فيلم فرنسي عن حي عشوائي بالإسكندرية يقع في 12 ساعة
صلاح هاشم
من أجمل الأفلام الوثائقية الفرنسية الطويلة فيلم “مفروزة” (2007) (Mafrouza – Oh la nuit!) للمخرجة السينمائية المتفوقة إيمانويل ديموريس، الذي يحكي عن حي شعبي عشوائي في مدينة الإسكندرية، صعد إليه، منذ فترة السبعينيات، العديد من الأسر المصرية الصعيدية القادمة من صعيد مصر، وكان معظم أفرادها من أصول فلاحية، فسكنوه.
وليس هذا غريبًا في شيء، بالطبع، في ظل المشكلات التي كانت تعيشها مصر آنذاك، من بطالة وتكدس سكاني، وهي مشكلات سبقت ثورة 25 يناير وما زالت قائمة. لكن الغريب أن هؤلاء القادمين من الصعيد أقاموا حيهم «مفروزة» إلى جوار ميناء الإسكندرية الصناعي، فوق أطلال أكبر مقبرة يونانية رومانية في منطقة البحر المتوسط، وهي، كما يقول خبير آثار فرنسي يظهر في المشهد الأول من الجزء الأول من الفيلم، تمثل قطعة من آثار مصر وتاريخها العريق وما تبقى منه.
كانت مخرجة الفيلم قد حضرت إلى الإسكندرية عام 1999، في إطار بحثها عن مواقع تصوير لفيلم كانت تعد له، يناقش علاقة الموتى بالأحياء أو الموت في حياة البشر. فلما دخلت ذلك الحي العشوائي «مفروزة» وتعرفت إلى سكانه، أُعجبت بحيويتهم الفائقة، وبقدرتهم على مقاومة الموت واليأس والحزن في هذا «الجحر» الذي يقطنونه، داخل تلك المقابر الأثرية التي تمرح فيها الهوام والجرذان. وهو أشبه ما يكون بـ«متاهة»، بحواريه وأزقته الضيقة التي لا تسمح بمرور شخصين في آن واحد، كما في «زنقة الستات» بالإسكندرية.
ولا يمكن أن يتخيل المرء ظروفًا حياتية تراجيدية قاسية وبائسة في أي مكان على ظهر كوكبنا أشد قسوة من تلك الظروف، بعدما صار «مفروزة» أقرب إلى «خندق» تحت مستوى سطح البحر، ومقلب قمامة للتخلص من الفضلات الآدمية، لا يصلح لسكنى البشر.
قررت إيمانويل، أو «إيمان» كما صاروا يطلقون عليها، عندئذ أن تصنع فيلمها عن هؤلاء البشر الأحياء في مفروزة ومعهم، ونبذت فكرة عمل فيلم عن الموت. وعلى مدى عامين كاملين، عاشت معهم، ودخلت بيوتهم، وشربت معهم الشاي ودخنت، وتصعلكت معهم وشاركتهم حياتهم، وراحت تصورهم بكاميرتها لتحكي عن بطولات صغيرة وكبيرة. وتتبعتهم وتعقبتهم بكاميرتها في كل مكان، وخلال ساعات النهار والليل، حتى صارت كاميرا إيمانويل كاميرا متنقلة لا تنام، بل تسهر أيضًا مع أهل مفروزة في الأفراح والموالد والشوادر، وتشارك في الذكر حتى الصباح الباكر، وتصطحبهم إلى الأسواق والمستشفيات، وتسبح أيضًا معهم في بحر الإسكندرية، في محاولة للإمساك بتوهج الحياة في مصر، رغم الفقر والبؤس، وبألفة أهلها الطيبين الهامشيين الذين يعيشون في الظل، في القاع، وصراعهم ضد اليأس والفناء والعدم.
وصورت إيمانويل، أو إيمان، أكثر من مئة ساعة، ليس فقط عن أهل الحي، بل معهم أيضًا، ثم عادت إلى باريس، واشتغلت على مونتاج الفيلم لفترة تزيد على ست سنوات!

