“صراط” لأوليفر لاكس: الإسم الذي يحمل كوناً

في التراث الإسلامي ثمة جسرٌ يُسمّى الصراط: أرقّ من الشعر وأحدّ من السيف، يمتدّ فوق هاوية الجحيم فاصلًا بين عالمَي الحساب والرحمة. كلّ روحٍ لا بدّ لها أن تعبره، وعبوره وحده هو الامتحان الأخير والحقيقي.

حين اختار المخرج  الإسباني أوليفر لاكس هذه الكلمة عنوانًا لفيلمه الرابع، لم يختر اسمًا عابرًا يُزيّن الملصق ثم يُنسى، بل استدعى كوناً بأكمله: كون العبور والامتحان، والضياع والخلاص، وتلك الهاوية الرهيبة التي تنتظر كل امرئ في منتصف رحلته حين يُظنّ أن الطريق بات مألوفًا.

“صراط” Sirātالفيلم الإسباني الفرنسي المُكلَّل بجائزة لجنة التحكيم الكبرى في الدورة الثامنة والسبعين لمهرجان كانّ السينمائي 2025 – هو أجرأ ما أخرجه لاكس وأعمقه وأكثره جرأةً في الذهاب نحو حافة ما يمكن قوله بالصورة. قصيدةٌ بصرية مؤلمة عن الفقد والبحث والمجتمع الهامشي، تدور أحداثها في صحاري المغرب الجنوبية وتتشكّل على وقع موسيقى إلكترونية عميقة تصعد من باطن التراب كأنها آتية من قلب الأرض لا من مكبّرات الصوت.

“إذا كان الصراط في التراث جسرًا يفصل الجحيم عن الجنّة، فإن السينما في يد أوليفر لاكس تصبح ذلك الجسر بعينه: هشًّا كخيط، لامعًا كالشمس في الصحراء، ومرعبًا كالحقيقة حين تكشف نفسها دفعةً واحدة”.

المكان: صحراءٌ في نهاية العالم
تنبثق الصورة الأولى كرؤيا لا كافتتاحية: عشرون دقيقة كاملة – لقطةٌ واحدة لا تنقطع ولا تتلكّأ – يُصوّر فيها لاكس بكاميرا الستة عشر ملم، بتلك الحبيبيّة العضوية التي تمنح الصورة نَفَسًا ودفئًا وكثافةً ماديّة لا تُنكر، حشودَ الحفلة الصحراوية في ليل المغرب العميق. بحرٌ من الأجساد يتموّج تحت سماء غزيرة النجوم، وجرسٌ إلكتروني يُصعّد نفسه من باطن الأرض كأنه دقّات قلب الكوكب المحتضر، وغبارٌ ذهبي يتصاعد مختلطًا بعرق الراقصين في شبه الظلام.
هذا المشهد الأوّلي البانورامي ليس مجرّد افتتاحية اصطلاحية بل هو منطوق الفيلم الكامل ومفتاح دلالته: نحن هنا في مكانٍ يقع خارج خرائط العالم المعهود، في فضاءٍ يحكمه قانونٌ آخر، حيث تسقط عن الأجساد أثقالها الحضارية وتتعرّى لما هي عليه فعلًا.
الفيلم يجري في مستقبل قريب أو حاضر موازٍ ينزّ منه آخر الأيام: إذاعاتٌ تتحدث عن حروبٍ تندلع ومفاوضات دبلوماسية تنهار وموارد تنضب، وجنودٌ يطلبون من مواطني الاتحاد الأوروبي الإخلاء لأن البلاد دخلت في حرب. غير أن سكّان هذا العالم الهامشي الراقص لا يُبالون كثيرًا بما تصرخ به الإذاعات، إذ يمشون في مقلوب الكارثة – أو ربما يعرفون أن الكارثة لم تبدأ اليوم.

“لقد كانت نهايةُ العالم منذ زمنٍ طويل”
هذه الجملة – المُلقاة في منتصف الفيلم بعفوية شخصٍ يصف الطقس – تحمل وحدها الثقل الفلسفي والسياسي للعمل بأكمله. ليست نهاية العالم حدثًا قادمًا بل حالةً دائمة قائمة منذ دهر، وما هؤلاء الراقصون إلا مَن اختاروا أن يعيشوا في داخلها بكلّ وعيٍ ورفاهية.

