الجريمة بين التشويق والترسيخ في ضوء مسلسل “لعبة جهنم”
حيدر سالم
لم تزل الواقعة الواحدة تتمظهر بألوان عديدة في اتجاهات شتى كأنها ضوء ينسكب على زجاج مكسور مبعثر يملأ فضاء الحجرة ببقع الحقيقة المتطايرة. تتكرر أعمال دراما لجريمة في المنصات الحديثة حيث لا يخلو عمل من قتل أو شروع فيه إلا ما ندر. هذا التكرار يخلق تساؤلاً بديهياً هو: لماذا أعمال الجريمة؟
يعج الواقع الافتراضي هذه الأيام بالحديث عن مسلسل الممثل الرائع محمد فراج (لعبة جهنم) وهو عبارة عن حكاية مبنية على قصة حقيقية لاقت صدى واسعا في أخبار الجريمة داخل المجتمع المصري سنة 2024 للقضية رقم 1820 إداري قسم أول شبرا الخيمة و التي أقدم فيها المتهم طارق أ ع البالغ من العمر 29 على قتل طفل مدفوعاً من سمسار لبيع الأعضاء البشرية مقابل مبلغ مالي (1).
منذ مئات السنين صدح صوت أرسطو ليفك رمزاً من تلك الأحاجي اللذيذة المندافة في عجينة التاريخ المرة. يقترح المعلم الأول أن الأدب التراجيدي هو ضمادة أخلاقية- نفسية مؤقتة ترطب فؤاد المتفرج الملتاع بهمومٍ وإرهاصاتٍ يحتاج إلى تنفيسها من حين لآخر حتى لا ينفجر مثل أنبوبة، وهذه الأنبوبة لا تتخم بالغاز بل بالمأساة.
هذا الفعل هو ما سماه أرسطو(catharsis) وما يقابله بالعربية (التطهير) لكن الكلمة لا تؤدي غرضها دون تعريف لذا يُعرف المصطلح على أنه “حالة من التحرر العاطفي التي يختبرها الجمهور أثناء العرض المسرحي وبعده. وعلى وجه التحديد، رأى أرسطو أن التراجيديا تثير مشاعر الشفقة والخوف، مما يفضي إلى انفراج عاطفي يُطهّر هذه المشاعر بحلول نهاية القصة” (2).
لكل قصة بطلها الأوحد الذي تدور الموجودات حوله، وهو نحن جميعاً، وهو طينيٌ ترابي لا نوراني، قريب من تحقيق المستحيل وفي ذات الوقت قريب من السقوط بسبب عيوب سخيفة، إنه نحن وقد تجسد فوق الخشبة أو خلف الشاشة، يضحك فننفرج، يسلب النجاح بمخالبه فنظفر، يسقط فنتألم، وهذا البطل الرسول الذي ينوب عنا لا يقول بل يوحي، ولكل إشارة تأويل يناسب ما يقاسيه الفرد، فالثعبان الذي يلدغه قد يكون خيانة زوجة أو غدر صديق أو حتى خسارة ورقة يانصيب، نتحول كلنا إلى بطل فنعلو معه، وننسى للحظات عيوبه و عيوبنا متغافلين عنها لا للإنكار بل لانتظار سقوطه، نفرح بسقوطه كأنه سقط عوضاً عنّا و أعفانا من جراحنا بجراحه، إنه المسيح و قد صلب ليمنحنا الحياة.
ولكن هل هذه الأعمال الأدبية اليوم عفوية؟ ظهرت دراسات عديدة في المجلات العلمية العالمية التي تحاول تفسير هذه الظاهرة وبعض الكتب النقدية للمجتمع الرأسمالي الحديث والتي نحاول سحبها على المسلسل. في (لعبة جهنم) قاتل ومحرض على القتل، يشكل تكوين القاتل عاملان رئيسيان، الصدمة النفسية في العائلة والفقر المدقع. أما المحرض فهو يعاني من عدم توازن عصبي بسبب حادث عرضي حينما كان هو وراء مقتل صديقه الطفل حينما أراد أن يأخذ لعبته بالقوة. هل هذه الأسباب عفوية؟ ماذا تريد هذه المنصات قوله أو ترسيخه في لاوعي المجتمع؟

يذهب المفكر الإنجليزي مارك فيشر (1968-2017) في كتابه الواقعية الرأسمالية ( Capitalist Realism : is there no alternative ) إلى أن الشكل الحديث للرأسمالية العالمية هو ليس ما يحاول تصويره على أنه وحش فاغر الفم أخرق لا يعرف سوى الجشع، بل هي تعيد تدوير صورتها على أنها الأفق الوحيد للممكن (3).
يحرص النظام على تحويل المشاكل الجماعية إلى إخفاقات نفسية فردية مخلوقة من الضعف والتنشئة الخاطئة. إن العدو الخطير التي تحاول هذه الأنظمة إعادة صياغة سرديته هو الجذور التي تمتد بالفرد عميقا في التاريخ، العائلة والذاكرة الجماعية للتراث البشري الحضاري، لذا فهي تحاول أن تبرهن له أنه لا يستطيع تحقيق ذاته لا كناتج للمنظومة الاقتصادية بل كنتيجة فردية.