وخرجت في النهاية بذلك الفيلم الطويل الذي يستغرق عرضه أكثر من 12 ساعة، ولن تشعر ـ إن شاهدته كاملًا مثلي ـ فيه بلحظة أو دقيقة من الملل! وذلك بعد أن قسمته مخرجته إيمانويل إلى خمسة أفلام وثائقية طويلة مستقلة، بحيث تستطيع أن تشاهد أي جزء منها، يستغرق عرضه أكثر من ساعتين، بوصفه وحدة مستقلة أو فيلمًا مستقلًا، كما تستطيع أن تشاهد الفيلم كله دفعة واحدة، مع استراحة لمدة عشر دقائق أثناء عرض أجزاء الفيلم.
“الليلة الكبيرة” تكشف عن “ملحمة” إنسانية. فقد كانت «سينما سانت أندريه ديزار»، التي تقع في الضاحية السادسة من باريس، في قلب الحي اللاتيني، بالقرب من محطة مترو سان ميشيل، قد نظمت «ليلة» سينمائية كبيرة لعرض فيلم «مفروزة» كاملًا، يوم السبت 2 يوليو، في الثامنة مساءً، بحضور مخرجته إيمانويل ديموريس ومنتجه كاتب السيناريو الفرنسي الكبير جان جرول. وتضمنت الليلة مشاهدة أجزاء الفيلم الخمسة، مع وجبتي عشاء خفيف وإفطار مبكر، تخللتهما فطائر الكرواسان والقهوة. ورفعت إدارة السينما سعر التذكرة إلى 25 يورو فقط، في حين أن التذكرة العادية لمشاهدة فيلم واحد في باريس صارت تكلف الآن نحو تسعة يوروهات بالسعر العادي. وكانت فرصة لا تعوض، بالطبع، لمشاهدة الفيلم كاملًا بسعر زهيد، في ليلة سينمائية ممتعة للغاية، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تفوتنا، وفرصة أيضًا للالتقاء بمخرجته وإجراء حوار معها لجريدة «القاهرة».
كانت ليلة سينمائية بديعة حقًا في قلب عاصمة النور، باريس، رفعت بفيلم «مفروزة» سكان العشوائيات في «مفروزة»، بأصالتهم وإنسانيتهم، إلى مكانة عالية، واستردت لهم كرامتهم المنهوبة. تلك الكرامة التي مرغتها في الوحل بعض أفلام السينما المصرية الروائية، التي استغلت فرصة الحديث عنهم وتناول حياتهم ومشكلاتهم لصنع أفلام جنسية رخيصة وساقطة ومبتذلة.
في حين ارتفع فيلم «مفروزة» ببعض شخصيات الحي التي تظهر فيه، مثل شخصية (محمد خطاب) إمام الجامع، و(حسن أو سطوحي)، و(أبو حسني)، و(أبسيوني)، و(عادل وغادة)، بل لقد تسامق بها عاليًا، ليقربها، هكذا في رأينا، من شخصيات «الملاحم» العملاقة، كما في شخصيات ملحمتي «الإلياذة» و«الأوديسة» للشاعر اليوناني هوميروس، وينتقل من خانة الفيلم الوثائقي وسينما الواقع إلى خانة الفيلم الروائي وسينما الخيال والملاحم الإنسانية الكبرى.
ذلك أن تلك الشخصيات، مثل (حسن أو سطوحي)، وهو شاب يقضي خدمته العسكرية في الجيش، ثم يهرب منه لأنه لم يتعود إطاعة الأوامر، ويريد دومًا أن يكون سيد نفسه، ويقف ضد كل السلطات على طول الخط، فيروح، وبخاصة بعد أن فقد حبيبته وتوفيت خطيبته، يتصعلك في الشوارع، ويشتبك في المعارك والخناقات، ويجوب الأفراح مع فرقة شعبية ليغني في الزفة ويرتجل الأزجال… تتحرر تدريجيًا من أسر الواقع في الفيلم، في حين أنها، كما قلت، لا تؤدي أي أدوار تمثيلية، بل تحضر فقط بكلامها وفكرها ولحمها ودمها، بشكل طبيعي وشديد الإنسانية، وتدلف هكذا تدريجيًا إلى عالم الفيلم الروائي، بسبب عاملين أو عنصرين مهمين وأساسيين في الفيلم.