لويس: روحٌ تبحث عن روحها
لويس، كما يجسّده سيرجي لوبيث بما أوتي من شمائل الكائن المحروق من الداخل – ليس بطلًا بالمعنى الدرامي التقليدي المصنوع من ورق الكاتب. هو رجلٌ في منتصف العمر ينهشه القلق نهشًا صامتًا، يحمل وجهه خريطةً تفصيليّة لكل ما خسر: الجلد المتشقّق كأرضٍ أصابها القحط، والعينان اللتان انطفأت فيهما النار وبقي فيهما الجمر متّقدًا تحت رماد الأيام. جاء إلى هذه الصحراء بسبب ابنته مارينا التي اختفت قبل أشهر في إحدى هذه الحفلات الصاخبة المجهولة، فلم تعد.
وكلّ ورقة يوزّعها صورتَها على الغرباء بيدٍ تكاد ترتجف، وكلّ سؤال يطرحه بصوته الأجشّ المتعب المنهك من كثرة التساؤل، وكلّ خطوة يشقّها في الرمال وكأنه يخوض عجينة لا تريد أن تُفرج – هي في حقيقتها الأعمق ليست بحثًا عن ابنةٍ فقط، بل محاكمةٌ صامتة يُجريها لنفسه فيما لا يُسمع ولا يُرى: أين أخطأ؟ ماذا فاته أن يفهم؟ أيّ بابٍ أغلقه على ابنته حين كانت في أمسّ الحاجة إلى الهواء المفتوح؟
أوليفر لاكس يمنح لويس ما لا يمنحه كثيرٌ من المخرجين لشخصياتهم: الصمت المُحمَّل. لا يُصرّح لويس بمشاعره، ولا يُلقي خطبًا رنّانة عن الحب والفقدان والأبوّة. لكنه يُحسن التحمّل، وفي التحمّل هذا كنزٌ لا يُقدَّر للمشاهد المتأمّل، إذ يقرأ في جسد هذا الرجل – في كيفية حمله لصورة ابنته، وفي الطريقة التي يسعل فيها كما لو كان يبتلع دمعةً لا يسمح لنفسه بإسقاطها – كلّ ما لا تقوله الكلمات حتى لو جاءت في وابل. لويس لا يبكي على الشاشة. لكنّ المشاهد يبكي عنه.

إيستيبان
أما إيستيبان، ابن لويس ذو الاثني عشر ربيعًا – كما يؤدّيه برونو نونييث بعفويةٍ تكاد تكون وليدة المصادفة لا التدريب – فهو روح الفيلم التي لا ترى نفسها. طفلٌ انتُزع من وادي براءته مبكرًا، ورُمي في قلب هذا العالم الصاخب العاري دون أن يُسأل رأيه، دون أن يُخيَّر أو يُستشار.
إيستيبان لا يفهم تمامًا ما يجري – أو ربما يفهم أكثر مما يُظهر. وبين هذين الاحتمالين المتوتّرين يرقص الفيلم في أعماقه. عيناه الواسعتان الهادئتان تسجّلان كل شيء بصمتٍ تشريحي مذهل: يسجّلان الراقصين وهم يُعلنون حريّتهم بأجسادهم المكشوفة في عزّ الليل، ويسجّلان أباه وهو يوزّع صورة أخته على وجوهٍ لا تعرفها، ويسجّلان تلك اللحظة الرهيبة القاطعة حين ينكسر العالم ولا يمكن لأيّ قوّة إعادة لصقه.
مع هذه القبيلة من الهامشيين الراقصين، سيمرّ إيستيبان بذلك العبور السري الجارح من طفولة الدنيا إلى صحوة الوجود – وهو ما تسمّيه الأساطير رحلةَ البطل، لكنه هنا يحدث بهدوءٍ مُفجع لا بطبول حرب ولا بفانفارات درامية. يحدث كما تحدث الجروح الحقيقية: ببطء، في الخفاء، وبشكلٍ لا يكشف حجمه الكامل إلا حين يبدأ في الألم وقد فات الأوان.


الجماعة

القبيلة التائهة: رقصٌ على حافة النهاية
ثم القبيلة – جاد وستيفانيا وجوش وتونان وبيغي – هؤلاء الذين اختارهم لاكس من الشوارع والمهرجانات البرّية لا من استوديوهات التمثيل، وأعارهم أسماءهم الحقيقية لأن الحقيقة ببساطة أقوى وأوجع وأكثر رنينًا من أيّ خيال. هم المهمّشون المتحرّرون، القاطنون على هامش النظام اختيارًا وفلسفةً لا عجزًا وهزيمةً، يحملون في أجسادهم – بعضها مبتور الأطراف – شاراتِ حروبٍ شخصية خاضوها مع عالمٍ يؤمن بالكمال الرأسمالي المُصنَّع والجمال المُعلَّب.
لهم بهجتهم التي تشبه الصلاة وتختلف عنها في الشكل فقط: يرقصون لأن الرقص صدقٌ لا يُزيَّف ولا يُكذَّب، ويسيرون لأن التوقّف موتٌ آخر، ويتشاركون الطعام والماء والموسيقى والنار لأن الحياة المشتركة هي الحياة الوحيدة التي تعني شيئًا في نهاية الأيام. رحلتهم عبر الصحراء تشبه حجًّا مقلوبًا: لا يسعون إلى بقعةٍ مقدّسة ثابتة الإحداثيات، بل إلى الحفلة القادمة، إلى ذلك الصوت الذي يجعل الجسد يتذكّر أنه حيٌّ وقادرٌ على الفرح رغم كل شيء.