إن إخفاقة الفرد في تحقيق ذاته داخل سوق العمل المفتوح هو مشكلة قدرات فردية لم تتمكن لا مشكلة نظام. كيف يحقق المرء نفسه؟ بالامتلاك، هذا هو القناع الذي يخفي خلفه كلمة أصدق، الاستهلاك.يقتنص اريك فروم (1900-1988) انعكاسات المشكلة النفسية للفرد في النظام الرأسمالي بما يعيد تفكيكه من لغته اليومية فيقول لنا أن معنى وجود الفرد اليوم هو ما لديه لذا فهو يقول سابقاً (إنني حزين i am sad) أما اليوم فيقول (i have depression لدي اكتئاب)، وهذه التحولات البسيطة في التعبيرات اليومية لا تمر على فروم كتغييرات عفوية بل كنتيجة لما يعاد تسويقه لأذهاننا على أنه معنى وجودنا بالضرورة (4).
وهكذا، إذا لم يحقق الفرد نفسه لا لخلل في السوق المفتوح، بل لأنه لم (يمتلك) القدرات المناسبة للنجاح. لم تعد الأغلال تلك السلاسل الصدئة، بل هي اليوم أكثر جمالاً، لابتوب، موبايل، وحتى بنيتك الجسدية.
يعيد الفيلسوف الكوري- الألماني بيونغ تشول هان تفكيك الوجه الجميل الحداثوي للأغلال متجاوزاً مرحلة ما اصطلح عليه (المجتمع الانضباطي Disciplinary Society ) الى ما اصطلح عليه (مجتمع الإنجاز Achievement Society ). يذهب هان إلى أن المجتمع الحداثوي اليوم تجاوز تفسير الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (1926-1984) في كتابه المراقبة والمعاقبة الذي يركز فيه على تحول الأغلال القديمة الى كاميرات المراقبة التي تتحول إلى سجن نفسي او ما اصطلح عليه ( Panopticon البانوبيتكون) وهو معمار حديث للسجن حيث يكون في النزلاء مكشوفين للمراقبة بالكامل، حيث برج المراقبة والمحيط، حيث يعرف الفرد فيه أنه مراقب و يعجز عن معرفة من يراقبه، ويسعى هذا السجن إلى تطويع الجسد لا تدميره.
أما بيونغ هان فيرى أن البانوبيتكون الحداثوي هو تحويل المجتمع من السلبية إلى الايجابية، فهو يرى أن الايجابية المفرطة هي سجن الانسان الحداثوي حيث يراقب نفسه بنفسه، هو برج نفسه، هو المراقب و المعاقب، حيث تتحول كلمة ( i can do it بإمكاني فعلها ) إلى سجن محكم من توقعات الانجاز وتحقيق الذات في المجتمع الرأسمالي اليوم، لم تعد الأغلال حديداً و مكاناً بل أنت هو سجن نفسك (5). وعليه، إن عدم إنجازك هو سقوطك الفردي لعدم توافر القدرات الملائمة، و إن تحولك الى قاتل هو نتيجة عدم نجاحك في سوق العمل لتوفير الحياة الرغيدة التي تنشدها في مجتمع الإنجاز.
تعمل هذه المنصات الحديثة على إعادة إنتاج شكل الجريمة في سردية النظام العالمي وفق نظرية أرسطو في التفريغ النفسي من خلال الإسقاط الدرامي. لكنها لا تقف عند الاستهلاك الممتع للإنجذاب العاطفي المشوق بل تذهب أبعد في ترسيخ أسباباً مجحفة للحقيقة في لاوعي المتفرج. لم تكن فكرة المنصة عفوية منذ البداية في تحويل المشاهدة الجماعية للمسرح والسينما إلى اشتراك فردي منزلي على شاشة صغيرة تؤدي غرض تفريغ المشاعر الدفينة بالإنابة من غضب وخوف وعدوان وحتى الإنجاز والإخفاق. تتغذى هذه القصص بالعادة على التشويق من خلال خيوط السرد المتشابكة حول جريمة ما، وبهذا التشويق تنجلي المشاعر الدفينة خلف الترقب والتوجس والأسباب العديدة تحت وطأة تأويلات ملتبسة (6).
تحاول هذه المنصات إعادة تعليب المعضلة الجماعية بقياسات فردانية و بهذا يظهر القاتل في الحلقة الأخيرة من (لعبة جهنم) بمواجهة المحرض على أنه الشيطان، علاقة بين غاو ومغوي، لا بين قاهر ومقهور. الرأسمالية تكشف لنا المعاناة بإطار تشويقي يمكن استهلاكه على شاشة فردية ليقوم العمل الدرامي بمهمة العمل الأيدولوجي عوضاً عنا، فنستهلك “المأساة” ونحن جالسون على الأريكة.
المصادر:
1-https://www.almasryalyoum.com/news/details/4347709
2- https://www.ebsco.com/research-starters/drama-and-theater-arts/catharsis/
3-Mark Fisher, Capitalist Realism: Is There No Alternative? 2009, Zerobooks
4- Erich Fromm, To Have or To Be, 1976, Harper & Row
5- Byung-Chul Han , The Burnout society, 2010.
6- Christine Linke and Lisa Brune,Representations of Gender‐Based Violence in Platformed True Crime Narratives, 2025, Cogitatio.