أولهما: عامل الوقت؛ فقد سمحت إيمانويل لتلك الشخصيات بأن تأخذ الوقت الذي تحتاج إليه حتى تتبلور أمامنا في الفيلم، ومنحت كل شخصية الوقت لكي تحكي وتتواجد وتكبر وتتسامق في نظرنا، في كل مرة تظهر فيها في الفيلم. وكأن الكاميرا، من فرط تعلقها بهم، لا تريد أن تفارقهم، فقد صارت هي الأخرى فردًا من أبناء الحي، وكأن إيمانويل قد عثرت في ذلك الحي العشوائي المكتظ بسكانه من الصعايدة، «مفروزة»، ومعظمهم من الأميين البسطاء، ملح الأرض، على شيء استثنائي.
عثرت، وهي الفرنسية الغريبة، هكذا، على جنتها، ولا تريد أن تفترق عنها أبدًا؛ فقد انجذبت نحو أهل الحي، كما قالت لي إيمانويل في حواري معها لجريدة «القاهرة»، بسبب حيويتهم الفائقة وذكائهم وفطنتهم، وبسبب تلك الروح المصرية الإنسانية العميقة الأصيلة، التي تسكنهم بلا شك، بتسامحها وألفتها وغبطتها وحكمتها وتعاليمها وتاريخها، وقدرتها، حتى في أشد لحظات البؤس ألمًا وفقرًا وتعاسة ووحدة وشقاءً، على أن تصنع سعادتها. إنها تضم كل المحتاجين والفقراء المعذبين والهامشيين المنسيين على رصيف الحياة، وتضمهم إلى صدرها في حضن كبير، وتحنو عليهم، ثم تروح تواسيهم وتطبطب على ظهورهم.
صعايدة مصر يدافعون عن السينما الوثائقية!

ولذلك، وبسبب عامل الوقت، كما شرحت، إضافة إلى عامل الانتماء أو الاستغراق الكلي من جانب إيمانويل مع شعب مفروزة، وتلاحمها مع ذلك الشعب المصري المنسي الخفي في القاع، يذكر أحدهم في الفيلم أنه لو كانت مفروزة ظاهرة في الشارع، لكانت الحكومة اهتمت بأمرها واغتسلت من عارها. لكن مشكلة مفروزة أنها كانت «فضيحة» مخفية تحت الأرض، وغير ظاهرة للأجانب والسياح، ولذلك لم يسأل أحد عنها أو يهتم بمشكلات سكانها وحياتهم ومأساتهم في القاع.
ولولا أن إيمانويل، انطلاقًا من هذا العامل، «الانتماء المتبادل»، أقبلت على هؤلاء الناس وأحبتهم وجعلتهم يشعرون بذلك التلاحم والحب، لما كانوا، يقينًا، رحبوا بها وفتحوا لها بيوتهم، كما يظهر ذلك جليًا في الفيلم. حتى صارت حكايتها حكاية في مفروزة؛ حكاية البنت الأجنبية الفرنساوية إيمانويل التي تصور هناك. ولما كانوا كذلك تبنوها وأغدقوا عليها من كرمهم المصري الأصيل، وحموها، واعتبروها أختًا لهم، ودافعوا عنها وعن فيلمها التسجيلي بشراسة ضد بعض أبناء الحي الذين لم يرحبوا إطلاقًا بوجود كاميرا تصور حياتهم وفضيحتهم.
ويبدو أنها شرحت لهم أن فيلمها سيكون ضد الهراء الذي تروّج له الصحافة والأفلام التي تستغل حياتهم في التزوير وصنع الأفلام الإباحية الجنسية الفاضحة. ولأنه فيلم وثائقي، كما شرحت لهم إيمانويل، فقد فهموا القصد منه واطمأنوا إليها؛ إذ سيصور، على عكس الأفلام الروائية، حياتهم الحقيقية كما هي، ولن يكون القصد منه أبدًا الدعاية المغرضة ضد مصر، أو نشر غسيلها الوسخ على السطوح في الخارج.
والجميل في فيلم «مفروزة»، ضمن أشياء أخرى جميلة، بل رائعة، أننا نحكي هنا في الواقع عن شريط نعتبره «ملحمة» سينمائية، بالنظر إلى طوله وقيمته، مثل الملاحم الإنسانية الكبرى للحكواتية الكبار في السينما، من أمثال الهولندي يوريس إيفانز، أنه يجعل صعايدة مصر الأميين البسطاء يدافعون عن حق السينما الوثائقية ـ ولا يصح أبدًا أن نطلق عليها سينما تسجيلية، لأنها تكشف في النهاية عن «نظرة» و«موقف» و«وجهة نظر»، وخلف كل كاميرا، روائية كانت أم تسجيلية، مخرج وعقل مفكر يختار ـ حقها في الوجود. ويجعلهم يدافعون عنها في الفيلم، ويشتبكون من أجلها في معارك وخناقات.
