“خان تيولا”.. صعوبات التجربة المُختلفة

Print Friendly, PDF & Email

فيلم “خان تيولا” تجربة سينمائيَّة مُختلفة عن الوسط العربيّ فقط. وليس اختلافها في كونها تجربة فيلم رعب- مهما كان لون الرُّعب فيها-؛ فهناك تجارب عربيَّة- مصريَّة وغير- نحتْ هذا النَّحو كثيرًا في السنوات الفائتة. لكنَّ المُختلف فيها هو كونها فيلم رعب يتضمَّن معنى أو فكرة -وهذا هو الأدقّ- إنَّه ليس مُجرَّد أحداث تتوالى وحسب فقد كانت هناك فكرة تقف وراء الأحداث. هذا هو المُختلف في الفيلم الذي ألَّفه وأخرجه “وسام مدني”.

ينقسم الفيلم زمنًا إلى خطّ يدور في أربعينيَّات القرن الماضي خاصَّةً فترة الحرب العالميَّة الثانية، وآخر -وهو غالب الفيلم- يدور في زمننا الحاليّ. وكلا الخطَّيْن يدوران في مكان واحد وهو فندق باسم “خان تيولا” في مدينة العَلَمين على حدود مصر الغربيَّة الشماليَّة.

يبدأ الفيلم بفصل محشود بالانفعالات والاضطرابات في هذا الفندق تحت قذائف الحرب وأصوات المدافع وآثارها على المكان المظلم الذي يهتز. ومنذ اللحظات الأولى نتعرَّف على شخصيَّات الفندق الذي أسَّسه مغربيَّانِ. أبرزهما “فرجان” (محمود البزَّاوي) وزوجته (وفاء عامر) وابنته (زهرة الحاروفي) وابنه الصغير. ومع مشاحنات تدور بين فرجان وشريكه الآخر حول مصير هذا الفندق ورغبة الشريك في الرحيل قبل أن تهدم الحرب الفندق فوقهم، ورغبة فرجان في تعويضه عن نصيبه وانفراده بامتلاك الفندق.

في هذه اللحظات يدخل (أحمد كمال) وهو زائر غريب يطلب المَبيت عندهم لكنَّه مُختلف عنهم وظاهر عليه عدم الاكتراث بلحظات الحرب. يدفع الزائر ذهبًا مُقابل المبيت فيتفق الشريكان على أنْ يعطي فرجان الآخر هذا الذهب مقابل الفندق. لكنَّه في تلك الليلة -أو بعدها لمْ يتضح- يُقدم على قتل شريكه بلا تردُّد وفي أجواء غرائبيَّة.

ثُمَّ ننتقل إلى الزمن الحاضر لنرى الفندق في مكانه مُرتَّبًا مُنظَّمًا حتى يدخل الرَّسام “مراد” (نضال الشافعي) ويطلب المبيت ليلةً ويلحظ غرابة في تعامل موظف الاستقبال معه وهو يخبره أنَّ أقلَّ المبيت ثلاث ليالٍ. ثُمَّ نعلم من رسائل صوتيَّة أنَّه رسام يشعر من الآخرين بعدم التقدير لفنِّه وأنَّه يواجه الكثير من المشكلات في حياته المهنيَّة والعاطفيَّة. وأثناء الليلة الأولى يلتقي مراد بصاحب الفندق وزوجته وابنته وابنه -وهو دُمية- اللذين ما زالوا كما هُم لمْ يتغيَّروا بمرور السنوات. لكنَّ مراد يجد في سلوكهم جميعًا غُربة شديدة ونكتشف معًا ما السرّ فيما يجري على أرض “خان تيولا”.

فكرة “خان تيولا” تنقسم إلى فكرة محضة وحدث ينبني على هذه الفكرة. الفكرة هي رغبة الإنسان في الخلود وصراع الإنسان في سبيل تغليب رغباته هو لا رغبات الآخرين. تمثَّلتْ هذه الفكرة في اقتباس الاسم والحياة من كائن “تيولا” وهو كائن رخو، أحد أنواع القناديل التي اكتشف العلماء فيها خاصيَّة فريدة هو قدرتها على تجديد خلاياها أيْ أنَّ عُمرها طويل جدًّا بالنسبة والتناسب إلى غيرها من الكائنات. ويتحدث الفيلم عن هذه المُشابهة بين السلوك الطبيعيّ لهذا الكائن وبين رغبة الإنسان نفسه في مُجاوزة حدّ الزمن الذي هو أعظم العوائق -إنْ نظرنا له من هذه الوجهة- بين الإنسان وبين خلوده. وقد ظهرتْ هذه الفكرة ليس عن طريق اسم الفيلم -الذي هو اسم المكان أيضًا- بل عن طريق حوار طويل قام فيه فرجان بطرح فكرته على مراد وهما أمام أحواض مائيَّة بها العديد من كائن “تيولا”.

الفكرة الأخرى أو بدقَّة الحدث الذي نقل الفكرة إلى حيِّز التنفيذ -الخياليّ بالقطع- هو التعاقُد بين الإنسان الفاني وبين الشرّ أو الشيطان الذي من خلاله يستطيع الإنسان تجاوز هذه العقبة -أو التي رآها عقبةً-. وقد نفَّذ الفيلم الفكرة بحذافيرها -كما يُقال- فهناك شخصيَّة “الشيطان” أو الشرّ المُطلق “أحمد كمال”، وهناك الغاوون الذين يقعون تحت سُلطة غوايته، وهناك العقد الورقيّ -أو الجِلديّ بصورة أدقّ-، وهناك لحظة العرض التي تلتقي مع لحظات اشتياق الإنسان إلى التجربة، وهناك التوقيع الذي هو بقطرات من دم الإنسان على هذا العقد، وهناك الخداع المُستتر وراء العقد.

