“توت الأرض” الفيلم المغربي في مهرجان كان

بعد غياب عشر سنوات عن الإخراج السينمائي عادت ليلى المراكشي بفيلمها الروائي الطويل الثالث “الأحلى” (حسب العنوان الفرنسي)، أو “الفراولة” (حسب العنوان الإنجليزي)، أو “توت الأرض” حسب التسمية العربية، والذي أفضل تسميته بـ”جامعات الفراولة”. وقد عرض الفيلم في تظاهرة “نظرة ما” بمهرجان كان السينمائي الـ79.

إنه فيلم نسائي تماما، شأنه في ذلك شأن فيلم “المحطة” للمخرجة اليمنية سارة إسحاق الذي سبق أن كتبت عنه في هذا الموقع والذي عرض في تظاهرة “أسبوع النقاد”.

هو فيلم نسائي في الموضوع والكتابة والتمثيل والإخراج. فموضوعه يدور عن النساء أو الفتيات المغربيات اللاتي يذهبن من المغرب إلى إسبانيا، للعمل في حقول الفراولة في الأندلس، والظروف القاسية التي يعيشن ويعملن فيها.

إنه عمل سينمائي آخر عن العمالة المهاجرة وكيف تتعرض للاستغلال والاضطهاد والعنصرية، بل وكثيرا أيضا، للتجاهل التام لحقوقها أو الانتباه لها من زاوية إنسانية.

السيناريو يدور حول شخصية أساسية هي “حسناء” وهي امرأة قوية عنيدة صلبة، سنعرف أنها حازت الميدالية الذهبية في التايكوندو في المغرب. ولكن المعلومات التي تضيف إلى تكوين شخصيتها وتعمق منها، لن تأتي سوى في وقت متأخر كثيرا من مسار الفيلم. والمقصود أن نتعاطف معها ونتفهم غضبها إزاء الظروف التي تعمل فيها مع غيرها من النساء المغربيات، من بينهم بالطبع، “مريم” المحجبة، التي جاءت معها بالعبارة من المغرب، وتختلف تماما عنها فهي أصغر سنا، كما أنها ضعيفة الشخصية، منسحقة.

ليلى المراكشي

حسناء تبدو في البداية حائرة، فالمطلوب منها أن تهتم فقط بقطف ثمار الفراولة الناضجة وإهمال الثمرات الخضراء التي لم تنضج بعد كما يأمرها إيفان المشرف على العمل الذي يعمل لحساب صاحب الحقول لكنه يتصرف باعتباره الموكل إليه إدارة العمل كله وبالتالي التحكم في النساء كجاريات عنده يستبيح الاعتداء عليهم وتسخيريهن في العمل بل والأنكى الاستقطاع من أجورهن المتدنية أصلا (35 يورو يوميا) تحت ذرائع مختلفة منها مثلا ما يحدث عندما لا تحصل حسناء على أجرها المنتظرة بدعوى أنها قضت في الحمام وقتا طويلا!

تدريجيا تقع مريم تحت رحمة إيفان، الذي يغتصبها، ورغم أن مريم كانت شاهدة على ما حدث داخل الحمامات عندما أقصاها إيفان لكي ينفرد وحده بمريم وينال منها، إلا أنها تصمت، ثم تتهم مريم بأنها ارتضت أن تصبح محظية لهذا الرجل لكي تبتعد عن العمل الشاق في الحقول وتعمل في منزل إيفان، لكن هذا المعنى لا يصل إلينا، وهنا نقطة ضعف رئيسية في السيناريو، أي ضعف تكوين وبناء شخصية مريم، فنحن لا نعرف هل هي سعيدة حقا بما وصلت إليه بعد أن أصبح كل المطلوب منها العمل لبضعة ساعات في منزل الرجل الذي اغتصبها، أم أن صمتها جاء نتيجة خشية أن تفقد العمل كله وتعود إلى بلدها، أم أنها تخشى العواقب إن هي تجرأت واعترضت أو أسرت لزميلاتها بما تعرضت له؟ النتيجة أن فكرة مقاطعة زميلاتها لها ونظرتهن المليئة بالرفض إليها، غير مقنع، كما من غير المبرر ألا تذكر حسناء الحادثة عندما تقدم شهادتها أمام الأمر القضاء فيما بعد.