“الحبّ الأبوي المتيقّظ الخائف ينظر في مرآة الحرية المتهوّرة الجسيمة، ويجد نفسه – ربما للمرة الأولى – يتساءل في دهشة: من منهم الضائع فعلًا؟ ومن هو الحرّ ومن هو المقيّد؟”

في احتكاك لويس وإيستيبان بهذه القبيلة تتشكّل في صميم الفيلم معادلةٌ دقيقة رائعة. الرجل الذي جاء ليجد ابنته يجد بدلًا من ذلك نفسه أمام سؤال أعمق: هل كان يبحث عن مارينا فعلًا، أم عن تلك النسخة من نفسه التي عاشت دون خوف؟ وهل الراقصون في الصحراء هم الضائعون حقًّا، أم أنهم وجدوا ما يعجز عنه الجميع في المدن وخلف الأبواب المغلقة؟

الغياب

مارينا: الغائبة الحاضرة في كلّ لقطة
مارينا – الابنة المفقودة التي لا نراها طوال الفيلم إلا وجهًا على ورقة مطويّة تُوزَّع بيدٍ مرتجفة تحت الشمس والغبار – هي الغياب الذي يُحرّك الفيلم كله كمحرّكٍ لا يُرى ولا يُلمس بل يُحسّ. وفي هذا الغياب الموزون ببراعة حكمةٌ سينمائية بالغة الدقّة: الأشياء التي تحرّكنا أشدّ ما تحرّكنا هي تلك التي لا نراها، لأن غيابها يملأ الفضاء المتاح بما نسقطه نحن من مخاوفنا الشخصية وذكرياتنا المدفونة وأوهامنا التي أبقيناها حيّة في أدراج لم نفتحها منذ سنوات.
مارينا وجهٌ على ورقة. لكنها في آنٍ واحد كل بنات العالم اللواتي وجدن في الغياب حريّتهن الوحيدة الممكنة، وكل اللواتي اخترن الاختفاء لأن الظهور كان مُضاهاةً لصورةٍ لم يرسمنها. غيابها بؤرةٌ ميتافيزيقية تدور حولها مداراتُ الفيلم كما تدور الأجرام حول نجمٍ يختبئ: يُحسّ بجاذبيّته الطاغية في كل خطوة ولا يُرصد بالعين المجرّدة أبدًا.
وحين يُوزَّع وجهها على الغرباء في الصحراء، ثمة لحظاتٌ يبدو فيها أن أحدًا ما يتعرّف على تلك الابتسامة. أو ربما لا أحد. وفي هذا التردّد بين الأمل الشحيح والخيبة الصامتة يقيم الفيلم طويلًا، لا يتعجّل الحلّ ولا يتساهل في الوعد.
الفضاء

الصحراء: كائنٌ بصيرٌ لا يتكلّم
فوق الجميع – فوق الأب والابن والقبيلة والغائبة – تجلس الصحراء شخصيةً رئيسية تتجاوز باقي الشخصيات في قوّتها وصمتها وعظمتها التي تُخيف. صحراء جنوب المغرب وجبال الأطلس ليست ديكورًا تنتصب خلف الممثلين وتُنسى، بل هي فضاءٌ ميتافيزيقي حيث تتعرّى الأرواح وتسقط عنها أقنعتها الحضارية واحدًا بعد واحد حتى لا يبقى إلا الجوهر.
الرمال التي تبتلع الآثار كما تبتلع الأيام الذكريات، والصخور التي تعكس ضوء الشمس كالمرايا المكسورة، والهواء الذي يحمل صوت الموسيقى حتى يجعله يبدو كما لو كان يأتي من تحت الأقدام لا من فوق الرؤوس – هذه كلّها لغةٌ بصرية يُتقنها لاكس بأسلوبٍ يستحضر أندريه تاركوفسكي دون أن ينسخه أو يُقلّده، لأنه يعرف في الأعماق أن الجمال الحقيقي لا يُقلَّد بل يُستأنف ويُجدَّد في كل جيل.
وحين تتصاعد السيارات المتهالكة في طريقها عبر الجبال الوعرة – في مشهدٍ يستحضر بوضوح ملحمة ويليام فريدكين “ساحر”
Sorcerer وطقوسها الرهيبة في العبور – تبدو الأرض نفسها رافضةً لهذا المرور، كائنًا ذا إرادة خفية يختبر صلابة من يجرؤ على اجتيازه وينتظر ليرى مَن يتكسّر أوّلًا: الآلة أم الإنسان.

