“هامنت”: الشمعةُ التي أضاءَت هاملت بانطفائِها

حين تُولَد هاملت من جرحٍ لا يُسمَّى، وحين يَكتُبُ الأبُ ما عجزَ عن البكاء عليه، وحين تُدركُ الأمُّ أنَّ الفنَّ كانَ قبرَ ابنِها وبعثَهُ في آنٍ واحد.

“ثمةُ أفلامٌ تأتيك خلسة كالداء، لا تطرقُ الباب، تتسلَّلُ في الهواءِ وبين ثنايا الصمتِ، حتى تجدَ نفسَكَ مصاباً بها قبلَ أن تدركَ أنَّها لامستك”.

اللقطةُ الأولى: امرأةٌ في فستانٍ أحمر تحتَ شجرة

حينَ تُفتحُ عيونُ الكاميرا في بداية فيلم “هامنت” Hamnet، لا ترى الأرضَ من مستواها، بل تنظرُ إليها من أعلى — من مستوى الطيور، من مستوى القدَر. وهناك، في القلبِ الأخضر لغابةٍ إنجليزية تكاد تتنفّس، تنامُ أجنيس في فستانِها الأحمر وسطَ عشبٍ يُطوّقُها كما تُطوّقُ الأرضُ بذرتَها. ليست هي من نامت في الغابة، بل الغابةُ هي من ابتلعتها وأبقَتها، كما تحتفظُ الأرضُ بسرٍّ تُريد أن تتكلّم عنه لكنّها لا تجدُ اللغة المناسبة.

هذه اللقطةُ من أعلى، التي تعودُ إليها كلوي تشاو في نهاية الفيلم في مرآةٍ دراميةٍ مذهلة، ليست مجرَّد اختيارٍ جمالي. إنَّها تأسيسٌ لفلسفةٍ كاملة: أجنيس ليست شخصيةً تعيشُ في الطبيعة، بل هي جزءٌ بُضعيٌّ من الأرض ذاتها، كأنَّ الغابةَ أنجبتها في يومٍ من الأيام وأعادتها إلى حضنِها في كلِّ مرةٍ ينكسرُ فيها القلب. وما سيفعلُه الفيلمُ في ساعتَيه وستٍّ وعشرين دقيقةً هو أن يرسمَ بصدقٍ يُشبهُ الجرحَ المفتوح المسافةَ الهائلةَ بينَ تلك المرأةِ الراقدة في الغابة في بداية الرحلة، والمرأةِ الواقفة في مسرح “غلوب” في لندن وهي تُدركُ لأوَّلِ مرةٍ أنَّ حُزنَها كانَ قد وُلِدَ من جديد على الخشبة.

فيلمُ “هامنت” هو في جوهرِه سؤالٌ واحد: حينَ يموتُ الطفل، ماذا يبقى منه؟ يقولُ الفيلمُ بجرأةٍ شعريةٍ نادرة: يبقى في كلِّ ما يُحبُّه الأحياءُ من بعدِه، في تراب الأرض التي تمشي عليها أمُّه، وفي كلماتِ المسرحيةِ التي كتبَها أبوه.

أجنيس: هي ابنةُ الغابةِ التي علّمها الحزنُ أن تقِف، امرأةٌ يعيشُ جسدُها بسرعةٍ أسرعَ من الزمنِ، وروحُها بعمقٍ يفوقُ ما يُطيقُه أي عصر.

يُقالُ عن أجنيس في القرية إنَّها ابنةُ ساحرة الغابة. والناسُ حينَ يُسمّونَ شيئاً “سحراً” فإنَّهم يعترفونَ في الحقيقة بأنَّهم لا يفهمونَه. أجنيس امرأةٌ تقرأُ الكونَ بطريقةٍ مختلفة: تنظرُ إلى جلدِ الإنسانِ لتقرأَ ما تحتَه، تُربّي الصقورَ وتُطلقُها وتنتظرُ عودتها، وتجمعُ في يدَيها الطبيعةَ الوثنيةَ والحنانَ الأمومي في مزيجٍ يشبهُ الأرضَ حينَ تُمطرُ عليها السماء: لا تنفصلانِ، بل تصيرانِ شيئاً ثالثاً لا اسمَ له.