الموقف سينفجر فقط عندما تتعرض مريم للإجهاض من الحمل الذي نتج عن علاقتها الجنسية القسرية مع إيفان، فتصاب بالنزيف وتنقل إلى المستشفى، وعندئذ تعلن حسناء التمرد على إيفان وتفقد بالتالي عملها، لتلجأ الى المحامية الشابة (اليسارية) التي تتبنى في حماس، الدفاع عن قضايا العاملات والتحقق من ظروف العمل، وهي التي ستنقل الأمر إلى القضاء، لنلمس خلال نظر القضية- النظرة العنصرية إلى العاملات اللاتي ينتمين إلى ثقافة وخلفية مختلفة تماما.

هذا التناقض بين الثقافتين يوليه الفيلم اهتمامه من البداية، من خلال التوقف أمام عجز العاملات المغربيات عن فهم اللغة الإسبانية وبالتالي عجزهن عن التواصل مع الذين يديرون العمل. لكن الخلفية الثقافية لا تنحصر في اللغة فقط بل أساسا في اختلاف التقاليد والعادات والملبس والروح الجماعية… إلخ

ورغم هذان فالفيلم يصور تضامن النساء ليس فقط في المحنة، بل من خلال تصوير أوقات المرح وتبادل النكات والغناء المشترك والتعبير عن آمالهن وأحلامهن البسيطة التي تتمثل في ادخار مبلغ من المال والعودة إلى المغرب لبدء حياة أفضل، أو إرسال المال لمساعدة عائلاتهن.

لم تشأ ليلى المراكشي أن تجعل شخصية حسناء شخصية تثير التعاطف فقط، فسوف يكشف الفيلم ولو متأخرا، أنها هربت من منزل الزوجية مع مدربها الذي أقامت علاقة جنسية معه، ثم حوكمت بتهمة الزنا وسجنت لستة أشهر وفقدت بالتالي حضانة ابنها، وهي تود أن تدخر من المال ما يكفي لكي تعود وتعيد ابنها إلى حضانتها. هي إذن شخصية “مذنبة” في نظرنا، ولكن المراكشي تريد أن تقول إن هذا لا يجب أن يجعلنا نراها تستحق مصيرها، بل هي في الحقيقة ستصبح “بطلة “أيضا عندما تتصدى أمام المحكمة وتشهد بالحقيقية غير مبالية بما يمكن أن يحدث لها في مجتمع غريب، فهي تكشف كيف أصبحت مزارع الفراولة وكرا للدعارة القسرية المفروضة على عدد كبير من النساء، وكيف يتم التغاضي عن ذلك، والصمت.

دراميا يبدأ الفيلم بداية جيدة من لحظة العبور من المغرب إلى إسبانيا، ثم يصور في دقة تسجيلية حياة النساء في أكواخ صغيرة خانقة، حيث يتشارك كل أربع نساء كوخا (أو كابينة) ضيقة تشبه حاوية، تتضمن أربعة أسرة، ثم مشاهد العمل في الحقول تحت الشمس، ثم ينتقل إلى ما تتعرض له مريم ولكن من دون إطالة في سرد التفاصيل، ولكن الإيقاع يهبط في الثلث الأخير من الفيلم الذي يدور في معظمه في المحكمة، ويبقي العنصر الأهم في الفيلم هو عنصر الأداء التمثيلي الممتاز من جانب الممثلة نسرين الرادي التي سبق أن تألقت في فيلم نبيل عيوش “الجميع يحب تودة”، ومن جانب باقي الممثلات والممثلين.

وبوجه عام نجحت ليلى المراكشي كثيرا في السيطرة على أداء الممثلات الأساسيات، والممثلات غير المحترفات اللاتي استعانت بهن في الأدوار الثانوية من العاملات الحقيقيات في مزارع الفراولة، مع اختيار جيد جدا لمواقع التصوير، وانتقالات موفقة بين مناظر الداخل ومشاهد الخارج، مع منح الصورة معالم تشي بالشجن والحنين، وهو ما يحسب لمدير التصوير تريسان جالاند.