الضوء في “صراط” – مُصوَّر بالستة عشر ملم في شرانقه الحبيبية الدافئة – يشبه الضوء في النصوص المقدّسة: يأتي من مكانٍ لا يُحدَّد، ويسقط على الوجوه كأنه يُسمّيها، كأنه يُقرّر في لحظةٍ واحدة مَن يستحق أن يُرى ومَن يظلّ في الظلّ. ومعظم الفيلم يقع في تلك المنطقة الرماديّة البرزخية بين النور الكامل والعتمة الكاملة – وهي المنطقة نفسها التي تقطنها الحقيقة دائمًا.

أوليفر لاكس – وريث تاركوفسكي في منفىً جميل
أوليفر لاكس – المولود في فرنسا من أصول غاليسية، المتجذّر في المغرب كأنه وجد فيه وطنًا للروح قبل أن يُقرّر صنع أفلامٍ عنه – يدير آلة الزمن السينمائي بصبر الحجّار الذي يعرف أن الجبل لا يُشكَّل بالعجلة. منذ “أنتم جميعًا قباطنة”
You Are All Captains – (٢٠١٠) مرورًا بـ “ميموساس” Mimosas – (٢٠١٦) و”ستحترق النار” – (٢٠١٩) Fire Will Come وصولًا إلى “صراط” Sirāt – (٢٠٢٥)،
يرسم لاكس خطًّا واحدًا متّسقًا مهيبًا لا يُثنيه موضةٌ ولا يُصرفه سوق: أفلامٌ تؤمن إيمانًا راسخًا بأن الحجر والنار والتراب والجسد البشري أكثر صدقًا في التعبير عن الروح من أيّ حوار مكتوب.
هو وريثٌ روحي لأندريه تاركوفسكي – لا في التقليد البصري المباشر الساذج، بل في الرسالة الكبرى الأعمق: الإيمان بأن السينما عبادة وليست صناعة، وأن الكاميرا ليست أداةَ توثيقٍ تُسجّل ما يحدث، بل أداةُ استحضارٍ تستدعي ما يختبئ خلف ما يحدث. كلاهما يعتقد أن المشاهد حين يجلس أمام الشاشة في عتمة القاعة يجلس في مكانٍ مقدّس، وأن المهمّة الوحيدة للمخرج الحقيقي هي ألّا يُخيّب ذلك الترقّب الصادق.
أسلوبه في “صراط” نابعٌ من اختيارات جذرية وجريئة تُعلن عن نفسها دون ضجيج: الـ 16 ملم بحبيبيّتها العضوية التي تمنح الصورة نَفَسًا وحرارةً ووجودًا ماديًّا يشعر المشاهد أنه يلمسه، والحوار المقتضب الحكيم الذي يُعلّم المشاهد كيف يسمع الصمت ويقرأ ما بين الكلمات، والكاميرا التي تتأمّل ولا تتلصّص، تُحبّ الذي أمامها ولا تستهلكه. هو يكتب بالضوء ما لا تستطيع الكلمات أن تقترب من قوله.

ما بعد الصراط
“صراط” فيلمٌ يحدث في تلك المنطقة البرزخية المجنونة والجميلة والمخيفة بين الطريق والهاوية، بين اليقين والضياع، بين الحبّ الذي يُقيَّد والحرية التي تُذعر. لاكس يمشي بنا فوق ذلك الجسر الضيّق ببطء متعمَّد، ولا يعدنا بالوصول – لأن السينما الحقيقية لا تعد بالإجابات النظيفة المُريحة، بل تضع أمامنا بعناية تلك الأسئلة التي كنا نهرب منها طوال السنين بكلّ ما أوتينا من سرعة وذكاء.
جائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان كانّ 2025 لم تكن اعترافًا بفيلمٍ جميل فحسب، بل شهادةً رسمية دوّن فيها القضاة أن الجمال حين يكون صادقًا في جوهره ومُضاءً من الداخل يُقنع حتى أكثرهم صرامةً وتحفّظًا وتشكيكًا.

أن تشاهد “صراط” هو أن تعبر الصراط، لكن الجسر لا ينتهي عند نهاية الشاشة، بل يمتدّ معك في الليل حين تُطفئ الضوء وتغمض عينيك، ولا تزال تسمع دقّات الموسيقى الإلكترونية في باطن الصحراء، ولا تزال ترى وجه لويس وهو يحمل صورة ابنته في الريح.