كلّ ما في الفكرة الحدث قد نُقل بأمانة وإخلاص ولسنا في حاجة إلى التنبيه على قِدَم هذه الفكرة منذ وجود الإنسان وظهورها -أو تشكُّلها في إطار فنيّ محدَّد- في أساطير عدَّة، وفي بعض الأعمال الأدبيَّة مثل المسرحيَّة الأيقونيَّة “فاوست” -سواء لجوته أو لكريستوفر مارلو أو لغيرهما-، وأنَّ أفلامًا كثيرة من كلّ الثقافات اقتبستها كما فعل فيلمنا.

هذا هو فيلم “خان تيولا” من حيث مبادئ القصَّة ومن حيث الأفكار. لكنْ هل كان مُوفَّقًا في تجربته الإجماليَّة؟ .. إنَّ تقييم التجربة الإجماليَّة يقتضي النظر إلى مجموع العناصر المُكوِّنة لأيّ عمل، ثمّ النظر إليها بصورة إجماليَّة أيْ بكونها وحدةً وجسدًا كاملاً. وبعد هذا وذاك النظر إليها في نطاقها الأكبر وهو سؤال القيمة: ما القيمة لما نفعل؟! لا شكَّ أن الفيلم كان تجربة مُختلفة ومُغايرة عن غيره من الأفلام المُعلَّبة المُعتادة التي يجابهنا بها الوسط السينمائيّ بصورة اعتياديَّة. وهذا وحده عنصر يُحسب له والذي يمكن التعبير عنه بالدارجة “التفكير خارج الصندوق الضيِّق”. لكنْ هل كان ضرورةً لطرح فكرة الخلود والتضامن مع الشرّ الإتيان بعناصر قصَّة تعتمد على الرُّعب؟ إنَّ أفلام الرُّعب لا تنتمي لوسطنا ولا تعبِّر عن ضميرنا ووعينا، كما أنَّ هناك أغراضًا أخرى اجتماعيَّة أو فكريَّة محضة أو فلسفيَّة حتى هي بالقطع أقرب إلى ضمير المُشاهد العربيّ من هذا اللون من الرُّعب.

وهنا لا يمكن لنا تغافُل أثر “الاختيار الفنيّ”؛ فإنَّ لكلّ فنان اختيارًا لا يمكن قمعه فيه لكنْ يمكن مُقابلته بردّ فعل موازٍ من الجمهور. إنَّ تجربة “خان تيولا” تقع بين هذه الحدود: إرادة الصنَّاع تقديم مُنتج فنيّ مُختلف، ومدى مُلائمة هذا المنتج الفنيّ المُختلف للوسط الذي يُقدَّم فيه، وما هي الضرورة المُلحَّة لاستدعاء نوع الرُّعب لتقديم ما نريد في ظلّ أنواع أخرى هي أليق بالفكرة وأليق بالوسط جميعًا.

بالعموم من حيث الفنيَّات فقد كان اختيار المكان مُوفَّقًا، وكذلك الإضاءة والألوان التي مالت جميعًا إلى اللون الأحمر صنعتْ مظهرًا جيِّدًا. لكنَّ العيب الأكبر هو الإبقاء على التقنيات المسرحيَّة في الفيلم السينمائيّ؛ فطريقة تقديم الشخصيَّات مسرحيَّة، وحركة المُمثلين مسرحيَّة -مثل حركة نضال حينما طلبت منه وفاء عامر أنْ يرسمها هي والدُّمية فتحرَّك حركةً خاطفةً للباب هروبًا ثم حركةً أخرى لأوراق الرسم-، وتوزيع الإضاءة في محلّ التصوير، وتوزيع المُمثلين في الكادر -مثل مشهد القراءات الشيطانيَّة مع شخصيَّة مراد-. كما كان الحوار المُنفرد سمةً للفيلم -مثل حوار محمود البزَّاوي لمُراد، وحوار وفاء عامر له أيضًا، وحوار أحمد كمال للبزاوي ولمراد-؛ حيث يمتدُّ كل حوار إلى عدَّة دقائق، ليس طول الحوار بل أداؤه أيضًا ونقلات هذا الأداء.

ولمْ تكنْ اللهجة المغربيَّة مُوفَّقةً على لسان “محمود البزاوي” ولعلَّها ساعدتْ على إعاقة وصول الفكرة إلى المُشاهد. كما كانت الصورة الحاسوبيَّة للفندق من الخارج -والتي ظهرت كثيرًا حتى لغرض إعلامنا بتغيُّر الزمن والذي كان من الممكن التعبير عنه دون اللجوء إليها- غير مُوفَّقةً على أقلّ تقدير. غير تأخير لحظات الكشف إلى الجزء الأخير دون تلميحات جعل بعض الأداءات مُستغربةً مثل الأداء البُكائيّ لوفاء عامر في حوارها مع نضال الشافعي.

لا نريد بالقطع أنْ نُثقل على صنَّاع العمل ولا نريد أنْ نُجهض تجاربنا الفنيَّة المُختلفة بأشياء من الممكن إصلاحها أو ترشيدها في المقبل من أعمالهم. ويكفي أنَّهم فكَّروا في تصدير شيء آخر غير الذي نراه في الوقت الذي كان أقصى ما في وسع غيرهم أنْ يأتوا براقصة وبلطجيّ ومجموعة مُدمنين! .. وقد يكون ما يأمله المُشاهد في التجارب الجديدة أنْ تكون أقرب إلى رُوحه لتكون أشدّ نجاحًا في إيصال الأفكار ومُشاركة المشاعر.

Visited 98 times, 1 visit(s) today