا حديث عن رغبة إسرائيل في دفع الفلسطينيين على مغادرة قطاع غزة.

هناك من يقدم شهادته عن الاستهداف الموجه المقصود للشباب الفلسطيني الذي يبحث عن الطعام، فالجيش وضع خطوطا لا يجب تجاوزها، وهي خطوط سرية أي غير معلنة، وكان الطعام يوجد في المنطقة المحظور دخولها وكل من يقترب منها أو يدخلها، للحصول على الطعام، كان يتم استهدافه وقتله بواسطة قناصة منتشرين في أماكن مخفية. ومعظم المستهدفين من الأطفال.

لسنا هنا أمام عمل سينمائي يشتغل على الشكل ويتلاعب به في صياغة للأحداث من أجل إنتاج تأثير عاطفي لدى المشاهد، فالفيلم لا يبتز مشاعرنا، ولا يلعب على الإثارة العاطفية، وبدلا من ذلك يدعو مشاهديه بقوة إلى التفكير، ويفتح مساحة جيدة للوعي والتنوير، فأمامنا ضباط شباب ينتمون إلى ما وصفه وزير الحرب الإسرائيلي بأنه الجيش الأنقى والأكثر أخلاقية في العالم. وهنا على المشاهد أن يتوصل إلى استنتاجاته بنفسه.

الفيلم ينتزع في كل هدوء ورصانة، شهادات مباشرة ممن شاركوا بشكل أو بأخر في الإبادة الجماعية.. هل هناك شعور بالندم، أو حتى بالتشكك في الهدف، أو أي شعور بالتعاطف مع الآخر؟

رغم وجود قليل ممن تساءلوا مع أنفسهم عن عبثية الحالة كلها، إلا أنهم رغم ذلك لم يفعلوا شيئا، أي لم يتوقفوا عن القيام بما كان مطلوبا منهم، خصوصا في الأجواء الهستيرية التي سادت الشارع الإسرائيلي بعد عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، وفي الفيلم مظاهرة نسمع صوت هتافات المشاركين فيها تدعو إلى القضاء على غزة بالكامل، ووزير إسرائيلي يظهر على شاشة التليفزيون يقول إنه لا يوجد مدنيون في غزة بل جميع سكان القطاع إرهابيون، ويتعهد نتانياهو بتدمير غزة وتجويع شعبها وذلك في سياق رؤيته التي تقضي بمنع قيام دولة فلسطينية في المستقبل.

الحوارات كلها تجري في أجواء معتمة، فوق أسطح البنايات المرتفعة في مدينة تل أبيب التي تظهر أبراجها السكنية أو ناطحات السحاب التي تشبه ما نراه في مانهاتن، في تناقض واضح مع صور البنايات المدمرة في غزة التي تختزنها الذاكرة.

هناك من يتحدث عن دوره في مراقبة الهواتف المحمولة حتى للأطفال، لمعرفة “متى يرجع بابا” وما إذا كان قد رجع إلى البيت أم ليس بعد، ثم الصراخ الذي يعقب القصف، وكيف كانت المسيرات تعود للقضاء على من استهدفته لو ظل حيا. وهناك من يتحدث عن نسبة معينة، أو حد أدنى من الضحايا الجانبيين (النازا) أي المدنيين من الأطفال والنساء الذين يمكن استهدافهم بدم بارد. هنا يوقفه المخرج ويتساءل: إذن لو كانت هذه النسبة مسموح بها لكل عدد محدد من السكان فقد يصبح عدد النازا 2 مليون شخص هم سكان القطاع. وتكون الإجابة بكل بساطة: نعم.

هناك من يتحدث عن دزره فيشببه بأنه مثل “الإله” الذي يرى ويسمع كل شيء بينما لا يراه أحد، كما أنه يملك بالطبع أن يقرر من يموت ومن يعيش. وهناك يصف الأمر بأنه مثل لعبة، تحقق الاستمتاع. وعندما يسأله المخرج وهل كنت تشعر بالاستمتاع؟ فيجيبه: نعم.. كانت المتعة تأتي من النجاح في تنفيذ العملية. ولا يعلق المخرج بل يكتفي بالصمت، وتبقى الكاميرا مسلطة على الاثنين لعدة ثوان، وهو أسلوب يتكرر في نهاية مقاطع كثيرة من الفيلم.

يوجه المخرج الأسئلة، ولكنه يتوقف ويترك مساحة طويلة للصمت لكي يتيح لنا التأمل فيما نسمعه، وهو عادة خارج نطاق العقل، وخارج القدرة على التحمل. فهذا فيلم مقلق كثيرا، مرعب في تفاصيله، رغم ندرة اللقطات الوثائقية لتدمير المباني وقتل الأطفال التي تحتل الدقائق الأخيرة منه، ومن بينها لقطة لأب قتل جميع أبنائه بعد أن هدم المنزل كله على السكان، وهو يبحث تحت الأنقاض وينادي على أبنائه دون أن يسمع ردا، والصور تكشف سيقانا تبرز من تحت الركام، لأطفال كثيرين.

