“يونج”.. في الصورة السينمائية وعلم النفس
نهى السويد
شهدت نهايات القرن التاسع عشر لحظة استثنائية في تاريخ الوعي البشري؛ ففي الوقت الذي انطلق فيه قطار الأخوين لوميير على الشاشة، كان التحليل النفسي يصوغ لغته الأولى مع فرويد.
جاء هذا التجاور الزمني بمثابة إعلان عن التقاء مسارين ينبشان في أعماق الإنسان عبر الضوء والظل، فالصالة المظلمة بما فيها من أطياف تحاكي طقس الحلم، وتمنح النفس مساحة تتوارى فيها الرقابة اليومية ليتدفق المكبوت وتطفو المخاوف والأحلام على السطح.
في هذا الفضاء المكتظ بالدلالات يأخذنا كتاب «السينما وعلم النفس» للمؤلف “سكيب داين يونج” (الأستاذ في كلية هانوفر والطبيب النفسي) في رحلة داخل هذه الصالة.
يتجنب يونج الخطاب الأكاديمي الجاف والتحذيرات التقليدية من أضرار الشاشة، ليتتبع حركة الفيلم انطلاقاً من عقل صنّاعه، مروراً بشرائط السيلولويد ثم عقول المشاهدين، وصولاً إلى أثره في سلوكنا اليومي.
هنا تبرز قيمة هذا العمل وهذه التوجهات القادرة على فتح حوار حي بين الفن والطب، ذلك على الرغم ما يعتري هذا المسار من احتمالات كبوات منهجية وتناقضات فكرية تستحق التوقف عندها أيضاً.
تستند الأطروحة المركزية في هذا الكتاب إلىأن الشريط السينمائي ظاهرة حية في الذهن البشري بمراحله كافة؛ فهو ينبع من عقول صناعه، ويجسد أفعالاً ذات حمولة نفسية، ليستقر في عقول مشاهدين يتفاعلون، يفكرون ويشعرون.
لشرح هذا التفاعل، يصوغ يونج “الإطار الرمزي لعلم نفس الفيلم” وهو نموذج رباعي الأبعاد يستوعب الديناميكية التفاعلية للظاهرة السينمائية عبر ربط مبدع وصانع الرمز بالرمز نفسه، ثم بمتلقيه، وأخيراً بأثره في العالم الواقعي .
يبدأ المكون الأول بمبدع الرمز، من مخرجين وكتاب وممثلين يجلبون إلى الشاشة صراعاتهم اللاواعية وأنماط سلوكهم، بينما يأتي المكون الثاني وهو الرمز ذاته: الفيلم في كيانه المادي والسردي المكون من صور وأصوات تتآلف عبر المكان والزمان. بينما يتمثل المكون الثالث في متلقي الرمز، أي الجمهور الذي يدرك الصور، ويستوعب السرد، وتستثار مشاعره، ويؤول العمل.
أما المكون الرابع فيتجسد بالفعل والأثر في العالم الواقعي، وهو المجال الذي تؤدي فيه الأفلام وظائف سلوكية وتطورية تمتد إلى حياة الأفراد والمجتمعات.
وفي هذا السياق، يستلهم يونج أفكار “روبرت ستيرنبرج“ حول “علم النفس الموحد” بهدف التقريب بين المناهج المتنابذة تاريخياً، هنا تتبدى مكامن القوة في الطرح الشجاع للكتاب؛ إذ ينجح المؤلف في إقامة وصل مفاهيمي بين علوم الإنسانيات والنقد الأدبي من جهة، والعلوم الاجتماعية والسلوكية القائمة على التجربة والملاحظة العملية من جهة أخرى.
ففي الوقت الذي تنغلق فيه المدارس التفكيكية والنسوية والماركسية على تأويل النصوص دون الالتفات إلى المشهد الواقعي، تغرق الأبحاث السلوكية التجريبية في اختزال الفيلم إلى متغير كمي يفقد العمل قيمته الجمالية.
يبرع الكاتب في وضع مفاهيم التحليل النفسي المعقدة مثل “قلق الخصاء“ عند لورا مولفي جنباً إلى جنب مع القياسات العصبية الوظيفية التي ترصد نشاط اللوزة الدماغية أثناء المشاهدة، مما يمنح القارئ رؤية مزدوجة نادرة في الأدبيات المتخصصة .
غير أن هذا الجمع يوقع العمل في تعارض معرفي، توتر إبستمولوج يربك اتساقه الفلسفي؛ فهو يحاول الدمج بين مدارس تنطلق من مقدمات متضادة،فيجمع بين التحليل النفسي عند “لاكان” والنقد النسوي القائم على مفاهيم ما بعد الحداثة، وبين المعرفية السلوكية والنيوروسينما القائمة على الوضعية التجريبية.
تنفي المدارس التفكيكية والنسوية وجود حقيقة موضوعية ثابتة وتتعامل مع النص بوصفه مساحة لتأويلات متغيرة، في حين تؤمن الأبحاث المعرفية بوجود واقع قياسي وقوانين سلوكية كليّة قابلة للتكرار والتعميم.