جيسي باكلي في هذا الدورِ تُقدِّمُ ما يُشبهُ المعجزةَ الأدائية. ليس لأنَّها تبكي بشكلٍ جيِّد — فالبكاءُ أيسرُ ما في المهنة، بل لأنَّها تملأُ الصمتَ بما هو أثقلُ من الكلام. كلُّ تغيُّرٍ طفيفٍ في وجهِها، تلك الحركةُ الخفيةُ في فكِّها حينَ تكظمُ غيظاً، وذاك المدُّ البطيءُ في عينَيها حينَ يتكشَّفُ لها شيءٌ كانَ محجوباً، يحمل من تاريخِ هذه المرأة ما لا يستطيعُ الحوارُ بألفِ سطرٍ أن يقولَه.

المشهدُ الأكثرُ وحشيةً وجمالاً في آنٍ واحد هو الولادةُ في العاصفة: أجنيس تُنجبُ التوأمَيْنِ وحدَها والماءُ يتسلَّلُ تحتَ الباب والعاصفةُ تضربُ الجدرانَ من الخارج. هذا المشهدُ ليسَ توثيقاً للألمِ الجسدي، بل هو استعارةٌ ضخمةٌ للوضع الوجودي لأجنيس كلِّه: تُعطي الحياةَ بمفرِدها، بينَما العالمُ يعصفُ من الخارج ولا أحدَ يدقُّ الباب.

التراب الذي لا يفارقُ يدَيها وتحت أظافرِها وعلى حافَّة وجهِها، اختارَه الفيلمُ عمداً ليس ليقولَ إنَّها لا تغتسلُ، بل ليقولَ إنَّها لا تنفصلُ. لا تنفصلُ عن الأرض التي تمشي عليها، عن الطعام الذي تُجهِّزُه، عن الأطفالِ الذين تُربِّيهم. أجنيسُ امرأةٌ حاضرةٌ بكلِّ جلدِها في كلِّ لحظة، وهذا الحضورُ الكاملُ هو بالضبط ما يجعلُ غيابَ هامنت فجوةً لا يُردمُها تراب.

وحينَ يموتُ هامنت، لا تنتهي أجنيس، لكنَّها تتكسَّرُ وتبقى. مثلَ إناءٍ من الخزفِ وقعَ على الحجر: لا يتبعثرُ بعيداً، بل يتحطَّمُ في مكانِه ويبقى يحملُ شكلَه القديمَ في صورٍ مكسورة. وجيسي باكلي تُجسِّدُ هذا التحطُّمَ الذي يبقى واقفاً بحيثُ تُشعرُكَ أنَّكَ تنظرُ إلى حزنٍ حقيقيٍّ لا إلى أداءٍ عن الحزن.

ويليام (ويل) شكسبير: الجرحُ الذي تعلَّمَ أن يكتُب.

شابٌّ يحملُ ندوبَ أبيهِ على جلدِه ويحملُ لندنَ في عينَيه قبلَ أن يصلَها.

نرى ويل شكسبير لأوَّلِ مرةٍ يُطلُّ من نافذةٍ متَّسخة، والحزنُ في عينَيه كالضبابِ في صباحِ شتاءٍ انجليزي: لا تراه بوضوح، لكنَّكَ تُحسُّه في كلِّ ذرَّةٍ من الهواء. هو رجلٌ لا يزال يحملُ على جسدِه ندوبَ عنفِ أبيه، وفي عينَيه يحملُ حلماً أكبرَ من سقفِ ستراتفورد أبون آفون. وبينَ الندوبِ والحلم تقعُ رحلتُه كلُّها.

بول ميسكال يُقدِّمُ ويل كما يُقدِّمُ البحرُ القاعَ الذي في أسفلِه: الظاهرُ موجةٌ ولقاءٌ وإغراء، والباطنُ عمقٌ لا يُقاس. الكيمياءُ بينَه وبينَ باكلي في لحظاتِ الحبِّ الأولى هي من تلك الكيمياءِ النادرة التي لا يُمكنُ كتابتُها في سيناريو؛ إنَّها إمَّا موجودةٌ في اللحظة أو ليست موجودة، وهي هنا موجودةٌ بكلِّ ثقلِها.