والجميل أيضًا في فيلم «مفروزة»، الذي استمتعت به استمتاعًا لا حد له خلال تلك الليلة، التي تخللتها استراحات لم تكن استراحات غذائية فحسب، لقضم لقمة أو لقمتين في العشاء والإفطار المذكورين، بل تخللتها كذلك استراحات شعرية، قامت خلالها مخرجة الفيلم ومنتجه بإلقاء بعض قصائد الشعر للشاعر الفرنسي الكبير روبير ديزنو، وبعض قصائد مولانا جلال الدين الرومي.
والجميل في الفيلم، الذي حصل على جائزة كبرى في مهرجان لوكارنو السينمائي العالمي، كما نال عدة جوائز يستحقها من مهرجانات عدة، أنه يقدم ويعرض نماذج إنسانية باهرة تتجاوز حدود جغرافية المكان، أي مفروزة في مصر، ويجعلها، ببساطتها وحكمتها وإنسانيتها وقدرتها على مقاومة أقسى ظروف الحياة وأشدها قسوة، تنطلق في سماء السينما العالمية، وتصبح شخصيات «إنسانية» فقط، صالحة لكل الأماكن والعصور، وخارج نطاق مكان أو زمان محدد، مثل تلك الشخصيات التي ابتدعها الفرنسي إميل زولا في رواياته، أو بلزاك، أو الروسي تشيخوف، أو الأيرلندي صموئيل بيكيت.
كما في شخصية السيدة ربة البيت، الأم الفلاحة الأمية، التي ترفض أي إحسان من أحد، ولا تقبل أي هدية، حتى في المواسم والأعياد، وتجعلها كرامتها الإنسانية تتسامق. والكفاح من أجل نقطة ضوء، كما يعلّي الفيلم في الوقت ذاته من قيمة الحرية، كما في نموذج شخصية حسن السطوحي، الذي يبهرنا في الفيلم بشخصيته وحزنه وجنونه وقلقه وتمرده وثورته على كل سلطة.

وربما كانت شخصية «أبو حسني»، الفلاح الصعيدي الذي يقطن «الجبل» ـ هكذا كانوا يطلقون أيضًا في الإسكندرية على أهل مفروزة ـ هذا الإنسان الذي لا ييأس من نزح الماء من حجرته، ولا يكف أبدًا عن ذلك؛ فالماء يطفح من جديد في كل مرة، ويحاصره وينكد عليه عيشته في وحدته، فيقوم بجلب الرمال والأسمنت، ويحاول أن يقاوم زحف الماء وتغطيته بالتراب والأحجار، لكنه يفشل في كل مرة.
ربما كانت شخصية (أبو حسني) هذه هي الشخصية المحورية، الوتد في الفيلم؛ فهي تظهر وتختفي في أجزائه لتحيل، بفكرة ظهورها، إلى «العبث» الذي صارت إليه طبيعة الحياة في الجبل، «مفروزة»، والمحاولة الإنسانية لتحييدها أو قهرها أو تحجيمها ومقاومتها. وتذكرنا شخصيته بشخصية «سيزيف»، كما في الأسطورة اليونانية، كما تحيل أيضًا إلى بعض شخصيات مسرح العبث عند يونسكو وصموئيل بيكيت. إنها في قلب العتمة، لكنها لا تقبل أبدًا بالعتمة أو الحصار أو السجن، وتكافح من أجل نقطة ضوء.
كما تبرز أيضًا في الفيلم شخصية محمد خطاب، إمام الجامع، الذي نكتشف، كما يظهر في الجزء الخامس والأخير من الفيلم، أنه كان طبالًا في فرقة، ثم هداه الله فتحول إلى واعظ وإمام للمسجد الوحيد في الحي. ويقول، بعد أن يحكي قصة مقاومته لمحاولة الإسلاميين المتطرفين الاستيلاء على مسجد عرفة في مفروزة وفرض سيطرتهم ووصايتهم وسطوتهم عليه، إن الله عندما خلق الإنسان خلقه مع الأمل، ولذلك، ما دام بقي في الإنسان ذرة أمل، فيجب ألا ييأس أبدًا.