يتنقل التحليل هكذا بين التفكيك المستمر وطلب اليقين التجريبي دون تقديم حسم فلسفي يوضح كيفية تعايش هذه النقائض داخل نموذج واحد، مما يجعل البناء الذي شيده الكاتب يتأرجح بين نسبية التأويل وصرامة التجربة العملية.
عندما يتناول “يونج” كيفية قراءة الفيلم بنشاط رمزي، يتدرج من المقاربات السطحية المتمثلة في تحليل المضمون الكمي لظواهر العنف والجنس، وصولاً إلى الاستعانة بـ “مدرسة الشك” المنهجية التي أرساها “بول ريكور” لتفكيك المعاني المستترة خلف الصور الظاهرة.
بينما تعتمد “القراءة الفرويدية” في العمل على معالجة الشريط الفني كحلم يجسد الصراع بين الهو والأنا والأنا العليا والآليات الدفاعية الضاغطة؛ حيث ينكشف في فيلم (ساحر أوز) رحلة نكوص مراهقة تسعى لحل أزماتها “الأوديبية” مع سلطة الأبوة. ويفكك فيلم (البريق) لـ “ستانلي كوبريك” قلق الغرابة، واستدعاء نزعات المكبوت الذكوري.
في المقابل، تجد في فيلم (حرب النجوم) بحسب نظرية العالم النفسي “يونغ” بيئة خصبة لتجسيد اللاوعي الجمعي والأنماط الأولية كالبطل “لوك سكاي” والحكيم “أوبي وان يودا” والظل “فيدر دارث”.
كما يستعير الكاتب مفاهيم “لاكان” و”مولفي” لتفكيك التلصص والتشييئ وعلاقات القوة المتبلورة في مفهوم “التحديق” المنحازة جنسانياً عبر سينما “ألفريد هيتشكوك” كما في فيلم (دوار). 
تظهر جودة الطرح وسلاسته في قدرة الكاتب على سحب المفاهيم النفسية المجرَّدة ليدخلها في شريان المشهد السينمائي، مستنداً إلى جَرد فني غني يعيد قراءة الأعمال الجماهيرية بعمق تحليلي سلس. ومع ذلك، يقودنا التحليل النقدي السينمائي إلى رصد ثغرة جوهرية؛ إذ يقع المؤلف في السهو الذي وقع به معظم المحللين النفسيين بتمحورهم حول الحبكة والنص المكتوب على حساب اللغة البصرية والسمعية للسينما.
ينظر الكتاب للفيلم كقصة وحوارات بين شخصيات، حارماً النقد السيكولوجي من أدواته الجمالية الأصيلة، فالسينما ليست سيناريو مطبوعاً؛ والتحليل النفسي المكتمل يتطلب تفكيكاً لهندسة الكادر، وزوايا الكاميرا، وإيقاع المونتاج أو التصميم الصوتي؛ إذ إن الإضاءة القاتمة أو زاوية التصوير المنخفضة ـ على سبيل المثال ـ تخلقان لدى المشاهد شحنة انفعالية وتوتراً نفسياً يسبق الحوار ويتجاوزه، إن تغافل الكاتب عن هذه الأدوات يفرغ العمل الفني من شحنته الجمالية ويحوله إلى حالة دراسية مكتوبة.
يمضي الكتاب نحو مسح تاريخي وتجريبي لصور المرض النفسي وأطباء الأمراض النفسية على الشاشة، وينجح الكاتب في تفكيك الأنماط المشوهة التي حصرت المريض النفسي في صور القاتل المهووس، أو المستنير الحر، أو الغاوية الشهوانية، أو الطفيلي النرجسي
في المقابل، يقدم قراءة متعمقة لأعمال سينمائية قدمت نماذج مرضية، مثل اضطراب “الأمفيتامين“ في فيلم (مرثية حلم)، والشخصية الحدية في فيلم (انجذاب قاتل) والشرود الانفصالي في فيلم (باريس تكساس) والتجسيد الإدراكي العالي للفصام والأوهام الهذيانية في فيلم (عقل جميل) .
وعلى مستوى تمثيل المعالجين، يرصد الكتاب أنماطاً تتنوع بين الطبيب المضحك، والشرير، والرائع، والمعالج العليل ، والطبيب المنتهك جنسانياً، متصدياً ببراعة لخرافة التطهير الفوري والشفاء المفاجئ بمجرد انكشاف السر المكبوت، موضحاً أن العلاج الواقعي عملية تراكمية قائمة على الزمن، الصبر والمثابرة .
يسهم الكاتب في تصحيح المفاهيم الشائعة ومواجهة التنميط، لكن هذه المقاربة تسقط أحياناً في فخ النظرة التعليمية المدرسية التي تحاكم الدراما بمعايير الأدلة التشخيصية الطبية، إذ لا ينبغي معالجة الشريط الروائي بوصفه تقريراً طبياً تشخيصياً أو حالة دراسية، فالسينما تتغذى على التكثيف والرمزية والمبالغة الجمالية.