المأساةُ الكبرى في شخصيةِ ويل ليست موتَ ابنِه فحسب، بل تلك المسافةُ التي وضعَها بينَ نفسِه وبينَ حياتِه: يختارُ لندنَ على ستراتفورد، ويختارُ الكلماتِ على الحضور، ويختارُ أن يكونَ عبقريَّ الأجيالِ القادمةِ عوضاً عن أن يكونَ الأبَ الذي كانَ هامنت يحتاجُه اليوم.

وحينَ يموتُ هامنت، لا يبكي ويلُ بالطريقةِ التي تبكي بها أجنيس. ويل يهربُ — ليسَ جُبناً بالضرورة، بل لأنَّه لا يملكُ اللغةَ التي يستطيعُ بها أن يعيشَ ذلك الحزن مباشرةً وجهاً لوجه. فيصنعُ لهُ لغةً أخرى: يكتبُ هاملت. يُحوِّلُ الغيابَ إلى نصٍّ مسرحي، ويُحوِّلُ الصمتَ إلى خطابٍ شعريٍّ سيظلُّ يُتلى بعدَ أربعةِ قرون. هذا ليسَ فراراً من الحزن، بل هو أكثرُ أشكالِ الحزنِ انتماءً إلى طبيعةِ ويل: رجلٌ يفهمُ العالمَ بالكتابة لا بالبكاء، يعيشُ المأساةَ بجعلِها فناً لا بجعلِها دموعاً.

هامنت: طفلٌ يحملُ في عينَيه الصغيرتَيْن حكمةً أكبرَ من سنِّه بكثير، وبراءةً أكبرَ مما يُطيقُ الطاعون.

اسمُ هامنت لا يفارقُك في هذا الفيلم حتى بعدَ أن ينتهي. ليسَ لأنَّه يظهرُ طويلاً على الشاشة، بل على العكس، إذ يُدركُ الفيلمُ أنَّ الغيابَ أعمقُ حضوراً من الحضور، بل لأنَّ جاكوبي جوب يُقدِّمُ طفلاً يبدو أنَّه يعرفُ شيئاً لا يعرفُه الكبار: يعرفُ أنَّ الوقتَ أثمنُ ممَّا نحسبُه.

الرابطةُ بينَ هامنت وأختِه التوأم جوديث، التي تُجسِّدُها أوليفيا لاينز، هي الرابطةُ التي تصفُها اللغةُ العربيةُ بـ”توأمي الروح”: خيطٌ خفيٌّ يربطُهما يعجزُ عن تفسيرِه علمُ الجينات. حينَ تُصابُ جوديثُ بالطاعون، يُمرِّضُها هامنت بيدَيه وبكلِّ جسدِه ولا يبارحُها، يُؤثرُها بصحَّتِه دونَ أن يفكِّرَ لحظةً واحدة. كأنَّه يعرفُ سرَّ الصفقة، ويوافقُ على شروطِها.

مشهدُ موتِ هامنت هو من أكثرِ المشاهدِ التي رصدَها النقَّادُ في هذا العقد: يبنيه لوكاش زال بإضاءةٍ خافتةٍ كأنَّ الغرفةَ تتنفَّسُ معَ الطفلِ ثمَّ تتوقَّفُ عن التنفُّس معَه، ويحملُه جاكوبي جوب بطيفٍ كاملٍ من المشاعرِ يتحرَّكُ كالموجةِ من الصمتِ الهادئِ إلى الفزعِ الخالصِ ثمَّ إلى السكون الأبدي.

ما يجعلُ هامنت شخصيةً خالدةً في ذاكرةِ المُشاهد ليسَ موتُه، فالأطفالُ يموتونَ في أفلامٍ كثيرة، بل تلك المفارقةُ التي تحملُها قصَّتُه: اسمٌ صغيرٌ لطفلٍ صغيرٍ في قريةٍ صغيرة، حرفٌ واحدٌ يفصلُ بين حروف اسمه والشئ الذي سيجعلُه أبوه أشهرَ مسرحيةٍ في تاريخِ الإنسانية.