غير أن الكفاح ومقاومة اليأس، كما يكشف الفيلم، لا يمكن أن يتحققا إلا في إطار تضامن أهل مفروزة وتعاضدهم وتقاربهم وحب بعضهم بعضًا. ويظهر ذلك واضحًا وجليًا في الفيلم من خلال الحديث عن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، التي لا تشوبها شائبة، وتظهر بمظهر مشرف وجميل. كما يقدم الفيلم نموذج (أبو شنب)، المسلم تاجر الخردة في الحي، الذي يحتفظ في جيبه بصورة للقديس مار جرجس (سيدنا الخضر عند المسلمين)، ويتبارك به بعد أن اختبر قدرته على تحقيق المعجزات، حتى إن البعض من أصدقائه طالبوه بأن يفسر لهم سر صحبته للمسيحيين.
كما تظهر صور التضامن بين أهل الحي في الفيلم من خلال إعلاء قيمة المشاركة وتوزيع كيلوجرامات من الأرز واللحم في أكياس على فقراء الحي والمحتاجين في العيد الكبير. ويعلي الفيلم أيضًا من قيمة الصداقة، ويظهر ذلك في الصداقة بين زوجة أبي شنب وصديقتها المسيحية، وبين حسن سطوحي وأقرانه في الفرقة التي تعزف وتغني في الأفراح.
ويعلي الفيلم كذلك من قيمة الوفاء والإخلاص في الحب، من خلال تقديم الزوجين عادل وابنة عمته غادة؛ وكان عادل قد تزوج من ابنة عمته بعدما أدرك، متأخرًا، أنها تحبه وتموت في دَباديبه. غير أن ذلك لا يمنعه من أن يرينا في الفيلم صورة جميلة بالألوان، تكشف عن رسم فنان فطري لحبيبته وخطيبته السابقة.
ويمتلئ الفيلم هكذا بالقصص والحكايات الإنسانية الجميلة التي تكشف عن معدن الشعب المصري وأصالته، وعن تلك القيم والتعاليم التي ترسخت من خلال الذاكرة الجمعية المصرية على مر العصور، ومنذ سبعة آلاف سنة، في الدلتا والصعيد وكل ناحية من أنحاء القطر.
حيث تبرز قيم الشهامة والجدعنة والرجولة والوقوف ضد الظلم، والاصطفاف في خندق الفقراء والمعدمين. في حين تقدم لنا (أم بسيوني)، في أحد أجزاء الفيلم، درسًا في العبقرية المصرية المبتكرة الخلاقة التي تستطيع أن تصنع، كما يقول المثل البلدي، «من الفسيخ شربات». فها هي أم بسيوني تنجح في صنع فرن بلدي لطهي الخبز من الحجر والتراب والورق والخشب والأسمنت، مستخدمةً الفضلات التي يُلقى بها في مقلب قمامة الحي، ذلك الحي الذي تحول في «مفروزة» إلى مقلب قمامة ومستودع نفايات، على بُعد خطوات من ميناء الإسكندرية الصناعي.
إن القيمة الكبرى في هذا الفيلم تكمن، في رأينا، في أنه يتحدث عن «بطولات» إنسانية صغيرة في قلب الحياة والوجود والمصير الإنساني ذاته، ويكشف عن وجود نماذج تكافح وتناضل ضد الموت والبؤس والفناء والدمار والعبث والعدم. ولا يهم أبدًا المكان الذي تقع فيه تلك البطولات: في مفروزة بمصر، أو ساو باولو بالبرازيل، أو كلكتا بالهند. المهم أنها تحدث الآن، وفي كل الأماكن والأوقات، مما يقوي فينا الأمل، ويجعلنا نتأملها ونتمثلها.
والمهم، ثانيًا، أن «الكفاح» وحده، كما تكشف عنه محاولات «أبو حسني» لنزح الماء من حجرته، أو بالأحرى جحره، هو الذي يمنح حياتنا قيمتها الأسمى، ويجعلها، كما في فيلم «مفروزة» البديع، محتملة وجديرة بأن تُعاش.
تحية إلى «مفروزة» ومخرجته على هذا الفيلم البديع.