هل هذه هي الطريقة التي تدافع بها إسرائيل عن نفسها وعن وجودها كما يزعمون؟ اي بهذا القتل الجماعي المخطط الممنهج، والذي يؤكده أحد الضباط عندما يقول إن الحكومة أرادت أن تنتهي من تنفيذ أكبر عمليات للإبادة والتدمير الواسع النطاق قبل أن تواجه إسرائيل اللوم والاحتجاجات من العالم الخارجي.

السؤال الذي يكرره المخرج لمعظم الذين يحاورهم هو: هل قتلت؟ وكم واحدا قتلت؟ والإجابة تتراوح من العشرات إلى بضعة آلاف، بل إن أحدهم يحدد رقم 40 ألف!

“نازا” عمل شديد القوة والقسوة، يكشف الكثير من الحقائق، يصفع المشاهد بالحقيقة كما تتردد على ألسنة صناع الحدث، أصحاب اللقطة الذين يخشون الضوء، ويفضلوا الجلوس في الظلام، لكنهم مجرد عينة صغيرة من الآلاف غيرهم الذين مارسوا ومازالوا يمارسون القتل اليومي في حقول القتل وهذا ما يؤكده الفيلم في العبارة الأخيرة التي تظهر على الشاشة.

لكن لا أحد يتجرأ أحد في العالم على فرض العقاب الحقيقي على دولة إسرائيل، فهي “دولة اليهود”، واليهود هم الأبقار المقدسة عند صناع الثقافة والإعلام في الغرب، والغرب هو الذين يملك الوسائل الناجعة للعقاب، لكنه يخشى أيضا ليس فقط من قوة “اللوبي” وتغلغله، بل ومن غضبة “العم سام” الذي يمثله الآن أكثر الرؤساء توحشا وعدوانية وكراهية للبشر منذ هتلر، في حين أنه لا يكف عن تصوير نفسه كداعية سلام!

يقول المخرج أبراهام يوفال في البيان الذي نشره عن الفيلم:

صنعنا هذا الفيلم انطلاقًا من شعورنا بالالتزام باستخدام موقعنا كإسرائيليين لفحص الأجهزة التي تقف وراء القتل الجماعي للمدنيين الفلسطينيين والتي تتحمل بلادنا المسؤولية عنها. وأثناء التصوير على مدى السنوات الثلاث الماضية، وجدنا أنفسنا نطرح نفس الأسئلة التي طرحها جيل أجدادنا وطوال القرن العشرين: كيف تسمح مجموعة من الناس بتجريد مجموعة أخرى من إنسانيتها بشكل كامل؟ كيف تبدو الأعمال الداخلية لمثل هذا النظام؟ تم نشر العديد من الاكتشافات في الفيلم على الفور تقريبًا كما علمنا بها، في الأشهر التي تلت هجمات 7 أكتوبر، بواسطة صحيفة الجارديان البريطانية، (وهي أحد الأطراف الإنتاجية للفيلم)، بالتعاون مع شركاء التقارير +972 Magazine وLocal Call. يتيح لنا الفيلم استكشاف شيء أكثر عمقا مما نستطيع العصور عليه في صحافتنا الاستقصائية: ليس فقط الكلمات التي تُقال، ولكن أيضًا تلك التي لا تُقال، أي الصمت. والأمر متروك لنا جميعا لكسر هذا الصمت.

ويقول جيم ويلسون منتج الفيلم الذي سبق أن أنتج فيلم “صوت هند رجب” ردا على اتهامه بمعاداة السامية: “أنا يهودي. يوفال وراشيل إسرائيليان يهوديان. جوناثان جلايزر يهودي (يقصد مخرج فيلم “منطقة الاهتمام) . لا أقول إن هذا يعني أننا على صواب أو خطأ. أنا شخصيا لست قلقا من اتهامي بمعاداة السامية لأنني لست كذلك، ولا أعتقد أن زملائي كذلك. أنا أفهم طبيعة الهجوم. إنها استراتيجية واضحة، وجزء من القمع والتنافر المعرفي الذي يسمح للأشخاص الذين يعتقدون ذلك، بالتماهي مع العنف المنهجي. ربما يصدقون ذلك، لكنها طريقة لمواصلة قمع الحقيقة. ولا أعتقد شخصيا أن هناك أي صلة بين اليهودية وسياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تجاه السكان الأصليين في فلسطين”.