إن مطالبة السينمائي الالتزام بالبروتوكولات الطبية تسلب الفن حقه في استخدام المرض كاستعارة للتعبير عن مآزق وجودية وفلسفية أوسع.
ينتقل التحليل من المنتَج إلى المنتِج عبر منهج تحليل “السيَر الذاتية”، رابطاً أزمات المخرجين الذاتية بأسلوبهم الفني عبر نظرية المؤلف.
يرجّح يونج قلق السلطة لدى “هيتشكوك” إلى واقعة احتجازه الوجيز في طفولته داخل قسم شرطة المنطقة بأمر من والده الصارم، ويرى في النشأة الكاثوليكية “لسكورسيزي” ومعيشته في حي “ليتل إيتالي” محركاً لتيمات الذنب والخلاص في (سائق التاكسي)، متتبعاً التحول النمائي لدى “أكيرا كوروساوا” نحو التأمل الروحي في أفلام شيخوخته كفيلم (أحلام)، وتمتد هذه المقاربة لتشمل سيكولوجية التمثيل والتمثيل المنهجي الذي يستدعي الخبرات الذاتية والصدمات الشخصية للممثل.
ينزلق الكتاب في هذا الفصل إلى التبسيط في تحليل السير النفسية، المعروف بـ “السيرة المرضية” (Pathography) فيمثل اختزال رؤية “هيتشكوك” البصرية المعقدة وهواجسه في حادثة احتجازه شططاً تحليلياً يفتقر إلى البراهين التاريخية المباشرة ويهدر التراكم الثقافي للفيلم. وتبدو المآخذ أكثر وضوحاً عند اعتماد يونج على سِيَر صحفية تجارية غير موثوقة أكاديمياً لتفسير سلوك النجوم، كالسير التي قدمها “أندرو مورتون” في قراءته للميول المتمردة عند “أنجلينا جولي” أو نوبات غضب “جاك نيكلسون”.
إن تغذية المنهج النفسي بالشائعات وأخبار الفن الصحفية يهوي بالتحليل إلى مستوى السيكولوجية الاستعراضية، مما يضعف الرصانة الأكاديمية للدراسة.
يوصل يونج تفاعل المتلقي مع الشاشة عبر أبعاد متعددة؛ يبدأ من اللحظة المعرفية وإدراك الحركة الظاهرية والمخططات المعرفية لحل ألغاز السرد المعقد كما في فيلم (إشراقة أبدية لعقل نظيف) أو التبادل الزمني في فيلم (تيتانيك)، ثم ينتقل إلى تأثيرات الإعلام السلوكية وظاهرة محاكاة الجرائم ونظرية التعلّم الاجتماعي والتهيئة السلوكية عبر تجربة (الدمية بوبو) للعالِم النفسي “ألبرت باندورا” ، ويتوج الكاتب هذا المحور باستلهام أفكار “كينيث بريك” و”دان ماك آدامز” للتعامل مع القصص الخيالية كـ وسائل للعيش تعين على محاكاة الخبرة الاجتماعية وتشكيل الهوية.
يعيد يونج صياغة موقع المشاهد مدركاً أنه ليس ضحية سلبية للرسائل الضارة، وإنما يمتلك وعياً ذاتياً فاعلاً يستثمر الشريط السينمائي لإدارة مزاجه، وبناء هويته، وتسهيل التعلم الحياتي. 
يفتح هذا الفهم أبواباً واسعة للاستفادة من العلاج بالسينما (Cinematherapy) وعلم النفس الإيجابي لبناء الفضائل الإنسانية.
لكن هذه الأطروحة تنغلق في مركزية ثقافية هوليوودية غربية، إذ تتأسس العينات والأمثلة التحليلية في المتن على إنتاجات هوليوود ومشاركين من الثقافة الغربية، تتجاهل هذه النماذج الخصوصيات الثقافية لجمهور الشرق الأوسط أو آسيا؛ حيث تتشكل استجابة المشاهد عبر الصدمات الجمعية، والذاكرة التاريخية، والمآزق السياسية والاجتماعية.
إن التلقي السينمائي في المجتمعات غير الغربية يتحول إلى ساحة للمقاومة الثقافية، وإعادة بناء الوعي الجمعي، والبحث عن الهوية الجماعية، وهو أفق يغيب عن نموذج يونج القائم على الفردانية الاستهلاكية الغربية.
يقدم كتاب «السينما وعلم النفس» خريطة موسوعية تجسد ثراء العلاقة بين الشاشة والذهن الإنساني.
إن القيمة الحقيقية للعمل تكمن في شجاعته المفاهيمية لربط التحليل النصي بالعلوم المعرفية، وإعادة الاعتبار لقدرة الجمهور على صناعة المعنى.
يظل العمل بمثابة دليل إرشادي يفتح المجال ولا يغلقه؛ نظراً لما يعتريه من توترات منهجية بين البنيوية والوضعية التجريبية، والانزلاق نحو السيرة المرضية المعتمدة على السير التجارية، والمحدودية الناتجة عن الانحياز لهوليوود وتهميش التفكير البصري الشكلي.