“هامنت” ، “هاملت”: حرفٌ واحدٌ يفصلُ بينَ الحياةِ والفن، بينَ الفقدِ الشخصيِّ والموروثِ الإنساني.

الحزنُ بلسانَيْن مُتعاكسَيْن: حينَ تتباعَدُ الجروحُ المشتركة

يُنجزُ “هامنت” ما تعجزُ عنه معظمُ أفلامِ الحزن: يُريكَ أنَّ الفقدَ الواحدَ يمكنُ أن يُعاشَ بطريقتَيْن متعاكستَيْن تماماً، وأنَّ كلَيهما صحيحٌ وكلَيهما وحيد. أجنيس تُعانقُ حزنَها كما تُعانقُ الأرضُ البذرةَ المتعفِّنة: بكلِّ ثقلِها وبكلِّ وجودِها، دونَ أن تُحوِّلَه إلى أيِّ شيءٍ آخر. ويل يُحوِّلُ حزنَه إلى لغةٍ لأنَّ اللغةَ هي الطريقةُ الوحيدةُ التي يعرفُ بها أن يكونَ حيَّاً.

حينَ يعودُ ويل إلى ستراتفورد في اليومِ التالي لموتِ هامنت، وقد أسرعَ قدرَ ما تسمحُ له المسافةُ، تُواجهُه أجنيس بغضبٍ لا تجدُ فيه أجنيس نفسُها مخطِئة. غضبُها ليسَ تجاهَ ويل الرجلِ الحاضرِ أمامَها، بل هو غضبٌ تجاهَ كلِّ المراتِ التي كانَ فيها ويل غائباً. الغيابُ الواحدُ الذي لا تستطيعُ مسامحتَه هو ذاك الغيابُ المتراكمُ كلَّه.

لعلَّ أوجعَ ما في الفيلم هو ذلك الصمتُ المديدُ بينَ الزوجَيْن بعدَ الموت: ليسَ لأنَّهما لا يُحبَّانِ بعضَهما، بل لأنَّ كلاً منهما يُقيمُ في جزيرةِ حزنِه المستقلَّة ولا يملكُ قارباً يُعبِّر به إلى الجزيرةِ الأخرى.

وهنا تكمنُ عظمة الفيلم وصُنّاعه: لا يحكم أيٍّ منهما. لا يُجرِّمُ ويل لأنَّه غادرَ، ولا أجنيس لأنَّها رفضَت أن تفهمَ. كلاهما يُعاني وكلاهما أخطأ وكلاهما إنسانيٌّ إلى أقصى ما يُعني “إنساني”. الفيلمُ يقفُ جانبَهما معاً ويُتيحُ لنا أن نحكمَ بأنفسِنا — أو الأحكمُ منَّا أن لا يحكمَ.

الأرضُ والضوءُ والصوت: حينَ تُصبحُ الغابةُ شخصيةً درامية

لوكاش زال- مصوِّرُ “الحربِ الباردة” و”إيدا” للمخرج بافل بافليكوفسكي- يُعيدُ هنا اختراعَ نفسَه بلونٍ مختلف. أسلوبُه في “هامنت” يجمعُ بينَ خشونةِ التربةِ الإليزابيثيةِ ورهافةِ الضوءِ الذي يتسلَّلُ من بينِ أشجارِ الغابةِ كما تتسلَّلُ الحقيقةُ من بينِ الكلمات: ببطءٍ وببعضِ الخوف وببعضِ الجمال.

في النصفِ الأوَّلِ من الفيلم، حيثُ الحبُّ الأوَّلُ والحياةُ الجديدة، يتحوَّلُ تصويرُ الغابةِ إلى لوحةٍ حيَّة: الضوءُ يُنقِّطُ الأوراقَ ويُحوِّلُها إلى فسيفساءٍ من الزمردِ والذهب، وأجنيس تمشي فيها كما تمشي الإلهةُ في معبدِها. ثمَّ حينَ يأتي الطاعون، يبدأُ هذا الضوءُ بالانسحاب تدريجياً كما ينسحبُ المدُّ عن الشاطئ قبلَ موجةٍ عاليةٍ مُدمِّرة.

ثمَّةَ تكرارٌ بصريٌّ يبنيه زال بدقَّةٍ المهندسِ وروحِ الشاعر: نفقٌ مظلمٌ في جذرِ شجرةٍ عجوز يظهرُ بشكلٍ متكرِّر في الفيلم- نفقٌ لا نهايةَ مرئيَّةً له- وكأنَّ الطبيعةَ ذاتَها تنتظرُ لتقولَ شيئاً لا تُريدُ أجنيس أن تسمعَه.

التصميمُ الصوتيُّ لجوني بيرن الحائزِ على الأوسكار عن عملِه المُرعِبِ الجميل في “منطقةِ الاهتمام”، يتعاملُ مع الفيلم كما يتعاملُ المؤلِّفُ مع السيمفونية: لكلِّ عنصرٍ طبيعيٍّ صوتٌ درامي خاص. حفيفُ الأوراقِ ليسَ خلفيَّةً، بل نبضُ الغابة. رشُّ المطرِ ليسَ تأثيراً جوِّياً، بل دموعُ السماء التي تنوبُ عن الشخصياتِ حينَ تتصخَّرُ الدموعُ بداخلِها.

وفوقَ كلِّ ذلك، يبسطُ ماكس ريختر موسيقاهُ كالقماشِ الحريريِّ تحتَ ما يُقالُ وما لا يُقال. موسيقاهُ لا تُخبرُكَ كيفَ تشعرُ، كما تفعلُ موسيقى كثيرةٍ تُمليكَ مشاعرَها وتُجبرُكَ عليها، بل تفتحُ لكَ مساحةً عاطفيةً فسيحةً وتقولُ لكَ: اشعر بما يناسبُك. وتوظيفُه لـ”في طبيعةِ النهار”، تلك المقطوعةِ التي استخدمَها دينيس فيلنوف في “وصول” في مشهدٍ عن موتِ طفل، ليسَ استعارةً ثقافية بل مصافحةٌ بينَ حزنَيْن من الفنِّ لا يجمعُهما إلَّا أنَّ الطفلَ في الفيلمَيْن يموتُ قبلَ أن يعيش.

المسرحُ داخلَ المسرح: حينَ يَقلبُ هاملت أقدارَ هامنت

في الثلثِ الأخيرِ من الفيلم يحدثُ الشيءُ الذي يُحوِّلُ “هامنت” من فيلمٍ جميلٍ عن الحزن إلى تجربةٍ سينمائيةٍ باقية: أجنيس تُسافرُ إلى لندن للمرَّةِ الأولى في حياتِها، تدخلُ مسرحَ “غلوب” ولندنَ في آنٍ واحد، وهي مُثقَلةٌ بسنواتٍ من الغضبِ والحزنِ والشعورِ بأنَّ زوجَها سرقَ اسمَ ابنِها ليُحوِّلَه إلى عرضٍ مسرحي.

وحينَ تقفُ في مقدَّمةِ الصفوف وتبدأُ “هاملت” أمامَ عينَيها، يحدثُ ما لم تتوقَّعْه ولم تتوقَّعْناه نحنُ معَها: أجنيس تُدركُ أنَّ ويل لم يستغلَّ هامنت، بل انعكسَ. ويل لا يلعبُ دورَ الأبِ الحيِّ على الخشبة. ويل يلعبُ دورَ الطيفِ، الأبُ الميِّت الذي يتكلَّمُ إلى ابنِه الحيِّ. في الواقعِ، الابنُ هو من مات. في المسرحية، الأبُ هو من مات. ويل قلبَ المأساةَ رأساً على عقب: جعلَ الميِّتَ نفسَه في المسرحيةِ كي يُبقيَ ابنَه حيَّاً.

هذه اللحظةُ، حينَ تُدركُها أجنيس وتُدرِكُها معَها وجيسي باكلي تُجسِّدُ هذا الإدراكَ بوجهٍ تنهارُ فيه جميعُ الجدرانِ الداخلية — هي من أعمقِ ما أنجزَه فيلمٌ في مرحلةِ ما بعدَ الألفية. ليسَت عاطفةً مُصطنَعة بل حقيقةٌ تنكشفُ: الفنُّ لم يكن هُروباً من الحزن، بل كانَ الطريقةَ الوحيدةَ التي يعرفُها ويل كي يُخبرَ ابنَه أنَّه لم يكن يريدُ أن يموت.

ولوكاش زال يُوظِّفُ هنا تلك اللقطةَ من أعلى التي افتتحَ بها الفيلم، أجنيس في الغابة، في فستانِها الأحمر، من أعلى، لكنَّه يُكرِّرُها الآنَ على الخشبة من أعلى المسرح. المرأةُ التي كانَت وحيدةً في طبيعةٍ بلا اسم صارَت الآنَ تقفُ في قلبِ المدينةِ وفي قلبِ اللغة. والغابةُ والمسرحُ تشتركانِ في شيءٍ واحد: كلتاهما مكانٌ تتجلَّى فيه حقيقةٌ يعجزُ الواقعُ العادي عن حملِها.

كلوي تشاو: البصرُ الأنثويُّ في قلبِ أعتى الملاحمِ الذكورية

قرارُ كلوي تشاو باختيارِ هذه القصَّة ليسَ محايداً. هي التي صنعَت “نوماد لاند” — أشدَّ أفلامِها إنسانيةً وأكثرُها صمتاً، تأتي هنا إلى أسطورةِ شكسبير، الأسطورةِ الذكوريةِ الأكثرِ إجلالاً في تاريخِ الأدبِ الإنجليزي، وتُقرِّرُ بهدوءٍ ثوريٍّ أن تضعَ الكاميرا خلفَ أجنيس لا خلفَ ويل.

ويل يغادرُ الإطارَ كثيراً، إلى لندن، إلى الكتابة، إلى حياتِه الثانية، لكنَّ الكاميرا لا تغادرُ أجنيس قطّ. الكاميرا صبورةٌ كالتربةِ التي تُقيمُ فيها أجنيس، وقريبةٌ من وجهِها قرباً يُشعرُكَ أحياناً بأنَّكَ تتنفَّسُ هواءَها. هذا الاختيارُ الجذريُّ يُعلنُ شيئاً: قصَّةُ شكسبير التي حفظَها التاريخُ هي قصَّةُ الرجلِ الذي كتب. القصَّةُ التي أرادَت تشاو أن تُسرِّيَها هي قصَّةُ المرأةِ التي عاشَت ما كتبَ عنه.

أجنيس هي أوَّلُ قارئةٍ لهاملت، بل هي قبلَ ذلك: أجنيس هي الكتابُ ذاتُه. وحينَ ينتهي “هامنت” ويرتفعُ عنكَ ثقلُه ببطء، تبقى معَكَ ليسَ لقطةً بعينِها ولا جملةً محدَّدة، بل تبقى معَكَ شعورٌ يشبهُ ما يتبقَّى من الترابِ تحتَ الأظافرِ بعدَ يومٍ في الحديقة، شيءٌ حقيقيٌّ لامستَه يداكَ.

كلوي تشاو أنجزَت هنا فيلماً يُصادرُ منكَ حقَّ أن تكونَ مُتفرِّجاً. تجعلُكَ حاضراً، بكلِّ ما في الحضورِ من نعمةٍ وثِقَل. وحينَ تُفكِّرُ في أجنيس الواقفةِ أمامَ هاملت وتُدركُ أنَّ ابنَها حيٌّ على الخشبة، تُدركُ أنتَ أيضاً شيئاً عرفتَه دوماً ولم تجد له كلمات: أنَّ الفنَّ ليسَ زينةً للحياة.

الفنُّ هو الطريقةُ التي تصمدُ بها الحياةُ في وجهِ الموت.